الأربعاء 4 مارس 2020 01:29 م

لا تزال الصين صاحبة نصيب الأسد من حالات الإصابة بفيروس "كورونا" الجديد في العالم، المعروف باسم "كوفيد-19"، حيث تمثل الصين 92% من حالات الإصابة عالميا. وبلغ عدد الوفيات من الفيروس  نحو 3 آلاف في الصين، فيما حدثت 118 حالة في دول متفرقة حول العالم. لكن أحداث الأيام القليلة الماضية أظهرت أن "كوفيد-19" لن يبقى قصة صينية بالدرجة الأولى.

ويتجاوز عدد الحالات الجديدة المبلغ عنها يوميا من الإصابة بالفيروس خارج الصين عدد الحالات الجديدة داخل الصين للمرة الأولى. وفي الأسبوع الماضي، بدءا من 24 فبراير/شباط، أبلغت أكثر من 30 دولة جديدة عن أول حالات إصابة بالفيروس، بما في ذلك البرازيل في أمريكا الجنوبية، وأفغانستان في جنوب آسيا، والبحرين في الخليج العربي.

ولم تأت أي من هذه الحالات تقريبا من الصين. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أبلغت ولاية واشنطن عن أول حالة وفاة في الولايات المتحدة، مع إصابة أول عامل في مجال الرعاية الصحية، والأكثر إثارة للقلق، أول اندلاع معروف للمرض في منشأة عريقة لرعاية المسنين.

ونظرا لانتشار فيروس "كورونا" حول العالم، فيجب على الحكومات المختلفة أن تفكر مليا في أي جزء من تجربة الصين ستكون قابلة للتعميم في بلدانها.

ويجب على المسؤولين البدء بالسؤال عما إذا كان "كوفيد-19" سيكون له آثار صحية مماثلة على سكانهم كتلك التي كانت على الناس في الصين، حيث قتل الفيروس ما يقرب من 3% من ضحاياه، وتسبب في أعراض خطيرة، مثل الالتهاب الرئوي وضيق التنفس في 1 من كل 7 أشخاص مصابين.

ومن المحتمل أن يكون فهم العوامل التي تؤثر على استجابة الشخص المناعية للفيروس أمرا مهما أكثر من فهم الفيروس نفسه. وهنا يجب أن نعلم أن واحدا من بين كل رجلين بالغين في الصين يدخن. ولم يتم تحديد آثار التدخين على "كوفيد-19"، لكن الدراسات السابقة أظهرت أن التدخين يزيد من شدة الإنفلونزا ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية "ميرس"، وهي نوع آخر من أنواع فيروس "كورونا".

وقد تساعد معدلات التدخين المرتفعة بشكل غير عادي في تفسير السبب في أن الرجال الصينيين يمثلون 64% من وفيات "كوفيد-19" حيث تبلغ نسبة النساء المدخنات 2% فقط.

ويوجد في الصين أيضا أعلى مستويات تلوث الهواء في العالم، وقد يزيد الزحام والسماء الملوثة من معدلات إصابة الأشخاص بعدوى "كوفيد-19" وشدة أعراضه.

ولكن على الرغم من أن العادات غير الصحية والعوامل البيئية قد تؤدي إلى تفاقم انتشار وشدة الفيروس في الصين، فمن المحتمل أن تكون بعض الأفكار حول تفشي الفيروس في تلك الدولة قابلة للتطبيق على نطاق واسع. على سبيل المثال، معرفة أنه ينتشر بسهولة، وأنه قاتل بشكل خاص لكبار السن.

ويضر "كوفيد-19" أكثر الأشخاص الذين تجاوزوا 65 عاما من العمر، الذين تضاعف عددهم تقريبا في الصين منذ عام 2000.

وينبغي على الدول الأخرى أن تأخذ بعين الاعتبار تجربة الصين مع تفشي الفيروس والنظر إلى نظام الرعاية الصحية الوطني. وهنا، المعلومة المؤسفة هي أن العديد من الدول قد تكون أسوأ حالا. فقد طغى هذا الفيروس التاجي الجديد على نظام الرعاية الصحية في مقاطعة "هوبي"، التي تضم "ووهان" وهي مركز تفشي المرض، لدرجة أنه يقتل الناس هناك بمعدل يتراوح ما بين 4 و6 أضعاف مثيله في بقية الصين.

وتفيد تقارير هناك بأن الأطباء يلبسون حفاضات لأنهم لا يملكون وقتا للاستراحة، وأن الآلاف من الممرضات المتطوعات يعملن على مدار الساعة بإمدادات غير كافية من الأقنعة. وفي الوقت نفسه، يشكو المرضى الذين يعانون من حالات أخرى، مثل السرطان، من الإهمال.

ويحدث هذا النقص في الرعاية بالرغم أن الصين تبني مستشفيات جديدة، وتُخرج مستشفيات بأكملها من الخدمة العامة وتكرسها للتعامل مع مصابي "كوفيد-19"، وتحشد الآلاف من أجهزة التنفس وغيرها من معدات الالتهاب الرئوي.

ومما لا شك فيه، أن بعض الدول التي لديها أنظمة رعاية صحية أقوى من الصين قد تفعل ما هو أفضل. وقامت سنغافورة حتى الآن بالسيطرة على تفشي الفيروس، مع أكثر من 100 حالة إصابة دون وفاة واحدة. لكن العديد من الدول لن يكون لديها ما يكفي من أسرة المستشفيات وأجهزة التنفس الصناعي لدعم المرضى المصابين بأمراض شديدة ناتجة عن الفيروس.

وأكدت إيران حدوث 978 حالة من حالات الإصابة بالفيروس خلال أسبوع، وقد سجلت بالفعل 54 حالة وفاة بسبب الفيروس، وهو في الوقت الحالي أكبر عدد من حالات الوفاة جراء ذلك النوع من الحالات خارج الصين.

ومن المحتمل أن تفكر دول أخرى فيما إذا كان عليها استنساخ التدابير الاستثنائية التي اتخذتها الصين لوقف انتشار فيروس "كورونا" الجديد. وقيدت الصين حركة 760 مليون شخص، أي ما يعادل ضعف عدد سكان الولايات المتحدة وكندا مجتمعين.

وفرضت الصين نظاما صارما من الحجر الصحي، حيث حولت الحالات المشتبه فيها والتي لم يتم اختبارها في كثير من الأحيان إلى صالات الألعاب الرياضية والساحات الرياضية ومراكز احتجاز مؤقتة أخرى، حيث تخضع لفحوصات منتظمة لاكتشاف علامات الحمى، مع إجبار تلك الحالات على مشاركة مرافق الاستحمام والمراحيض مع مئات الأشخاص الآخرين المصابين.

وفي يوم الثلاثاء الماضي، أخبر مسؤول كبير في منظمة الصحة العالمية المراسلين أن الدول الأخرى يمكن أن تتعلم من "النهج الصارم" للصين. وقال مسؤول منظمة الصحة العالمية: "إنهم يعرفون ماذا يفعلون، وهم جيدون حقا". وأعلنت كوريا الجنوبية، التي لديها أكبر عدد من الحالات خارج الصين، أنها أيضا ستغلق المدن حسب الحاجة، وقد تحركت بالفعل في هذا الاتجاه في مدينة "دايجو"، رابع أكبر مدنها.

لكن لا يمكن لأي دولة أخرى ولا ينبغي لها أن تسعى لتكرار كل تصرفات الصين. فالتجاهل الذي تبديه الحكومة الآن للحريات المدنية وحقوق مواطنيها لا ينفصل عن السياسات والإجراءات التي ساهمت في اندلاع المرض في المقام الأول.

وتشمل هذه السلوكيات رفض الحكومة لتبادل المعلومات حول انتقال الفيروس من إنسان لآخر في الوقت المناسب، وعواقبه، والرقابة على الأطباء وغيرهم ممن سعوا لإنذار الناس بشأن فيروس كورونا الجديد، وبطء مشاركة معلومات الصحة العامة الأساسية التي ربما كانت لتساعد الآلاف من الصينيين على تجنب العدوى.

ولا تزال الصين ترفض مشاركة المعلومات مع منظمة الصحة العالمية حول عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية الصينيين المصابين، مما يعرض هؤلاء الأطباء والممرضين لمخاطر أكبر.

إذن، فما هي الدروس التي ينبغي على الدول الأخرى أخذها من الصين في التعامل مع الفيروس؟

أولا: السرعة والشفافية والدقة في الإبلاغ عن المخاطر ذات الصلة بهذا الموضوع.

ثانيا: كانت أكثر الإجراءات فعالية في الصين ضد هذا الفيروس هي تلك التي يمكن تنفيذها دون سحق حقوق الإنسان، مثل تعليق وسائل النقل العام، وإغلاق أماكن الترفيه، والحد من التجمعات العامة.

ثالثا: يجب أن تستعد مرافق وإدارات الرعاية الصحية بالتدريب والمعدات والخطط التشغيلية التفصيلية للتعامل مع أي طفرة في مرضى "كوفيد-19"، خاصة بين كبار السن، والتي سوف يظهرها مثال الصين في وقت قريب.

المصدر | فورين أفيرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد