الثلاثاء 26 مايو 2020 02:43 م

لم يكن سقوط قاعدة "الوطية" الجوية، غربي ليبيا، سوى خطوة نحو مجرد خطوة في جهود حكومة الوفاق للسيطرة على غرب ليبيا، وتمهيد الطريق لبسط سيطرتها على البلاد.

وتخشى الدول الداعمة للجنرال المتقاعد "خليفة حفتر"، وهي الإمارات ومصر وفرنسا، أن يكون سقوط القاعدة قبل أيام، بمثابة انهيار لقطع الدومينو، مع توالي مكاسب "الوفاق" المدعومة عسكريا من تركيا.

وتشدد "الوفاق" من هجماتها لمطاردة فلول "حفتر" في أكثر من اتجاه، وسط رغبة واضحة من رئيسها "فايز السراج" بتأجيل الاحتفال بسقوط "الوطية".

ووفق بيان "السراج"، الصادر منذ أيام، فإن "انتصار الوطية لا يمثل نهاية المعركة بل يقربنا أكثر من يوم النصر الكبير بتحرير كافة المدن والمناطق والقضاء نهائيا على مشروع الهيمنة والاستبداد".

وبموجب التغيرات الميدانية الأخيرة، فإن خارطة سيطرة حكومة الوفاق الليبية توسعت بعد بسط نفوذها على مدن الساحل الغربي، صبراتة، وصرمان، ورقدالين، والجميل، وزلطن، والعجيلات التي تمتد حتى الحدود التونسية.

وتضع "الوفاق" بنك أهداف لعملياتها، مدعومة بإسناد جوي من الطائرات المسيرة التركية، التي لعبت دورا حاسما في قصف تمركزات "حفتر"، وقطع الإمدادات الإماراتية عن قواته.

ترهونة

لم يتبق في الغرب الليبي تواجد حقيقي لميليشيات "حفتر " التي تنفذ هجوما عسكريا على طرابلس منذ أبريل/نيسان الماضي، سوى في مدينة ترهونة (88 كم جنوبي العاصمة).

وتعد مدينة "ترهونة" هدفا ذا أولوية قصوى لقوات "الوفاق"، حيث تعد المدينة خنجرا في ظهر طرابلس من الناحية الجنوبية الشرقية، وتضم ألوية موالية لـ"حفتر"، أبرزها "اللواء 32 معزز"، أحد الكتائب القوية للنظام السابق.

وتعد "ترهونة" أيضا آخر خزان لإمداد قوات "حفتر" بالسلاح لمحاور جنوب طرابلس، وهي آخر معاقله غربي ليبيا، وتنبع أهميتها الاستراتيجية من كونها المنفذ الرئيسي للدخول إلى العاصمة، وقاعدة استراتيجية للهجوم عليها.

ومنذ شهور، تعجز "الوفاق" عن الاستيلاء على المدينة، التي تؤمنها منظومة دفاع جوي، يشرف عليها مرتزقة روس، فضلا عن تمتع المدينة بحماية طبيعية من الجبال المحيطة لها.

ويعدد الخبير العسكري "عادل عبدالكافي" خطورة "ترهونة" في كونها تضم غرفة العمليات الرئيسية في المنطقة الغربية، وأماكن وجود المرتزقة الروس والأفارقة، بحسب "الجزيرة".

وتبدو نقطة الضعف الرئيسية التي تعانيها "ترهونة"، عدم وجود مطار أو منفذ بحري لها، واعتمادها بشكل كبير على الإمدادات البرية القادمة عبر "بني وليد"، لذلك فإن "الوفاق" تشدد عليها الحصار، وتقطع عنها الإمدادات، ما مكنها أخيرا من السيطرة على جنوبي مدينة "مزدة" (خط الإمداد الرئيسي لترهونة)، تمهيدا لاقتحامها بريا هي و"بني وليد"، أو تسليمهما من قبل القبائل التي تقطنهما.

قاعدة الجفرة

أما الهدف الثمين الذي يتصدر بنك أهداف "الوفاق"، فهو قاعدة "الجفرة"، مركز قيادة عمليات قوات "حفتر" الرئيسية، وهي ذات أهمية عسكرية واستراتيجية، كونها تقع في مركز البلاد، وتعد نقطة الربط الرئيسية بين الشمال والجنوب.

وتبقى "الجفرة" واحدة من أهم قواعد البلاد، وهي محمية بسلاسل جبلية وتضاريس صحراوية، وبها دشم لتخزين الأسلحة والذخيرة.

وتعد قاعدة الجفرة هي مركز إدارة المعارك في محيط طرابلس وسرت، وهي نقطة رئيسية لحشد المقاتلين المرتزقة من السودان وتشاد.

ووفق الناطق باسم قوات حكومة الوفاق، العقيد "محمد قنونو"، فإن الوجهات المستهدفة كأولوية تضم ترهونة وسرت، وقواعد عسكرية كالجفرة والخادم والرجمة.

وتخطط "الوفاق" لحصار القاعدة، وتضييق الخناق عليها، عبر ضرب الطريق البري الواصل بينها وبين ترهونة، وقطع خط الإمدادات الجوي بينها وبين "بني وليد" الملاصقة لـ"ترهونة".

ويرى الخبير الأمني الليبي، "الصيد عبدالحفيظ"، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن عملية "عاصفة السلام" تتجه إلى خنق "الجفرة" قبل اقتحامها لقطع شريان الحياة الوحيد الذي يمد "ترهونة" بالمقاتلين والعتاد.

ومن المؤكد أن الخيار الجوي سيفرض نفسه على سماء المعركة، تمهيدا لهجوم بري، ربما سيكون الأهم والأبرز خلال المرحلة المقبلة، وسط توقعات بمقاومة ضارية من قوات "حفتر" للحيلولة دون سقوط "الجفرة".

أهداف أخرى

خلال الأيام الماضية، توجهت فلول قوات "حفتر" التي كانت مرابطة في قاعدة "الوطية" إلى مدينتي "الزنتان" و"الرجبان" الجبليتين (170 كم جنوب غرب طرابلس) وقد يتم توجيهها لاحقا لتعزيز مقاتلي "ترهونة"، وهو ما يجعل من المدينتين هدفا لـ"الوفاق".

كذلك يبقى أمام عناصر "حفتر" الفارين، اللجوء إلى بلدتي "الصيعان" و"العربان"، وهي مناطق معظمها منقسمة الولاء، ويتفادى الناس الاقتتال فيما بينهم بسبب وجود منظومة اجتماعية تمنع ذلك.

وهناك أيضا مدينة سرت (450 كم شرق طرابلس)، التي ترتبط بقاعدة الجفرة، بواسطة طريق الرواغة، وبها تمركزات لـ"حفتر" ومنظومات دفاع جوي، وغرفة عمليات رئيسية.

ومنذ سيطرتها على مدينة سرت، شمالي البلاد، في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، تحاول قوات "حفتر" التقدم غربا باتجاه البلدات الساحلية الواقعة على الطريق الساحلي الرابط بين سرت ومصراتة.

وخلال الأسبوع الجاري، كثفت "الوفاق" من هجماتها الجوية على "سرت"، سعيا لإسقاط ثالث غرفة عمليات رئيسية لـ"حفتر"، بعد "الوطية" الشهر الجاري، ومدينة "غربان" في يونيو/حزيران الماضي.‎

نهاية وشيكة

تعد تلك الأهداف المشار إليها سالفا، ذات أولوية قبل التوجه شرقا، باتجاه درنة وطبرق وبرقة وبنغازي وأجدابيا، وغيرها من مدن الشرق الليبي الخاضعة لسيطرة "حفتر"، والقريبة من الحدود المصرية.

وحال تمكن "الوفاق" من الاستيلاء على "ترهونة" فإنها ستكون قد أمنت سيطرتها على كامل الجانب الغربي من البلاد، في حين أن قاعدة الجفرة تمثل مفتاح السيطرة على إقليم "فزان" الجنوبي.

ويؤكد مراقبون أن سقوط تلك المناطق، خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، سيعني قرب انهيار ميليشيات "حفتر" في إقليم برقة (شرق)، خاصة مع وجود خلافات سياسية بينه وبين رئيس مجلس نواب طبرق "عقيلة صالح" الذي يحشد قبائل برقة في صفه.

وربما تلجأ الدول الداعمة لـ"حفتر" إلى القبول بحل سياسي لحفظ ماء الوجه، بعد التأكد من فشله، وعجزه عن حسم المعارك، رغم مرور أكثر من عام على حملته العسكرية للاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس.

المصدر | الخليج الجديد