السبت 2 مايو 2020 05:14 ص

لم تلعب الصين دورا مهما فى سياسات الشرق الأوسط منذ التأسيس الحديث لها عام 1949، وتمحور دور الصين فى تقديم دعم معنوى ورمزى فقط للحقوق الفلسطينية والعربية فى صراع الشرق الأوسط.

ورغم إرث الاستعمار الغربى للدول العربية، ورغم دور دول مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة فى إنشاء ورعاية إسرائيل، اختارت الدول العربية التقرب من الغرب ونموذجه الاقتصادى والثقافى، لكن هذا الواقع قد لا يصمد أمام ما تشهده الصين من تطورات متسارعة والتى ستصل تبعاتها للدول العربية.

لم تحتج الصين إلى بترول وغاز العرب إلا بدء من عام 1993 عندما فاق استهلاكها من الطاقة حجم إنتاجها للمرة الأولى، من هنا لم يعد بإمكان الصين تجاهل هذه المنطقة الغنية بثرواتها الطبيعية خاصة مصادر الطاقة اللازمة لاستمرار تقدمها من بترول وغاز، ولا تستطيع كذلك تجاهل السوق الاستهلاكية العربية الواعدة والمتزايدة باستمرار، من هنا لن يستطيع العرب تجاهل الصين طوعا أو كرها.

*      *      *

وخلال الأسابيع الأخيرة دفعت طريقة تعامل الرئيس دونالد ترامب مع انتشار فيروس كورونا لطرح أسئلة عدة بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط فى ظل استمرار الصعود الصينى.

وبلا شك فقد تعرضت صورة أمريكا لهزة عالمية بسبب سوء إدارة أزمة كورونا. وفى الوقت الذى أوقفت فيه وكالة التنمية الأمريكية منذ منتصف مارس الماضى إرسال شحنات المساعدات الطبية للخارج بسبب الحاجة لها داخل الولايات المتحدة جراء نقص المستلزمات الطبية فى العديد من المستشفيات، سجلت إشادة إعلامية عربية بالنجاح الصينى فى التعامل مع كورونا.

ولا يمر يوم دون صدور أخبار عن تقديم الحكومة الصينية مساعدات طبية لعواصم عربية تتكون بالأساس من فرق طبية مدربة، وكميات كبيرة من الكمامات الطبية والألبسة المعقمة وعدد من أجهزة التنفس الآلية، وذلك لدعم الجهود المحلية فى مواجهة فيروس كورونا.

وعرضت التليفزيونات العربية خلال الأسابيع الأخيرة صور طائرات صينية تحط فى العديد من المدن العربية من بغداد ودمشق لبيروت وعمان، ومن القاهرة وتونس إلى الرباط والجزائر، وكلها محملة بالمساعدات.

وتأرجحت المشاعر العربية فى مواقفها من الصين، فهناك الكثير من العلامات على أن شعوب المنطقة لديها غضب من الصين بسبب كونها مصدر الفيروس، إضافة لتستر حكومتها على أخبار وطبيعة الفيروس حتى انتشر فى كل بقاع الدنيا بعد ذلك.

وهناك من العرب من يبرر للصين كل ما قامت به ويبرز فقط الشق الإيجابى المتمثل فى نجاحها فى مواجهة الفيروس كما تدعى الرواية الرسمية.

من ناحية أخرى نشط الإعلام الصينى الموجهة باللغة العربية خلال الأسابيع الأخيرة، وتتبع الصين من جانبها استراتيجية بروباجندا تعتمد على لىِّ الحقائق.

فقد عرض موقع التليفزيون الصينى الموجه باللغة العربية على سبيل المثال مقالا فى صدر موقعه الإلكترونى يوم الأربعاء الماضى عنوانه «إدارة ترامب تحتاج إلى تحمل المسئولية عن الأوبئة الثلاثة».

وطبقا للمقال فالوباء الأول هو فيروس كورونا الذى خُطط له أن يصيب الصين أولا، والوباء الثانى يتمثل فى الأزمة الاقتصادية التى تجتاح الولايات المتحدة وبقية العالم، فى حين أن الوباء الثالث هو التمييز العنصرى ضد الأشخاص من ذوى الأصول الآسيوية حول العالم.

وتستغل الصين الأزمة حاليا لتثبيت موقعها العالمى من خلال الترويج لانتصارها على الفيروس واحتواء مخاطره فى وقت فشلت فيه الديمقراطيات الغربية.

*      *      *

للولايات المتحدة حاليا أكثر من أربعين ألف جندى يتوزعون فى عدة دول عربية رغم تاريخ وحاضر عربى يعكس خبرات أليمة مع الولايات المتحدة عنوانها الأبرز دعم الظلم الواقع على الشعب الفلسطينى الذى اغتصبت إسرائيل أراضيه بدعم غير منطقى وغير مبرر.

في ذات الوقت عرفت النخب العربية الرسمية، ملكية وجمهورية، غراما غير مبرر بالولايات المتحدة. وبعيدا عن التواجد العسكرى الأمريكى، يهيمن النفوذ الأمريكى على العرب وأصبحت جامعاتها ومستشفياتها ونمط حياتها هدفا للنخب العربية حتى تلك المختلفة معها.

وتتلاعب واشنطن بالعرب وبتطلعات شعوبهم للحرية والديمقراطية فى وقت ليس من مصلحة واشنطن أن توجد ديمقراطيات عربية فيه.

على الجانب الآخر نشطت الصين فى الساحة العربية، والشرق أوسطية خلال العقود الأخيرة. ووازنت بكين بين علاقات معقدة وواسعة مع صناعة التكنولوجيا الإسرائيلية، وبين مصالحها فى مصادر الطاقة العربية. وازنت الصين فى علاقات ممتازة تجمعها بالغريمين السعودية من جانب وإيران من جانب آخر.

وبلغ حجم التبادل التجارى بين الصين والدول العربية عام 2018 ما يقرب من 224 مليار دولار طبقا لبيانات رسمية مجمعة.

وبعيدا عن التجارة لا تقدم الصين مساعدات لا ترد للدول العربية أو غيرها، فالنموذج الصينى يقدم القروض الاستثمارية لتنفيذ مشروعات ضخمة للبنية الأساسية فى العديد من الدول العربية بنسب فائدة متوسطة وتسدد على مدار عدة سنوات فى المستقبل.

فقط قدمت الصين 90 مليون دولار فى صورة مساعدات إنسانية وإنشائية لكل من سوريا واليمن والأردن ولبنان، فى وقت بلغت فيه المساعدات الغربية والأمريكية عدة مليارات سنويا لعدد من الدول العربية.

*      *      *

نجحت الصين خلال العقدين الأخيرين وسجلت معجزة بكل المقاييس المادية المتاحة من حيث النمو الاقتصادى، ومن حيث نقل ملايين البشر من الفقر المدقع لطبقات وسطى مستقرة، ونجحت فى عمليات تطوير كبيرة وميكنة غير مسبوقة للريف الصينى.

ساعد الصين فى ذلك عدم تحملها أى تكلفة لحماية خطوط إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة تتكفل بهذه المهمة من خلال وجودها العسكرى فى منطقة الخليج.

وتعتقد المدرسة السياسية الأمريكية أن قدرات الصين العسكرية مازالت محدودة كى تستطيع القيام بمهام حماية خطوط الملاحة الدولية، وأنه لا توجد دولة أخرى بجانب الولايات المتحدة تستطيع القيام بهذا الدور الحيوى.

وربما يحدث تغير فى المستقبل القريب فى هذه الترتيبات خاصة بعدما أسست بكين لأول قاعدة عسكرية لها فى الخارج فى دولة جيبوتى عند مدخل البحر الأحمر.

*      *      *

يقف العرب انتظارا لنتائج تنافس بكين وواشنطن وقد ارتضوا أن يلعبوا دور المفعول به مرة أخرى دون التخطيط أو الاستعداد، ناهيك عن المشاركة، فى تشكيل ما هو قادم.

- محمد المنشاوي كاتب صحفى فى الشؤون الأمريكية من واشنطن.

المصدر | الشروق المصرية