الثلاثاء 12 مايو 2020 12:48 م

"سياسات العبور" .. أردن ما بعد كورونا

هل يمكن اشتقاق معادلة جديدة تعرف المصالح الوطنية الأردنية في ضوء متغيرات دولية وإقليمية؟

سنشهد ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات البطالة مع عودة نسبة كبيرة من المغتربين الأردنيين في الخليج.

منعرج خطير وتحدّيات فاصلة لمصير البلاد والعباد يتطلب تغييراً منهجياً جوهرياً في المقاربات الأردنية الداخلية والخارجية.

من الضروري "إعادة تعريف" أهمية موقع الأردن الجيوستراتيجي وتقديم تصوّر مختلف لدوره بمجال النقل الإقليمي واللوجستيات".

النكوص للوراء يؤدي لمرحلة أسوأ مما قبل عنوانها انهيار سلطة القانون والثقة بالحكومة ومأسسة تجاوزات متراكمة حتى أصبحت هي الأصل!

*     *     *

يجتهد ثلاثةٌ وعشرون خبيراً وباحثاً أردنيّاً في تقديم تصوّراتهم لمرحلة ما بعد كورونا، والسيناريوهات المتوقعة والسياسات المقبولة، وذلك في كتابٍ إلكتروني أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أخيراً بعنوان "الأردن ما بعد كورونا... التحديات والخيارات".

يتناول المتغيرات الدولية والإقليمية وتأثيرها في المصالح الوطنية الأردنية، ومصير الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بالانتخابات النيابية وتأثير الأزمة بنمط العلاقة بين الدولة والمجتمع، ثم التداعيات الاقتصادية والمالية التي تلقي بظلال واسعة على أغلب التوقعات، وأخيراً السياسات الصحية والإعلامية والتحولات الاجتماعية المترتبة عن هذه المرحلة.

الهاجس الأكبر الذي يهيمن على أغلب الخبراء، هو - بالضرورة - الاقتصادي. إذ يجمع السياسيون والاقتصاديون على التأثيرات الاقتصادية والمالية المتوقعة، في ظل سيناريو ركود اقتصادي عالمي، وأزمة مالية قد تتجاوز أزمة عام 2008، ويتوافق المشاركون أيضاً على أنّ "عهد المساعدات الخارجية قد ولّى".

في الأثناء، ستتجذّر الأزمة الاقتصادية والمالية الداخلية، وسنشهد ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات البطالة (تزامناً مع انخفاض أسعار النفط، ما يشي بإمكانية عودة نسبة كبيرة من المغتربين الأردنيين في الخليج)، مع ارتفاع كبير في أرقام المديونية ونسبة العجز في الموازنة العامة.

جملة ما يقوله لنا "أهل الكتاب"، وهم نخبة من وزراء ومسؤولين سابقين وأكاديميين وخبراء ومتخصصين، أنّنا أمام منعرج خطير، وتحدّيات فاصلة في مصير البلاد والعباد، ما يتطلب تغييراً منهجياً جوهرياً في المقاربات الأردنية الداخلية والخارجية (paradigm shift)، فهل يمكن، على سبيل المثال، اشتقاق معادلة جديدة في تعريف المصالح الوطنية الأردنية، في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية؟

المطلوب هنا العمل بدرجة أكبر من الانفتاح والجدّية على بناء جسور أكثر قوة مع دول الجوار (العراق وسورية)، والاستفادة من الانشغال التركي - الإيراني بمعالجة آثار كورونا اقتصادياً.

ومن الضروري "إعادة تعريف" أهمية موقع الأردن الجيواستراتيجي، وتقديم تصوّر استراتيجي مختلف لدوره في مجال النقل الإقليمي، واللوجستيات، وأهمية الأردن في بعض الصناعات، مثل الصناعات الدوائية والصحية.

ولعلّ إحدى أبرز النتائج، في رؤية الخبراء، قدرة المنتجات الزراعية الأردنية على تأمين ما يشبه الاكتفاء الذاتي للأردن خلال المرحلة الأولى من كورونا.

ثمّة إيجابيات مهمة يمكن البناء عليها، تبدّت في المرحلة الأولى من مواجهة الفيروس، أبرزها استعادة الثقة في القطاع العام وأهميته، وتجديد التفكير في عملية التأهيل، بعدما كان هذا القطاع تحت وطأة الرؤية السوداوية له، خلال العقود الماضية، نتيجة الترهل وبروز مشكلة "الفساد الإداري". لكنّ قطاعاته المختلفة، خلال الأزمة، أظهرت إمكانيةً جيّدةً للتفاعل مع التحدّيات، واستنهضت طاقاتها للعمل الدؤوب، مثلما هي حال القطاعين، الصحي والتعليمي، وحتى الثقافي

المطلوب بناء جسور أكثر قوة مع دول الجوار (العراق وسورية)، والاستفادة من الانشغال التركي - الإيراني بمعالجة آثار كورونا اقتصادياً (كانت غير مفكّر فيها من الحكومات)، فضلاً عن الجهود الهائلة للمؤسسات الأمنية والعسكرية.

ما تحسّن، هو صورة الدولة وقدرتها على فرض القانون والنظام والتعامل بحزم وشدة مع التجاوزات، ولكن كيف يمكن البناء على هذه اللحظة واستدامتها ومأسستها، لأنّ النكوص إلى وراء هذه المرّة سيؤدي إلى مرحلة أسوأ مما قبل، كان عنوانها انهيار سلطة القانون والثقة بالحكومة ومأسسة التجاوزات المتراكمة، حتى أصبحت هي الأصل؟

ما قد يزيد من حدّة النتائج الكارثية لأي نكوص محتمل عن هذه الصورة (الدولة الفاعلة والقوية)، بروز "خطابات الفجوة الطبقية" التي تغلّف أبعاداً أخطر في السياقات الاجتماعية والسياسية، فإذا لم تقدّم الدولة وصفة قوية متماسكة للمرحلة المقبلة، وفي ظل نمو "الأزمة الاقتصادية والمالية" وبروز مثل هذه الخطابات، فإنّ المعادلة الداخلية ستكون على "شفا جرفٍ سحيق"، لا قدّر الله.

كلمات السرّ، في ثنايا كلام خبرائنا، تكمن في مبادئ وقيم أساسية في إدارة المعادلة الداخلية، في مقدمتها إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وهي التي كانت قد وصلت، في مرحلة ما قبل كورونا، إلى مستوياتٍ دنيا، غير مسبوقة، حتى أصبح الأمر اعتيادياً في أن ترسب الحكومات في استطلاعات الرأي العام، والأخطر انهيار صورة المؤسسة التشريعية، مجلس النواب.

وبالمناسبة، لا تقف أزمة الثقة عند حدود العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل في أوساط المجتمع نفسه، مما رأيناه خلال الحروب بالوكالة، في مقالات الكتّاب، على سبيل المثال، بين الهجوم من طرف على القطاع الخاص، ومن طرف آخر على القطاع العام، أحدهم يهاجم الأغنياء ويتهمهم باللاوطنية، ويصل إلى "شيطنتهم"، لتخليهم عن دورهم في دعم الوطن، وخطاب يدافع عن القطاع الخاص ويهاجم سياسات الدولة.

وإذا لم تكن هنالك مقاربات جديدة مبنية على استعادة الثقة، في مختلف المستويات، السياسية والاجتماعية، فإنّ "المعادلة الداخلية" ستكون في مرحلة مقلقة، وقد ثبت أنّ ما تسمى "الجبهة الداخلية" هي صمام الأمان الحقيقي لأي دولة ومجتمع، لعبور مثل هذه المنعرجات.

كيف يمكن إعادة الثقة والبناء في الأردن على ما تحقق في الشهرين الأخيرين؛ بمبدأ الشراكة، إذ أثبتت الأزمة، أيضاً، أنّ القرارات اليوم لا يمكن أن تبقى، كما كانت سابقاً، نتيجة قرار وزير أو مسؤول أو حتى مجلس وزراء من دون الرجوع إلى أهل الاختصاص والمصالح في طل قطاع، وإجراء حوار للوصول إلى "معادلة" توافقية، ورؤية مشتركة، فإنّ احتكار القرار سيعزّز الفجوة بين المجتمع والحكومة.

التشاركية والمساواة أمام القانون والحوكمة والحوار والانفتاح والخطاب الإعلامي الموضوعي الصادق ووضع الحقائق أمام الناس، لا المواربة أو الاستهتار بوعي المواطنين، وتصعيد قيادات جديدة ووجوه شابّة والتفكير الدائم في التطوير، لا الخشية منه، هي القيم والمفاهيم التي من الضروري أن تتأسّس عليها استراتيجية العبور وسياساته، وهو، في الحالة الأردنية، إن حصل، فسيكون بمثابة تأسيس جديد للدولة في مئويتها الأولى.

* د. محمد أبورمان باحث أكاديمي في الفكر السياسي الإسلامي والإصلاح، وزير أردني سابق.

المصدر | العربي الجديد