الاثنين 18 مايو 2020 11:05 ص

هل بدأ حفتر يخسر حلفاءه الدوليين؟

الولايات المتحدة والناتو وروسيا وحتى فرنسا بدأت تراجع حساباتها بشأن دعمها لحفتر بعد أن أصبح الرهان عليه خاسرا

*     *     *

بقلم | مصطفى دالع

فشلُ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، في السيطرة على العاصمة الليبية "سريعا"، كما أوصاه جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي المقال، وتوالي هزائمه بالمنطقة الغربية، جعل حلفاءه ينفضون من حوله شيئا فشيئا بمن فيهم الروس والأمريكان.

فعند بداية الهجوم على طرابلس في أبريل/نيسان 2019، قال بولتون لحفتر، في مكالمة هاتفية، "إذا كنت ستهاجم، فافعل ذلك سريعا"، وهو ما اعتبر ضوءا أمريكيا "أصفرا" للجنرال الانقلابي، لكنه مشروط بسرعة الإنجاز.

أخذ حفتر كامل وقته في الهجوم على طرابلس، غير آبه بالدعوات الأممية أو الدولية بضرورة وقف إطلاق النار، التي أُجهضت على مستوى مجلس الأمن الدولي بتوافق غريب بين الروس والأمريكيين وبدعم قوي من الفرنسيين.

لا أحد كان قادرا على إدانة حفتر، أمام هذا التحالف الدولي الصامت والهجين، رغم ازدياد جرائمه يوما بعد يوم، إذ سبق وأن وقفت فرنسا ضد إدراج الجنرال الانقلابي في قائمة العقوبات لعرقلته الحوار الليبي.

إلا أنه بعد أكثر من 13 شهرا، أخفق حفتر في السيطرة على طرابلس بسرعة وبأقل الخسائر الإنسانية، بل فقدَ 3 مدن استراتيجية من بين 4 تمثل حزام الطوق حول العاصمة.

أصبح انتصار حفتر في هذه الحرب شبه مستحيل، خاصة بعد أن ألقت تركيا بثقلها العسكري إلى جانب قوات الحكومة الليبية الشرعية، وتسيدت طائرات بيرقدار سماء المعركة، وحرمت جنرال الشرق أهم نقطة قوة كان يملكها.

 

هل غيّر حلف الناتو بوصلته؟

في تصريح مثير وله ما بعده، أعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرغ، عن استعداد الحلف لدعم الحكومة الشرعية في طرابلس، وأنه لا يمكن وضعها في كفة واحدة مع حفتر.

وقال ستولتنبرغ، في حوار مع صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، الخميس، "يجب على كافة الأطراف الليبية الالتزام بحظر استيراد السلاح، وهذا لا يعني وضع حفتر، وحكومة السراج في كفة واحدة، ولهذا السبب الناتو مستعد لدعم حكومة طرابلس".

أهمية هذا التصريح أن "الناتو" لم يكن له موقف واضح من الوضع في ليبيا، بسبب الانقسام بين دول الأعضاء، ففرنسا واليونان يدعمان حفتر، بينما تدعم تركيا وإيطاليا الحكومة الشرعية، في حين أن الموقف الأمريكي كان متخبطا، فوزارة الخارجية تعارض هجوم حفتر على طرابلس، وبولتون قبل رحيله يدعم حفتر على استحياء.

ما الذي تغير إذن، حتى تميل كفة الحكومة الليبية على حساب كفة حفتر؟

الأكيد أن الرهان على حفتر كخيار بدأ يتآكل وينهار، ليس فقط في المنطقة الغربية بل حتى في الجنوب وفي معاقله بالشرق، لذلك ليس من المستبعد أن نرى خلال الأيام المقبلة عدة دول تبتعد خطوة عن الجنرال الانقلابي ومشروعه الديكتاتوري في الوقت الذي تقترب فيه خطوة أخرى من الحكومة الشرعية.

وبالنسبة للناتو، فالمسألة تتعلق بالدرجة الأولى، بالولايات المتحدة الأمريكية التي تعد القوة المهيمنة داخل الحلف، وبداية تغيير موقفها من حفتر، مرتبط خاصة بازدياد النفوذ الروسي في معسكره، عبر مرتزقة شركة فاغنر.

والبنتاغون الذي صنف موسكو وبكين كأكبر تهديد للولايات المتحدة، لا يمكن أن يقبل بهيمنة روسيا على بلد يقع في المنطقة الوسطى من البحر الأبيض المتوسط، ويمتلك أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا.

وهذا ما صرح به مسؤولون في القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) لجريدة "واشنطن إكزامينر"، في أبريل/نيسان الماضي، عندما اتهموا روسيا بإدخال "مجموعة شبه عسكرية إلى ليبيا لدعم حفتر، ولتضع نفسها في الجناح الجنوبي للناتو".

بل ذهب المسؤولون العسكريون بعيدا عندما وصفوا الوجود الروسي في ليبيا، بأنه "أكثر خطورة من التهديد الذي تشكله فلول داعش، العاملة في الجنوب (الليبي)".

فالتهديد الروسي بالسيطرة على الموانئ والنفط في الخاصرة الجنوبية لحلف الناتو، هو السبب الرئيسي والحقيقي لتلويحه بدعم الحكومة الليبية، وأنه لا يساوي بين جنرال انقلابي وحكومة شرعية، خاصة بعد استعانة حفتر بمرتزقة النظام السوري الذي تناصبه واشنطن وحلفاؤها العداء.

فوجهة النظر التركية بأن الأمم الديمقراطية لا يمكنها أن تقف مع مشروع نظام ديكتاتوري دموي، بدأت تفرض نفسها داخل أروقة الناتو، وتجلى ذلك في مكالمة ستولتنبرغ مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الخميس، التي أكد فيها استعداد الحلف لمساعدة ليبيا على "بناء المؤسسات الدفاعية والأمنية"، بناءً على طلب رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فائز السراج.

فلا يمكن أن ننسى أن حفتر استهدف بقصف صاروخي محيط مقرين دبلوماسيين لدولتين عضوتين في الناتو (تركيا وإيطاليا)، وهذا لا يمكن أن يمر مرور الكرام.

لكن أمين عام الناتو "لم يقطع جميع خيوطه مع الشيطان"، وأوضح أن "مساعدَة الناتو لليبيا ستقدَّم مع مراعاة الوضع السياسي، والظروف الأمنية في البلاد، وبالتنسيق الوثيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي".

في إشارة إلى عدم تعارض موقف الناتو مع عملية "إيريني" الأوروبية، التي تسعى لفرض حظر بحري على الأسلحة إلى ليبيا، رغم معارضة الحكومة الشرعية للبلاد، وتحفظ روسي وإفريقي بشأنها.

كما أن وزراء خارجية ألمانيا وإيطاليا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي أدانوا "بصفة خاصة الهجمات الأخيرة على مركز مدينة طرابلس ومستشفاها (المركزي) وتزايد عدد الضحايا المدنيين".

فحتى فرنسا الداعمة لحفتر، لم تعد قادرة على دفن رأسها في الرمال أمام تزايد جرائمه، التي لم تسلم منها حتى المستشفيات والمدنيين.

 

روسيا لم تضع كامل بيضها في سلة حفتر

على الرغم من الدعم العسكري غير المباشر الذي توفره روسيا لحفتر عبر مرتزقة فاغنر، إلا أن الأمور لا تمشي على ما يرام بين الطرفين في الفترة الأخيرة.

فروسيا عارضت بشكل علني تنصيب حفتر نفسه حاكما على ليبيا، كما أن رئيس مجلس نواب طبرق عقيلة صالح، كشف في لقاء مع قبائل العبيدات والمرابطين عن تواصل الروس معه، ودعوته لطرح مبادرة سياسية خاصة وأن الوضع العسكري على شفير الهاوية.

فحفتر سبق له وأن رفض التوقيع على هدنة في موسكو، بوساطة روسية تركية في يناير/كانون الثاني الماضي، مما أحرج الرئيس الروسي فلادمير بوتين، رغم أنه أحد أكبر داعميه.

وحتى نشاط مرتزقة فاغنر على الأرض تراجع خلال العام الجاري، مقارنة بالربع الأخير من 2019، مما يعكس خلافات بين الطرفين وبداية فقدان ثقة متبادل، قد يكون الخلاف المالي أحد أسبابها.

لذلك فموسكو، التي لا تهتم سوى بمصالحها أكثر من حرصها على وصول حفتر إلى الحكم، لم تضع كامل بيضها في سلة حفتر، بل ترتبط أيضا بعلاقات وثيقة مع عقيلة صالح، المدعوم من رئيس أركان مليشيا حفتر، وعبد الله الثني، رئيس ما يسمى الحكومة المؤقتة (غير معترف بها دوليا)، وهذا الثلاثي قد يكون بديلا محتملا للجنرال الانقلابي، في مرحلة ما من الصراع.

ويُعد سيف الإسلام القذافي، أحد أوراق روسيا التي يمكن أن تلعبها في الوقت المناسب، كما أنها لم تقطع علاقاتها بالحكومة الشرعية في طرابلس، رغم الخلاف بين الطرفين، وتركها كخيار أخير في حال انتصارها بالحرب.

فروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وحتى فرنسا بدأت تراجع حساباتها بشأن دعمها لحفتر، لكن ماذا عن الإمارات ومصر والسعودية، هل تركت خطا للرجعة؟

المصدر | الأناضول