الخميس 21 مايو 2020 12:00 ص

"انسحاب تكتيكي أعددنا له منذ أشهر، مراعاة لظروف المواطنين بمناسبة عيد الفطر"..

هكذا برر "أحمد المسماري"، المتحدث الرسمي باسم قيادة قوات اللواء الليبي "خليفة حفتر" فرار جنوده من قاعدة الوطية (140 كم جنوب غرب العاصمة طرابلس)، وسيطرة قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا عليها، الإثنين (18 مايو/أيار)، وهو رد كشف مدى تفكك الجبهة الداخلية للجنرال المدعوم من الإمارات ومصر وفرنسا وروسيا.

فالحقيقة التي رصدتها الأقمار الاصطناعية ووسائل الإعلام العالمية أن سيطرة قوات "الوفاق" على القاعدة جاءت بعد حصارها لأكثر من شهر، قبل أن يتم تطوير الحصار إلى عملية تحرير عسكرية بدأت فعليا في 26 مارس/آذار الماضي، وهو تاريخ أول دخول لقوات الحكومة الشرعية إلى القاعدة وأسرها لعدد من ضباط "حفتر".

وإزاء ذلك، باتت قوات الجنرال الليبي غير قادرة على التقدم وأصبحت طائراتها دون فعالية بعد أن ساعدت تركيا "الوفاق" في تنصيب مضادات للطيران الحربي في طرابلس، ولذا فإن انسحاب قوات "حفتر" من القاعدة كان اضطراريا وليس تكتيكيا كما ادعى.

في المقابل، جاء رد فعل رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق "فايز السراج" معبرا عن رؤية استراتيجية واضحة، إذ أصدر بيانا بوصفه "القائد الأعلى للجيش الليبي" أكد فيه أن الانتصار الأخير "لا يمثل نهاية المعركة"، وهو ما دعمه المجلس الأعلى للدولة (استشاري) مؤكدا، في بيان، رفضه للحوار السياسي "إلا بعد القضاء على مشروع الانقلاب وإبعاد شخوصه الممثلين في مجرم الحرب حفتر وزمرته".

وفتح المجلس باب الاستسلام دون تبعات أمام المسلحين الذين "غرر بهم مجرم الحرب حفتر في عدوانه"، داعيا إياهم إلى تسليم أنفسهم والانصياع لسيادة الدولة، وفق تعبير البيان.​

أهمية الوطية

تعد "الوطية" واحدة من أكبر القواعد في ليبيا وأكثرها أهمية نظرا للدور المحوري الذي تلعبه كبوابة لحماية العاصمة طرابلس أو غزوها.

وتقع القاعدة في قلب تحصينات طبيعية توفر لها حماية من أي هجمات من جهة الساحل، وترتبط بمسارب جبلية في مناطق الجبل الغربي لا تزال على ولائها لـ"حفتر"، وهو ما جعلها تشكل تهديدا مستمرا لقوات "الوفاق" ومناطق سيطرتها الجديدة في غرب العاصمة.

وترتبط الأهمية الاستراتيجية للقاعدة بموقعها الجغرافي من جانب ووظيفتها العسكرية من جانب آخر، إذ تقع في منطقة تمكن الطيران الحربي والمسير من تغطية كامل المناطق الغربية لليبيا، وتضم مخازن أسلحة ومحطة وقود ومهبطا للطيران ومدينة سكنية وطائرات حربية، بينها طائرات إماراتية مسيرة تستخدمها قوات "حفتر" في شن هجمات على طرابلس.

ويمكن للقاعدة، التي بُنيت قبل استقلال ليبيا (عام 1942)، أن تتسع لـ7 آلاف مقاتل، وتحوي 3 مدارج لإقلاع الطائرات وعددا من الدشم، بالإضافة إلى ملجأ طائرات خراساني، وعدد من ورش الصيانة.​

ولذا يعتبر الناطق باسم قوات الوفاق "محمد قنونو" الوطية "أخطر القواعد التي استخدمها المتمردون في عدوانهم على العاصمة"، مشيرا إلى أن الدول الداعمة لـ"حفتر" عملت على أن تكون "قاعدة إماراتية" على غرار قاعدة الخادم بالمرج، وفقا لما نقلته قناة "فبراير" الليبية.

الأثر الاستراتيجي

ونتيجة لذلك، مع فقدان قوات "حفتر" للوطية، فقد الجنرال الليبي بشكل كامل السيطرة الجوية التي مارستها لشهور على مدن الغرب الليبي، لتتحول دفة التفوق إلى الطيران الحربي التابع لحكومة الوفاق، المدعوم بالطائرات المسيرة التركية، التي بات بإمكانها الآن الانطلاق من القاعدة بعيدا عن صواريخ ومدفعية "حفتر"، التي طالما استهدفت قوات الوفاق في قاعدة معيتيقة بطرابلس، ناهيك عن إمكانية استخدام قاعدة الوطية لمراقبة الحدود البرية والبحرية غربي ليبيا.

ومن شأن هذه المراقبة أن تمنع تدفق المقاتلين المرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود، ما سيعزز ثقة تونس والجزائر بالحكومة الليبية الشرعية، وقد يدفع دولا أوروبية عديدة للتراجع عن دعم "حفتر" كقوة أمر واقع في شرقي ليبيا، خاصة أن قوات الوفاق بات بإمكانها - عبر الوطية - رصد ومتابعة وضرب جميع خطوط الإمداد الخاصة بقوات "حفتر" القادمة من قاعدة الجفرة العسكرية وقاعدة تمنهنت الجوية، جنوب ليبيا، حسب تأكيد الضابط في قوات الحكومة المعترف بها دوليا "عادل الزنتاني".

بخلاف ذلك، فإن الأسلحة التي استولت عليها حكومة الوفاق في قاعدة الوطية يمكنها أن تدعم بشدة موقفها أمام مجلس الأمن، وأن تحرج داعمي "حفتر"، خاصة الإمارات ومصر، ما قد يمثل عامل ضغط على دول أخرى مثل فرنسا، التي اضطرت لتخفيض دعمها للجنرال الليبي بعدما أكدت حكومة الوفاق عثورها على صواريخ "غافلين"، أثناء عملية تحرير غريان، في نهاية يونيو/حزيران من العام الماضي.

وتعود ملكية صواريخ "غافلين" إلى الجيش الفرنسي، واضطرت وزارة الدفاع الفرنسية للاعتراف بـ"تسللها" إلى قوات "حفتر" بعد نشر صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية صورا لها عقب تحرير غريان.

وفي هذا الإطار، جاء تأكيد وزير الخارجية في حكومة الوفاق "محمد سيالة"، في بيان، على أن الحكومة ستعمل على توثيق الأسلحة التي عثر عليها داخل الوطية ومموليها وإحالة ذلك إلى مجلس الأمن، مشيرا إلى العثور على منظومة "بانتسير" الروسية التي قدمتها أبوظبي لقوات "حفتر".

المرحلة المقبلة

وفي أعقاب إحكامها السيطرة على قاعدة الوطية، من المرجح أن قوات الوفاق سوق تتجه إلى مثلث "جنوب طرابلس - ترهونة - الجفرة"، إذ يمثل تحرير الوطية تمهيدا مهما لقطع طرق الإمدادات عن المناطق الثلاث.

وتمثل مناطق صلاح الدين ووادي الربيع وعين زارة في جنوب طرابلس أولوية قصوى في المرحلة المقبلة بالنسبة لحكومة الوفاق، إذ طالما استخدمتها قوات "حفتر" لإمطار طرابلس بالقذائف في محاولة للضغط على الحكومة عبر إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين.

وتأتي ترهونة كأولوية ثانية حسب تقدير الخبير العسكري "عادل عبدالكافي"، باعتبار أن المدينة تمثل معقلا لقوات "حفتر" في المنطقة الغربية، نظرا لأهميتها الإستراتيجية بقربها من طرابلس، وكونها تضم غرفة العمليات الرئيسية ومراكز المرتزقة الروس والأفارقة، وفقا لما نقلته قناة الجزيرة.

وسيعني السيطرة على ترهونة تمهيد الطريق لسقوط محاور جنوب طرابلس دفعة واحدة، ما سيمثل خطوة مهمة لإفشال مشروع داعمي "حفتر" العسكري، بحسب "عبدالكافي".

وإزاء ذلك، يتوقع أستاذ العلاقات الدولية "إبراهيم هيبة" اضطرار مصر والإمارات لاحقا إلى نقل دعمهما إلى "بديل لحفتر يحظى بتوافق دولي"، ويبدو أن المرشح الأبرز لذلك هو رئيس مجلس النواب بطبرق "عقيلة صالح". 

وفي الوقت الذي يؤول فيه مشروع "حفتر" العسكري إلى الفشل، فإن "صالح" بات مرشحا بقوة للحصول على دعم داعمي "حفتر" الدوليين، خاصة أنه شخصية مقبولة للتفاوض معها من قبل حكومة الوفاق.

ويمكن عزو القبول المحلي الذي يتمتع به "عقيلة صالح" إلى عاملين، الأول هو كونه "غير عسكري" وبالتالي فهو غير متورط بشكل مباشر في دماء  الليبيين، أما العامل الثاني فيتمثل في الثقل القبلي الذي يحظى به رئيس مجلس نواب طبرق، المنحدر من قبيلة العبيدات التي تدير مؤسسات أمنية في طبرق منذ زمن العثمانيين.

يفتح انتصارات الوفاق فيما يبدو نافذة جديدة للتوصل إلى حل سياسي للأزمة في ليبيا مع نجاحها في تهميش "حفتر" بشكل ملحوظ، لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بمواقف الداعمين الدوليين للجنرال الليبي وإذا ما كانوا سوف يقررون التخلي عن طموحاتهم العسكرية ودعم حل سياسي يحقق الطموحات المشروعة لأهل ليبيا.

المصدر | الخليج الجديد