الثلاثاء 28 أبريل 2020 05:01 م

منذ فجر عصر النفط، تعرضت الأسعار إلى حد معين من التقلبات، لكن عمق التغيير خلال الأسابيع القليلة الماضية غير مسبوق.

في بداية عام 2020، تم بيع برميل واحد من النفط بأكثر من 60 دولارًا، ولكن في منتصف أبريل/نيسان انخفض السعر إلى حوالي 20 دولارًا.

في 20 أبريل/نيسان، انخفض سعر خام "غرب تكساس الوسيط" (WTI)، وهو المعيار الأمريكي للخام الخفيف، إلى المنطقة السلبية لأول مرة في التاريخ.

كان على البائعين أن يدفعوا للزبائن مقابل أخذ النفط غير المرغوب فيه، وهنا تطرح تساؤلات من قبيل ما الذي يحفز هذا التقلب الشديد؟

كيف ستستجيب الولايات المتحدة كأكبر منتج في العالم (19% من الإجمالي) وأكبر مستهلك (20% من الإجمالي)؟ كيف ستؤثر هذه الأزمة على دول مجلس التعاون الخليجي الست؟

لماذا الآن؟

مثل أي سلعة، يعكس سعر النفط التوازن بين العرض والطلب، دفعت التغيرات الجذرية في الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية اليومية في جميع أنحاء العالم استجابة لوباء "كورونا" سوق النفط العالمي إلى عدم التوازن.

على صعيد العرض، في مارس/آذار، لم يتمكن أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" والمنتجون الرئيسيون الآخرون، ولا سيما روسيا، من تمديد اتفاق سابق تم التوقيع عليه لخفض الإنتاج، سمح هذا الفشل برفع جميع القيود وبالتالي بدأ المنتجون الرئيسيون في التنافس على حصة السوق.

في أوائل أبريل/نيسان، غُمرت السوق العالمية بفائض كبير، دفع هذا الإنتاج المفرط قادة العالم إلى إعادة التفاوض على اتفاق نفطي جديد اتفق بموجبه أعضاء "أوبك" والمنتجون الآخرون على خفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل في اليوم، وهو أعمق انخفاض في التاريخ، ليبدأ في مايو/أيار.

في 10 أبريل/نيسان، تمت المصادقة على الاتفاقية من قبل أكبر الاقتصادات في العالم من خلال "مجموعة العشرين"، وأشارت الولايات المتحدة وكندا والنرويج والمكسيك والبرازيل إلى أنها ستخفض إنتاجها أيضًا، ومع ذلك، يدعي بعض محللي الصناعة أن هذه الاتفاقية الأخيرة "قليلة جدًا ومتأخرة جدًا".

فشلت خطط تخفيضات الإمدادات غير المسبوقة من قبل "أوبك +" حتى الآن في تعويض الهبوط في الطلب على النفط، تعتبر الجهود غير كافية لإعادة التوازن في السوق على الفور نظرًا لحجم انخفاض الطلب.

ومن المتوقع أن ينخفض ​​الاستهلاك العالمي اليومي بنحو 30 مليون برميل في أبريل/نيسان، أي 3 أضعاف التخفيضات التي تعهدت بها "أوبك" والمنتجون الآخرون.

من المرجح أن يستمر هذا الانهيار الكبير في الاستهلاك لبعض الوقت في ضوء الأزمة الصحية العالمية المستمرة، كما أن المصافي غير راغبة في تحويل النفط إلى بنزين وديزل ومنتجات أخرى لأن القليل من الناس يتنقلون أو يستقلون رحلات الطائرات وقد تباطأت التجارة الدولية بشكل حاد.

يقدر معهد البترول الأمريكي أن إنتاج النفط العالمي لا يزال حوالي 100 مليون برميل في اليوم ولكن الطلب انخفض إلى 70 مليون برميل.

وقد خلق هذا المزيج من الإنتاج المفرط والانخفاض الكبير في الاستخدام تحديًا جديدًا فيما يتعلق بمرافق التخزين العالمية للنفط الذي يتواصل ضخه، تبلغ الطاقة التخزينية للعالم 6.8 مليار برميل، يتم تعبئة ما يقرب من 60% منها.

باختصار، هناك فائض عالمي هائل قوبل بقليل من الطلب، وأماكن التخزين المحتملة تتضاءل. وإلى أن تهدأ جائحة الفيروس ويعود النمو الاقتصادي، سيستمر ضغط الأسعار الهبوطي.

رد الولايات المتحدة

أصبح النفط الرخيص في العقدين الماضيين، سيفا ذي حدين، لطالما ضغط الرؤساء الأمريكيون للوصول لأسعار النفط المنخفضة لتغذية أكبر مستهلك في العالم.

غيّرت ثورة النفط الصخري في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بشكل كبير قطاع الطاقة، وخلقت صناعة محلية مزدهرة وحولت البلاد إلى أكبر منتج في العالم أيضًا.

على عكس حلقات النفط الرخيصة الأخرى، فإن الأسعار المنخفضة الحالية لا تفيد بالضرورة المستهلكين الأمريكيين حيث تم تعليق معظم الأنشطة الاقتصادية مؤقتًا بسبب فيروس "كورونا"، بل إن انهيار أسعار النفط يضر بصناعة النفط في تكساس وأوكلاهوما ونورث داكوتا وبقية أنحاء البلاد، في هذا السياق، شارك الرئيس "ترامب" شخصيًا في المفاوضات بين "أوبك" والمنتجين الآخرين لخفض الإنتاج.

خلقت وفرة النفط العالمية والأسعار المنخفضة للغاية بيئة حيث لا يمكن لشركات النفط الأمريكية البقاء فيها على قيد الحياة، تحتاج صناعة النفط الأمريكية إلى سعر أعلى بكثير من 20 دولارًا للبرميل من أجل المنافسة وتحقيق الربح.

في أبريل/نيسان، نظر الرئيس "ترامب" في خيارين على الأقل لتخفيف الوضع، تخزين النفط في الاحتياطي الاستراتيجي للبترول (SPR) و/أو فرض ضرائب على النفط المستورد من السعودية وربما من دول أخرى، ويقدم كل خيار مشاكله الخاصة.

 من المتوقع أن يكون مركز التخزين الرئيسي في كوشينغ، أوكلاهوما ممتلئًا في غضون أسابيع، وقد كرر الرئيس خططه لتخزين النفط الفائض في احتياطي البترول الاستراتيجي، الذي يحتوي على حوالي 635 مليون برميل من النفط ومجهز لتخزين 75 مليون برميل إضافي، لسوء الحظ، لأسباب فنية، سيستغرق الأمر عدة أشهر لتخزين هذا النفط الإضافي.

إن الخيار الثاني قيد النظر وهو فرض تعريفات على النفط المستورد من أجل إرغام المنتجين الأجانب على قطع الإنتاج وحماية الشركات الأمريكية، لا يزال استيراد النفط الأجنبي مستمرا لأن المصافي الأمريكية مجهزة للتعامل مع الخام الأجنبي بشكل أفضل من الصنف الخفيف المنتج في الداخل.

من المهم أيضًا الإشارة إلى أنه على عكس العديد من البلدان الأخرى، لا تستطيع حكومة الولايات المتحدة الالتزام بخفض الإنتاج بتفويض من الحكومة، لا يمكن أن يتم هذا الالتزام إلا من قبل شركات النفط الخاصة، وفي الأسابيع الأخيرة، خفضت هذه الشركات بشكل كبير الإنفاق الرأسمالي وبدأت في إغلاق بعض آبار إنتاجها.

التأثير على دول المجلس

بالرغم من الجهود الجادة لتقليل اعتمادها على عائدات النفط، لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط والغاز الطبيعي لتحقيق النجاح الاقتصادي.

تجعلهم هذه التبعية عرضة لتقلبات الأسعار، من المهم التمييز بين التأثير قصير وطويل الأجل لانخفاض أسعار النفط، كما أن الأرقام الدقيقة عن خسائرهم المالية ليست متاحة بعد، لكن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يتحقق نمو لديهم بنسبة 2.7% في عام 2020، وسوف يتحول الحساب الجاري من فائض قدره 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى عجز قدره 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020، وفي السنوات القليلة المقبلة، ستضطر الحكومات إلى خفض الإنفاق ورفع الاقتراض وتأخير أو وقف الاستثمارات الحكومية.

بالرغم من هذه التوقعات الاقتصادية القاتمة قصيرة المدى، يبدو المدى المتوسط ​​إلى الطويل مشرقًا، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتسارع النمو الاقتصادي في عام 2021، وسوف ينمو معدل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل حسب التضخم) في جميع الدول الست: البحرين (3.0%) ، الكويت (3.4%) ، عمان (3.0%) ، قطر (5.0%) والسعودية (2.9%) والإمارات (3.3%).

منذ وقت طويل، أنشأت دول مجلس التعاون الخليجي ودول أخرى صناديق ثروة سيادية/صناديق نفطية مثل هيئة أبوظبي للاستثمار (1976)، وهيئة الاستثمار الكويتية (1953)، وهيئة الاستثمار القطرية (2005)، وصندوق الاستثمار السعودي (1971).

وكما هو الحال في الأزمات المالية السابقة، من المرجح أن تستخدم دول مجلس التعاون الخليجي بعض احتياطياتها المالية في صناديق الثروة السيادية لتحفيز اقتصاداتها، وتوفر صناديق الثروة السيادية لدول مجلس التعاون الخليجي وسائد مالية كبيرة وتعمل كحواجز ضد الانكماش الاقتصادي قصير المدى.

((4))

المستقبل

يبدو أن التخفيضات الكبيرة في الإنتاج أمر لا مفر منه لوقف انهيار أسعار النفط في الأشهر القليلة المقبلة، وبمجرد احتواء "كورونا" واستئناف الأنشطة الاقتصادية حول العالم، من المرجح أن تعيد قوى السوق التوازن بين العرض والطلب.

عادة، يشجع انخفاض الأسعار على زيادة الاستهلاك وانخفاض الاستثمار، يؤدي هذا المزيج إلى ارتفاع الطلب وانخفاض العرض، وسيعكس السعر هذا التوازن الجديد.

ومع ذلك، لا ينبغي لهذا الإسقاط المتفائل على المدى الطويل أن يبطئ الجهود الفورية لدول مجلس التعاون الخليجي لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن عائدات النفط والغاز، وبالتالي، يتعين على دول الخليج مضاعفة استثماراتها في رأس المال البشري وإعطاء الأولوية للسعي من أجل الاقتصادات القائمة على المعرفة.

المصدر | جودت بهجت | منتدى الخليج الدولي- ترجمة وتحرير الخليج الجديد