الثلاثاء 28 أبريل 2020 10:40 ص

عن طارق البشري ورفاقه

تشكلت مدرسة فكرية إسلامية وسطية في مصر من إنتلجنسيا مثقفة متكاملة.

العلماني يرى أن طريق الخلاص والخروج من المأزق يكمن باستبعاد الدين وتجاهل دوره.

التيار الحركي الإسلامي غلّب الجانب العاطفي والتحشيدي والدعوي على حساب الاجتهاد والتجديد والإصلاح الديني.

*     *     *

فوجئت، خلال مطالعاتي على تسجيل عشرات الدروس (على يوتيوب) للمستشار محمد سليم العوا، في شرح كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، رغم قراءتي سابقاً لكتب العوا ومقالاته، ومتابعتي المستمرة له خلال العقود السابقة. فوجئت، فعلاً، كيف أنّ هذا المستشار القانوني والفقيه الدستوري المعروف (والمرشّح لموقع رئيس الجمهورية المصرية بعد ثورة 25 يناير) يملك هذه المعرفة العميقة بالتراث الإسلامي.

بل ويعيد شرح كتاب الغزالي بلغةٍ جميلة، تُظهر سعة اطلاعه على مسائل الفقه والحديث والفرق الإسلامية، ودقائق اللغة وغيرها من علومٍ دفعت آخرين إلى عالم الأوراق الصفراء، بعيداً عن أي اشتباك سياسي أو ثقافي مع المشهد العام.

هنا شيفرة الإسلاميين الإصلاحيين، إذ وقعت التيارات الإسلامية، عموماً، بين اتجاهين: التراثي الذي يدور في معرفته وأفكاره وصراعاته ومفاهيمه حول التراث الإسلامي، من دون محاولة لاستنهاضه واستدخاله في عملية الانبعاث الحضاري.

والتيار الحركي الإسلامي الذي يعمل ضمن ماكينة سياسية - دعوية أو حزبية، من دون أن يمتلك المشروع المعرفي والفكري الرصين العميق!

والحال نفسها بالنسبة للتيارين، العلماني والإسلامي: يرى الأول أن طريق الخلاص والخروج من المأزق يكمن باستبعاد الدين وتجاهل دوره، والآخر (الإسلامي) عموماً، في صبغته الإحيائية أو الحركية، غلّب الجانب العاطفي والتحشيدي والدعوي على حساب الاجتهاد والتجديد والإصلاح الديني.

وفي مواجهة هذه التيارات جميعاً وُلدت نخب واتجاهات إصلاحية، بخلفية إسلامية، تمتلك المنهجية الشمولية التي تتجاوز الانقسامات، وتقدّم رؤىً إصلاحية ووطنية ودينية وثقافية، يمكن أن تكون مشروعاً للجميع والوطن وللقواسم المشتركة، لا تجد فيها تناقضاً بين الدساتير والقوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية، ولا بين متطلبات النهضة القومية والوطنية والإنسانية.

لديها تجربة ثرية مع التراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه، اطلاع على الحضارات والثقافات، محسوبة على أهل العلم والفكر والثقافة. وفي الأثناء، تخوض معارك إصلاحية في مجال مواجهة الاستبداد والدفاع عن حقوق الشعوب بالحرية والكرامة الإنسانية، تؤمن بالهوية لكن بوصفها إطاراً جامعاً عاماً منفتحاً على جميع الشرائح الاجتماعية والثقافية والسياسية.

هل أبالغ في توصيف هذا الاتجاه الإصلاحي الوطني – الإسلامي، أو في تعريفه؟ من يشكّ في ذلك ما عليه إلا العودة إلى ما كتبه الأكاديمي والباحث الأميركي، ريموند وليم بيكر، "إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد"، وهو كتاب مهم، تمت ترجمته إلى العربية بواسطة المركز العلمي للدراسات السياسية (عمّان)، في العام 2008.

يتحدّث عن مدرسة فكرية إسلامية وسطية في مصر، تتشكّل من إنتلجنسيا مثقفة متكاملة، خلال العقود الماضية، مثل أحمد كمال أبو المجد (المفكر الإسلامي)، طارق البشري ومحمد سليم العوا (مفكران وقانونيان)، محمد الغزالي (المفكر والفقيه)، يوسف القرضاوي (العالم)، والصحافي فهمي هويدي.

هذه المدرسة التي أعلنت عن نفسها بصورة جلية بما سماه المؤلف "مانفيستو" في العام 1991، عبر كتاب ألّفه حينها أحمد كمال أبو المجد، متحدثاً عن رؤيتهم في قضايا ومجالات عديدة بعنوان "رؤية إسلامية جديدة".

وهي رؤية كانت تلك المجموعة قد أعدّتها قبل ذلك بعشرة أعوام، لكنّها لم تر النور إلا في 1991، ثم قدّمها جماهيرياً أبو المجد بعد ذلك في العام 1992، بالتزامن مع المناظرة الشهيرة بين الشيخ محمد الغزالي وفرج فودة في معرض القاهرة للكتاب.

يبدأ الكتاب فصوله بسردٍ ذكيٍّ لقصة شاب متطرّف، أعلن عن توبته على التلفزيون المصري، وتخليه عن فكر الإرهاب والعنف الذي كان يؤمن به. ويقدّم الشاب، في المسار الذي سلكه في طريق التطرّف، ثم طريق العودة إلى الاعتدال.

ويرصد بيكر كيف أنّ هذا الشاب، رغم أنّه خدم الرواية الرسمية الأمنية بصورة مباشرة، إلا أنّ التأثير الأكثر عمقاً في حديثه كان أبعد مدىً، وكسر الصورة النمطية التي أرادت الدولة تكريسها بوصف المنخرطين في جماعات التطرّف مجرمين سطحيين، لا يملكون ثقافة، وغير متعلمين.

ليظهر الشاب على قدر كبير من الكاريزما والثقافة، متحدّثاً بارعاً صدم المصريين، وهو يتحدث عن "الجيل المفقود" من الشباب التائه، بحثاً عن هويته وعن أفق، ليقع لاحقاً في براثن الخطاب التكفيري المتطرّف!

مثل هذا التيار هو الأقدر على مجابهة الجمود الديني والفقهي، وتقديم الوسطية الإسلامية المعتدلة، لا المصطنعة المعلّبة، ولعلّ أحد أهم وأبرز قياداته في مصر هو المستشار طارق البشري (نتمنّى له الشفاء العاجل)، إذ كتب عن التيار الأساسي في الأمة والهوية الوطنية الجامعة، وإصلاح المؤسسات الدينية وتأهيلها، وعن التيارات الإسلامية القديمة والمعاصرة، وبنى رؤيةً حضاريةً في كيفية التوفيق القوانين الوطنية والثقافة الإسلامية.

بالضرورة، مثل هذا التيار ليس مقتصراً على الساحة المصرية، فهنالك اتجاهاتٌ مماثلةٌ في أغلب الدول العربية والإسلامية اليوم، وهو امتداد لمشروعات الإصلاح الوطنية والإسلامية في بدايات القرن الماضي، أو ما سمّيت المدرسة الإصلاحية.

مناسبة هذه المراجعة، وأنا أتابع حلقات العوا، هو الشعور بالحزن على تفريط المجتمعات والسياسيين بمثل هذه النخب المميّزة، التي وقعت ضحية الصراعات قبل الربيع العربي وبعده، ودفعت الثمن مرتين. فضلاً عن أنّ محمد العوا خاض الانتخابات الرئاسية، ووقف الإسلاميون ضده.

ومع ما رافق ذلك من خطاب عدائي وقاس لإفشاله في الانتخابات، فقد واجه أيضاً حملة من خصوم الإسلاميين بوصفه من المرجعيات الفكرية للتيار الإسلامي، وهي الحال نفسها مع البشري وعلماء إصلاحيين آخرين في دول عربية وإسلامية، وقعوا بين سندان الاستبداد والتخوين من جهة وإقصاء الإسلاميين من جهةٍ أخرى.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق.

المصدر | العربي الجديد