الأحد 10 مايو 2020 01:08 م

لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أنها القوة الرائدة عند مقارنتها بالقوى الصاعدة الأخرى، ولكن بشكل منتظم يميل الرأي العام، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة أصبحت في حالة تراجع وتم تجاوزها من قبل منافس آخر، أحيانًا اقتصاديًا، وأحيانًا عسكريًا وأحيانًا بطرق غير ظاهرة.

في الخمسينيات، كان هناك من يقول إن الولايات المتحدة كانت في حالة تدهور وكان السوفييت يتفوقون عليها. عندما أطلق السوفييت أول قمر صناعي الذي عرف بـ"سبوتنيك" وأرسلوا "يوري جاجارين" إلى الفضاء، كان الكثيرون حول العالم مقتنعين بتفوق السوفييت، وشعر الكثيرون في الولايات المتحدة بالذعر من عدم التركيز على تدريس العلوم.

عندما هُزمت الولايات المتحدة في فيتنام، استنتج كثيرون، بما في ذلك كبار المحللين الأمريكيين، أن الولايات المتحدة في حالة تراجع. وعندما أجبر "نيكسون" على ترك منصبه، أصبح هذا الشك مؤكداً.

أما بالنسبة للصين، فقد تم قبول الشعور بأنها ستتفوق على الولايات المتحدة اقتصاديًا على نطاق واسع في أواخر التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين. كان معدل النمو في الصين مرتفعاً لأنه سبقته الكارثة الماوية. واستناداً إلى هذا الأساس، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين على وشك أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لبقية العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

بالنسبة لكثير من دول العالم، يعتبر تراجع الولايات المتحدة مرغوبا لتمهيد الطريق لظهورهم. وخلال العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة مركز النظام العالمي، وكان هناك أمل في اعتبار كل فشل كمدخل للانهيار الأمريكي.

كانت هناك آمال مماثلة حول دول سابقة مثل دولة الإسكندر وروما وبريطانيا والإمبراطورية العثمانية. كان يجري اعتبار كل خطأ أو سوء حظ كدليل على أن سقوطهم وشيك. وفي الوقت المناسب، انهارت كل هذه الإمبراطوريات ولكن ليس قبل عدة قرون. لم يكن الترقب ينبع من التحليل الدقيق بل من الأمل.

إن التصور العام للقوة متجذر في الأحداث التي قد لا يكون لها علاقة بالقوة. يمكن تعريف حقيقة القوة ببساطة بأنها القدرة على إجبار الآخرين على التصرف وفقًا لرغباتك، حتى ضد مصالحهم الخاصة. 

يمكن فهم أدوات القوة العامة بسهولة. هناك قوة عسكرية، وهي في النهاية تهديد أو موت حقيقي ودمار مادي. ثم هناك قوة اقتصادية، تشمل الألم الذي يمكن أن تلحقه مجموعة واسعة من الإجراءات الاقتصادية، مثل حجب المنتجات المطلوبة أو التلاعب بالعملة. لا يتسبب هذا النوع من القوة في الموت، لكنه يقيد الحياة من خلال التهديد بإلحاق الفقر أو انخفاض مستويات المعيشة.

أما النوع الثالث من القوة فهو سياسي. إن التلاعب بالنظام السياسي أو الرأي العام في بلد ما عن طريق التهديد أو استخدام القوة العسكرية أو فرض الألم الاقتصادي، أو خلق شعور ما بواقعية ذلك، هو الذي يجعل الجمهور يتفاعل بطرق تضعف الأمة. القوة ليست ببساطة القدرة على الإكراه؛ في بعض الأحيان ينطوي ذلك على استخدام الحوافز. يمكن لأي منهما أن يحقق التغييرات التي تطمح إليها.

لا يجب أن تكون القوة صريحة. على سبيل المثال فإن برنامج الفضاء السوفيتي أعطى السوفييت أنهم سيفرضون نفوذهم في مرحلة ما في المستقبل غير البعيد على القوة الأمريكية. كان هذا التصور، الذي كان مناف للعقل، حقيقيًا جدًا على المدى القصير.

كان على الدول التي تجاهلت القوة العسكرية السوفيتية بالنسبة للقوة العسكرية الأمريكية أن تعيد تقييم موقفها وأن تكون منفتحة على الرغبات السوفيتية. حتى إن لم يكن استخدامًا مباشرًا للقوة، فإن حدث "سبوتنيك جاجارين" أدى إلى تحول في إدراك كثيرين لموازين القوى، ما تسبب في قيام بعض الدول بتغيير علاقاتها حيث أن مفهوم القوة أدق من الاستخدام المباشر للقوة العسكرية أو الاقتصادية.

أما النوع الرابع من القوة فهو إدارة التصورات. انهار الاتحاد السوفياتي في عام 1991. وبعد 17 عامًا، في عام 2008، دخلت روسيا في حرب مع جورجيا. لم يعالج هذا النزاع الانهيار الكارثي للاتحاد السوفياتي.  لكن روسيا أظهرت أنها غير ضعيفة. لم تغير الحرب الجورجية بشكل ملحوظ القوة النسبية لروسيا، لكنها غيرت تصور الآخرين عن القوة الروسية.

وبالمثل، فإن التدخل في سوريا لم يفعل سوى القليل لتعزيز القوة الروسية، لكنه ولّد تصورًاعن تنامي القوة الروسية. إن التطبيق المباشر للقوة العسكرية في هذه الحالة ليس ضروريًا لتغيير التصورات. نظرًا لأن الإجراءات الروسية كانت دعاية أكثر منها إنجازا عسكريا. يمكن أن يخلق استخدام الحرب الهجينة في بعض الحالات تصورات مفيدة دون تفعيل القوة الحقيقية.

الصين مقابل الولايات المتحدة

يعيدنا هذا إلى البداية، وفكرة أن الصين ستحل محل الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة. عسكريا، تسيطر الولايات المتحدة على المحيطين الأطلسي والهادئ. ولا تسيطر الصين على أي منهما. من وجهة نظر عسكرية، يمكن للصين استخدام الصواريخ وإطلاق تبادل نووي، لكن لديها قوة بحرية محدودة وقوة صاروخية ضعيفة. لذلك، فإن الصين ليست قريبة من كونها قوة عالمية.

من الناحية الاقتصادية، كان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قبل الفيروس التاجي 21 تريليون دولار، في حين كانت الصين 14 تريليون دولار. من الواضح أن كلا الاقتصادين قد تقلصا، ولكن لا يوجد دليل على أن الانكماشات ستغير الفجوة بينهما بشكل جوهري.

يأتي ما يقرب من 19% من الناتج المحلي الإجمالي للصين من الصادرات، حوالي 5% منها مخصصة للولايات المتحدة. فيما يأتي يأتي ما يقرب من 13% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة من الصادرات، نصفها مخصص لأمريكا الشمالية و0.5% فقط يذهب إلى الصين.

فضلا عن ذلك، فإن الصين لديها عدد سكان أكبر بكثير من الولايات المتحدة، وبالتالي فإن دخل الفرد أقل بكثير من دخل الولايات المتحدة. وهذا يعني أن تأثير الانكماش الاقتصادي على مستويات المعيشة سيكون أكبر بكثير في الولايات المتحدة، من تأثيره في الصين.

فيما يتعلق بالقوة السياسية، فقد أصبحت الصين في موقف خطير. لقد فشلت في نزع فتيل شكوك الولايات المتحدة بشأن السلوك والنوايا الصينية. بالإضافة إلى ذلك، لم تقم بإدارة المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة بنجاح. وهذا يعني أن الصين سمحت بزيادة التوترات الاقتصادية والعسكرية مع أهم عميل لها. في وقت الانكماش الاقتصادي عندما تنخفض واردات الولايات المتحدة، تواجه الصين تهديدات غير متناسبة بسبب اعتمادها على التصدير.

تتمتع الصين بميزة رئيسية هي الاعتماد سلاسل التوريد عليها بسبب العمالة الرخيصة. لكن الفيروس أثبت للشركات التي أنشأت سلاسل التوريد أن الاعتماد المفرط على أي بلد يمكن أن يدمر الشركة. حولت الأزمة نقط قوة الصين إلى ضعف، حيث تحول الشركات الأمريكية سلاسل التوريد بعيدًا عن الصين. في بعض الحالات، ليس هذا أمرًا معقدًا أو مكلفًا.

تركز الصين على بناء التصورات لتعويض ضعفها. تهدف أفكار مثل بناء نظام للنقل البري إلى أوروبا (أي مبادرة الحزام والطريق) إلى إظهار قدرة الصين. ويفعل عرض القروض على البلدان الشيء نفسه، حتى عندما لا تتحقق القروض بالكامل تضع الصين نفسها كقوة مالية بتكلفة منخفضة نسبيا.

وبالمثل، فإن التحركات العسكرية الأمريكية في بحر الصين الجنوبي لا تهدف إلى ممارسة القوة الأمريكية ولكن لخلق تصور عن قوتها البحرية.

تفكير حكيم

إن الصين أضعف اقتصاديًا وعسكريًا من الولايات المتحدة. لكنها ماهرة في التلاعب بتصور قوتها بما فيه الكفاية بحيث يميل الأتراك والأوروبيون إلى اعتبار الفيروس بمثابة نقطة انتقال إلى القوة الصينية. يقال إن المهم التصور وليس الحقيقة ولكن الأمر ليس كذلك. في مرحلة معينة، يؤدي التظاهر بالقوة أمام خصم يؤمن بهذه القوة، إلى صراع اقتصادي أو سياسي أو عسكري لا يمكن أن تفوز به القوة المتصورة.

حرب التصور جيدة لشراء الوقت. ولكن عند استخدام ذلك لفترة طويلة جدًا، قد يظن الخصم أن هذه التصورات حقيقية ويتولد لديه مخاوف تدفعه للاشتباك.

بسبب أزمة "كورونا"، غمرت الولايات المتحدة البلاد بأموال التحفيز، وسيكون لذلك عواقب. وكذلك سيكون لانكماش الاقتصاد الصيني، إلى جانب القلق السياسي داخليًا بشأن مصداقية الحكومة الصينية عواقب مهمة.

في حين أن البلدين سيستغرقان عدة سنوات حتى يتعافيا، فإن فكرة أن أزمة "كورونا" قد فتحت الباب أمام الهيمنة الصينية  هي فكرة غريبة، أو ربما تمني. الألم حقيقي، لكن النظام قوي.

المصدر | جورج فريدمان - جيوبوليتكال فيوتشرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد.