الأربعاء 6 مايو 2020 08:23 م

يرى الاقتصادي وعالم الاجتماع الأمريكي "جوزيف شومبيتر" أن المبتكر يصنع ما يمكن تسميته بـ "التدمير الخلاق"، لأن الابتكار يتسبب في أن تصبح أنماط التفكير والتقنيات والأنظمة بالية.

واعتبر "شومبيتر" أيضا أن هذا "التدمير الخلاق" ينتج تقدما مستمرا من خلال تحسين مستويات المعيشة للمجتمع ككل.

ومع وجود عدد كبير من الشباب في الخليج، من المرجح أن يستمر السلوك المعتمد على الإنترنت في جميع أنحاء المنطقة حتى بعد أن تخفف حكومات مجلس التعاون الخليجي من قيود البقاء في المنزل.

وشكل 11 مارس/آذار نقطة تحول، أو ما يمكن اعتباره "قفزة كمية"، للأعمال غير التقليدية في دول الخليج.

وعندما أعلنت منظمة الصحة العالمية "كوفيد-19" جائحة عالمية، توجهت الأنظار للمجال الرقمي كبديل للنمط التقليدي في مباشرة الأعمال.

وفي أكثر من شهر بقليل، تحول المستهلكون في دول الخليج من العيش في عالم البيع المباشر إلى حد كبير إلى عالم يغلب عليه الطابع الرقمي.

ويعد الجانب المضيء من "كوفيد-19" بالنسبة لاقتصادات الخليج هو أن أوامر تدابير السلامة تظهر الابتكارات التي طال انتظارها في المجال الرقمي.

ويؤدي التحول الرقمي السريع إلى إحداث تغييرات في أنماط الأعمال التقليدية وتوفير فرصة للتنويع من خلال التنمية التي يقودها الابتكار، والتي لديها القدرة على الموارد البشرية الشابة في الخليج.

ويميل صانعو السياسات في الخليج إلى العيش في واجهة اقتصاد مزدهر يغلب عليه طفرات النفط، والاستثمار بشكل خاطئ بشكل كبير في المشاريع الضخمة، ما يتسبب في الإنفاق المفرط، مع ما ينتج عنه من تفويت فرص ضخمة لتطوير القطاع الخاص الناشئ.

ومع بدء دول الخليج في التطلع إلى التعافي من الجائحة، يجب أن يكون هناك تركيز أكثر بين قادة الصناعة على تنمية القطاعات التكنولوجية مثل التجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ولن يؤدي تمكين رواد الأعمال والمؤسسات صغيرة ومتوسطة الحجم في هذه القطاعات إلى توظيف رأس المال البشري الوطني وتنويع الاقتصاد فحسب، بل يمكنه أيضا زيادة الأمن الاقتصادي والسياسي عن طريق الحد من المخاطر المرتبطة بزيادة الإنفاق خلال فترات الازدهار وإجراءات التقشف أثناء الأزمات المالية.

الابتكار.. الجانب المضيء للأزمة

وقديما قالوا "الحاجة أم الاختراع"، أو يمكننا القول إن الابتكار يولد من رحم الأزمة. وعندما أطلق عملاق التجارة الإلكترونية الصيني "علي بابا" منصة التسوق عبر الإنترنت للشركة عام 2002، مع إغلاق معظم البلاد بسبب وباء "سارس"، تم دفع الشركات والمستهلكين إلى الإنترنت، ما مثل لحظة مهمة في الثورة الرقمية في الصين.

وبالمثل، يجب على قادة الصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي الاستفادة من الأزمة الحالية كفرصة للابتكار الذي سيوفر تنمية ونموا على المدى الطويل.

وإلى جانب أسعار النفط المتداعية، يواجه قادة الصناعة في دول الخليج اليوم تحولات هائلة في ممارساتهم التجارية؛ حيث يتكيفون مع عادات المستهلك المتغيرة والاقتصاد المتقلب. وهنا تكمن الفرصة.

وفي الماضي، كانت العقبة الرئيسية التي تعترض متابعة التحول الرقمي هي عجز الثقة الذي أظهره العديد من قادة الأعمال والمستهلكين في خدمات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

أما الآن، أكثر من أي وقت مضى، فهناك فرصة لصانعي السياسات الخليجيين للاستفادة من بناء الثقة المتزايدة في المعاملات الرقمية وإرساء الأساس لنظام اقتصادي رقمي من خلال تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة ورجال الأعمال.

وبينما تتعرض اقتصادات دول الخليج لصدمات كبيرة، فإن جيلا جديدا من القوى العاملة يدخل السوق أيضا. ويشكل الشباب الخليجي الماهر في تعامله مع التكنولوجيا أكبر مجموعة سكانية عمرية في المنطقة.

في عام 2017، شكل الشباب في الكويت والبحرين وقطر، 70.2% و65.4% و71.7% من السكان على التوالي. وليسوا هم الأغلبية فحسب، بل هم الجيل الأكثر تعليما في تاريخ الخليج.

ويسير خلق فرص في الاقتصاد الرقمي من خلال ريادة الأعمال وإنشاء الشركات الصغيرة والمتوسطة للشباب جنبا إلى جنب مع التنويع المستدام للاقتصاد.

ونظرا لأن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه عجزا ماليا يلوح في الأفق، فإن تمكين الشباب من شأنه أن يخفف العبء المالي بعيدا عن القطاع العام.

وفي جميع أنحاء مجلس التعاون الخليجي، هناك نحو 34.4% من المواطنين العاملين في القطاع الخاص.

وكلما واجهت دول الخليج تباطؤا دوريا في الاقتصاد، كانت هناك هجرة جماعية للعمال المغتربين، الأمر الذي يخاطر بإحداث خسائر في كل من تنوع الاقتصاد ورأس المال البشري.

وإذا تم وضع الشباب الخليجي في موقع استراتيجي لسد هذه الفجوات، فلن تكون اقتصادات دول المجلس عرضة للخسائر الدورية في الخبرة، والاضطرابات المستمرة للمشاريع طويلة الأجل، وخسائر التنويع الاقتصادي.

الابتكار والتنويع والأمن

وترتبط التنمية التي يقودها الابتكار، وتوظيف الشباب، ارتباطا وثيقا بأمن مجلس التعاون الخليجي. وفي عام 2011، استجابت الحكومات الخليجية دائما لتحركات الربيع العربي التي يقودها الشباب من خلال مقاومة التغيير السياسي الجوهري، وبدلا من ذلك ركزت طاقاتها على الإصلاحات الاقتصادية.

نتيجة لذلك، اتخذت دول الخليج خطوات نحو التنمية الاقتصادية بعد الربيع العربي كاستراتيجية لتحقيق هدفين مهمين، التنويع الاقتصادي بعيدا عن الموارد الهيدروكربونية، والحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في ظل عدم استقرار غالبية السكان من الشباب.

على سبيل المثال، كجزء من "رؤى 2030"، أطلقت الكويت وقطر والبحرين العديد من حاضنات الأعمال وصناديق الاستثمار الأولية من خلال مؤسسات الدولة، مثل الصندوق الوطني الكويتي لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والبنك القطري للتنمية، ومؤسسة "تمكين" البحرينية.

ومع ذلك، فإن الفرق الأساسي بين اليوم وأوائل عام 2010 هو أن دول مجلس التعاون الخليجي اليوم أضعف من الناحية الاقتصادية.

وتؤثر صدمة الطلب على ركائز الاقتصاد في دول الخليج، وهي السياحة والطيران والخدمات اللوجستية، كما تسبب انهيار أسعار النفط في تداعيات سلبية على الميزانيات الخليجية.

وبالتالي، فإن التوترات المتصاعدة أو معدلات البطالة المرتفعة بين شباب المنطقة خلال هذه الأوقات لن تجد في المقابل السخاء والكرم من قبل الحكام كما كان في عام 2011، عندما تم تقديم حزم منح من الدولة بسخاء للعديد من المواطنين. وبعد الربيع العربي، ارتفع إجمالي الإنفاق الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 20% في عام 2011.

استغلال ريادة الشباب هو المفتاح

وإذا تم اتخاذ سياسات ذكية وقرارات جريئة لاستغلال رأس المال البشري لشباب الخليج، فمن المتوقع أن تكون هناك زيادة ملحوظة في الطلب على المنتجات والخدمات التقنية الجديدة.

ومع تطور الأحداث بسرعة، يجب على دول الخليج اتخاذ خطوات معينة في هذه النافذة الضيقة من الفرص لتأمين منافع اقتصادية طويلة المدى للاقتصاد الرقمي في حقبة ما بعد "كوفيد-19".

أولا، يجب على الحكومات تعديل الإطار التنظيمي بسرعة لتشجيع الشركات الناشئة الجديدة وتحفيز الابتكار في الشركات الخاصة القائمة.

ثانيا، مع مغادرة القوى العاملة الأجنبية، يجب على الدول اتخاذ خطوات لاستبدالها بمواطني الخليج. وسيساعد هذا الانتقال في الحفاظ على الاستمرارية في المشاريع القائمة وتخفيف المخاطر المرتبطة بوجود قوة عاملة أجنبية.

ثالثا، يحتاج رجال الأعمال إلى التحفيز لزيادة الأرباح إلى أقصى حد ممكن من خلال المساهمة في تنمية ديناميكية للقطاع الخاص، بدلا من التماس مناقصات كبيرة للمشاريع الضخمة المرهقة.

ويجب استبدال المشاريع الضخمة التي تهدف لتنويع اقتصادات الخليج بمشاريع أقل تكلفة وأكثر كفاءة تؤدي إلى إنتاجية أعلى في الوقت الذي تضيف فيه تنوعا على المدى القصير.

ولا تعد المشاريع الضخمة البطيئة والمرهقة، مثل "نيوم" في السعودية، مشاريع مستدامة في البيئة المالية الحالية، وهي عرضة للانكماشات الدورية.

وحان الوقت لتوسيع خدمات التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا المالية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي هذا الوقت المظلم، عندما يكافح العالم جائحة تستهدف الصحة العالمية، توجد فرصة لاستخدام أحد أكثر موارد المنطقة وفرة، وهو رأس المال البشري.

وإذا كانت دول المجلس ترغب حقا في تنويع اقتصاداتها والاستفادة من الطفرة في رأس المال البشري الشاب، فإن السياسات التي تركز على التنمية التي يقودها الابتكار في القطاع الخاص يمكن أن تخفف من بعض المخاطر السياسية والاقتصادية الناجمة عن الانكماشات الدورية.

المصدر | دانيا ظافر - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد