الاثنين 4 مايو 2020 12:44 م

عندما يموت مريض في مستشفى، يعقد الأطباء في كثير من الأحيان اجتماعات خاصة تهدف إلى تحديد الخطأ الذي حدث ولماذا.

وعندما تحدث أزمة وطنية، ننخرط في عملية مماثلة إلى حد ما في الأشهر والسنوات التالية لها.

وبمرور الوقت، يتم إجراء تحقيقات رسمية، ويبدأ القادة السياسيون ووسائل الإعلام والجمهور مناقشات متخصصة تهدف إلى التوصل إلى فهم عام للسبب الأساسي للأزمة والخطوات التي يجب اتخاذها لمنع تكرارها.

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، علمنا أن أمريكا كانت عرضة للهجوم المباشر من قبل جهات في الشرق الأوسط، وبعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، علمنا أن الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري ليست مصدر أموال يعمل بشكل آلي وأن الرهون العقارية المحفوفة بالمخاطر تشكل كارثة محتملة إذا لم ترتفع قيمة العقارات.

وبالمثل، سيقدم وباء "كوفيد-19" عدة دروس.

الدرس 1: لا إجابات يقينية

هناك استجابة للوباء متوازنة بشكل مثالي، تقع في منطقة بين "الإغلاق التام" و"المجتمع المنفتح تمامًا". السؤال الأهم هو: هل كانت عمليات الإغلاق ضرورية لوقف انتشار الفيروس التاجي؟ من منظور علمي، فإن هذا السؤال غير قابل للإجابة لأنه لم يكن هناك مجموعات تحكم ثابتة (أي مجموعات لم تمر بالإغلاق) ومجموعات تجريبية (أي إغلاق تام)، ولا يوجد لدينا عالم بديل لم نطلق فيه عمليات الإغلاق، لكي نقارنه بعالمنا.

سيزعم طرفا النقاش أنهما على صواب، لأسباب سياسية داخلية إلى حد كبير.

بالنسبة لمن يصدقون أسوأ التنبؤات بسيناريو "كوفيد-19"، والتي تنبأت بمئات الآلاف أو الملايين من وفيات الأمريكيين بالفيروس، فإنهم يجادلون بأن الإغلاق والتباعد الاجتماعي منعا وقوع كارثة كاملة.

أما الذين لا يصدقون أن السيناريو الأسوأ كان حتميًا بدون إغلاق، فهم يجادلون بأن نماذج التنبؤ كانت مبالغًا فيها، أو أن الغايات لا تبرر الوسيلة على الأقل.

إذا اتبعنا المنهج العلمي؛ فإن الطريقة الوحيدة التي يمكن تصورها لحل هذا النزاع هي الاعتماد على المزيد من نماذج التنبؤ؛ وهي نفس النماذج التي تكون صحتها محل تساؤل.

بعيدًا عن التكهنات المعقدة التي توفرها النماذج، يخبرنا العلم أنه لا يمكن أن يكون لدينا أبدًا إجابة محددة لأهم سؤال يثيره الوباء.

ومن وجهة نظر جيوسياسية؛ يطرح هذا مشكلة كبيرة، فالحكومات تحتاج لمعرفة كيفية التصرف في المرة القادمة التي يحدث فيها وباء، كما يمكن أن يغضب الجمهور إذا أدرك أنه لم يتم تعلم أي دروس.

الدرس 2: العلم ليس العامل الوحيد

غالبَا ما يتعارض تطبيق توصيات العلماء ومسؤولي الصحة العامة والأكاديميين مع الحقائق الجيوسياسية الأخرى. كلما حدثت أزمة، صاحبها ميل قوي للتوجه نحو الخبراء أو التكنوقراط لإيجاد الحلول.

ولكن، تكمن المشكلة لدى الخبراء في أنهم غالبًا ما يكافحون من أجل وضع عملهم المهم في سياق صورة أكبر.

 على سبيل المثال؛ ادعى أولئك الذين يفضلون عمليات الإغلاق القاسية أنهم "يتبعون العلم"، وقال أحد علماء جامعة إمبريال كوليدج إن المملكة المتحدة ستحتاج إلى الحفاظ على مستوى كبير من التباعد الاجتماعي، إلى أجل غير مسمى حتى يكون لدينا لقاح متاح. في حين أن مثل هذا البيان قد يكون سليمًا من الناحية العلمية، إلا أنه غير ممكن لأنه يفشل في دمج حقائق الحياة اليومية.

هناك مشكلة أخرى؛ هي أن "العلم" لا يوفر توجيهًا واضحًا بشكل لا لبس فيه. على سبيل المثال، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه قد لا يكون هناك مطلقًا لقاح فعال بشكل خاص ضد "كوفيد-19".

والسبب بيولوجي بشكل أساسي؛ فربما لا يحفز "كورونا" مناعة لدى البشر الذين أصيبوا به مدى الحياة.

بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى غير العلم تشارك في تحديد استجابة الحكومة للوباء، مثل الاعتبارات القانونية والأخلاقية والاقتصادية.

يمكن أن يؤدي السماح لأي عامل واحد بالسيطرة على صنع السياسات إلى نتائج غير مرغوب فيها، وقد تحولت جائحة "كوفيد-19" إلى حدث جيوسياسي كبير، وبالتالي أصبحت أدوات التحليل الجيوسياسي أكثر أهمية من أي وقت مضى.

هذا هو السبب على الأرجح الذي دفع "وينستون تشرشل" إلى قوله الشهير: "يجب على العلماء أن يكونوا مستعدين، ولكن ليس عليهم أن يحتلوا القمة".

سواء كان ذلك صحيحًا أم خاطئًا، ففي الوضع الحالي يدرك الجمهور أنه تم منح الأولوية للاعتبارات العلمية، لدرجة أن الصحة الاقتصادية أصبحت في أدنى مستوى.

لذلك؛ سيُحاسب أعضاء المجتمع العلمي على أفعالهم وتوصياتهم مثل السياسيين، وقد يؤدي ذلك إلى تقويض ثقة الجمهور في المؤسسة الطبية.

الدرس 3: إدراك تكلفة القرارات

يجب أن يواجه الجمهور تكلفة مقايضات الحياة أو الموت.

عندما يقيم المسؤولون الحكوميون إيجابيات وسلبيات أفعالهم، فإنهم غالبًا ما يفعلون ذلك من منظور تكلفة الفرصة، كل عمل له تكلفة، وغالبًا ما تكون أفضل طريقة لقياس هذه التكاليف هي أولاً تحويل ما يتم قياسه -الوقت أو الإنتاجية أو الفرص- إلى دولارات وسنتات.

يمكن القيام بذلك حتى مع صحة الإنسان وحياته نفسها.

يقول الكثير من الناس أنه لا يمكن للمرء أن يضع ثمنًا لحياة الإنسان، وهذا صحيح من منظور أخلاقي أو فلسفي. ولكن؛ في نظر الاقتصاديين، لسنا متساوين وليست قيمتنا بعيدة عن التقدير بثمن.

توضح تجربة فكرية بسيطة مدى سهولة تثمين حياة الإنسان، تخيل أنك عمدة بلدة صغيرة، وهناك تقاطع خطير يتسبب في حالة وفاة واحدة بحوادث السيارات كل عام.

تتقدم إليك شركة بحل يقترح إعادة تصميم التقاطع وإعادة بنائه، بشكل يضمن منع حوادث السيارات، لكن المشكلة الوحيدة هي أن مشروع البنية التحتية هذا يكلف 100 مليون دولار.

وبالنظر إلى أن ميزانية بلدتك الصغيرة أقل بكثير من ذلك، فإن المدينة لا تستطيع تحملها بدون زيادة ضريبية هائلة، أنت تقترح زيادة الضرائب على مواطنيك، الذين يرفضونها بأغلبية ساحقة. لقد قالها المواطنون إذن؛ إن حياة الذين سيقتلون في حوادث عند التقاطع لا تساوي 100 مليون دولار.

وبالرغم أننا لا نرغب في الاعتراف بذلك، فإننا نتخذ قرارات شخصية كهذه طوال الوقت؛ من المحتمل مثلًا أن تنفق الأسرة أموالها حتى الإفلاس لإنقاذ حياة طفل ولكن ليس حياة الجد البالغ من العمر 95 عامًا. هذا لأننا نعلم أن الطفل يحتمل أن يكون أمامه مستقبل طويل ومشرق ومزدهر، لكن الجد ليس كذلك.

كما تقوم شركات التأمين على الحياة بإجراء حسابات مثل هذه على أساس يومي.

الخلاصة هي أن نتذكر أننا نتحدث عن القيمة الاقتصادية وليس القيمة الأخلاقية؛ هناك دائمًا مساحة للمنظور الأخلاقي في الجغرافيا السياسية، ولكن يجب أيضًا أن تؤخذ في الاعتبار جنبًا إلى جنب مع عوامل أخرى.

يجب أن يوضع هذا في الاعتبار فيما يتعلق بالنقاش القادم حول ما إذا كان إغلاق "كوفيد-19" كان ضروريا.

إحدى الطرق التي يتعامل بها المجتمع مع هذا السؤال هي مقارنة تكاليف الإغلاق (على سبيل المثال، انخفاض الناتج المحلي الإجمالي) بفوائده (على سبيل المثال، القيمة الاقتصادية للأرواح التي تم إنقاذها).

في الوقت نفسه، يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضًا أن الإغلاق نفسه قد يكون مسؤولًا بشكل مباشر أو غير مباشر عن الوفيات الزائدة بسبب الانتحار أو أمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان وأسباب أخرى، والتي قد يكون بعضها بسبب الخوف من الذهاب إلى المستشفى.

وفي حين واجهت الحكومات سابقا هذه المعضلات بشكل مستمر عند التفكير في العمل العسكري، فإن القيام بذلك من منظور الصحة العامة لم يكن معتادًا.

الدرس 4: السعي للاكتفاء الذاتي

تتطلب سلسلة التوريد العالمية لإعادة صياغة لأن التجربة أثبتت أن اعتماد الدول على بعضها ليس كافيًا، هذا هو الدرس الأكثر وضوحًا من بين جميع الدروس التي قدمتها جائحة "كوفيد-19".

فخلال الأشهر القليلة الماضية، علمنا أن تأثير الدومينو؛ بدءًا من توقف الاقتصاد الصيني، يمكن أن يؤدي إلى كوابيس لوجستية تنهار معها سلاسل التوريد وتدمر الاقتصادات.

كان فيما حدث تحذير للدول أيضًا من اعتمادها على الدول الأجنبية للحصول على منتجات ذات أهمية حيوية لرفاهية سكانها، وحتى المنتجات ذات الأهمية للأمن القومي، مثل الأدوية والأجهزة الطبية، يتم تصنيعها جزئيًا على الأقل في الخارج.

أخيرًا، علمت الشعوب أن حلفاءها سيفضلون تخزين الموارد عند حدوث أزمة، وتعلمت إيطاليا هذا الدرس بشكل قاسي بعد موقف الاتحاد الأوروبي من التفشي فيها.

سيكون هناك ضغط هائل على الحكومات لإنشاء مخزونات وطنية من المواد الحيوية، وخلق فائض في سلاسل التوريد الخاصة بها لتكون أكثر اكتفاء ذاتيا.

وقد يتطلب ذلك توفير بعض القدرات الصناعية التي تعتبر حيوية للمصلحة الوطنية، على أرض الوطن.

إذا ثبت أن ذلك غير عملي أو غير فعال اقتصاديًا، فستكون الإمكانية الأخرى هي إنشاء تحالفات سلاسل توريد عالمية بين الدول الموثوقة.

بالطبع، يجب بناء أي تحالف من هذا القبيل بطريقة تمنع الفشل الذريع الذي حدث في الاتحاد الأوروبي.

وبالتالي، فمع قيام البلدان والشركات متعددة الجنسيات بإعطاء الأولوية للاعتماد على الذات بعد الجائحة، فإنها ستسعى إلى زيادة طاقتها الإنتاجية للإمدادات الحيوية والأدوية وستكون أكثر انتقائية في بناء الروابط التجارية مع الدول التي تثق بها أكثر من غيرها.

وبعبارة أخرى، ستعتمد سلاسل التوريد بشكل متزايد على الأمن والمرونة.

المصدر | أليكس بيريزو - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد