السبت 23 مايو 2020 03:10 م

تحركت القوى الغربية، الجمعة، في محاولة لإنقاذ معاهدة الأجواء المفتوحة التي تسمح بالتحقق من التحركات العسكرية وتدابير الحد من التسلّح لدى الدول الموقعة عليها، وبينها الولايات المتحدة التي تنوي الانسحاب منها بسبب ما تقول إنه انتهاكات روسية.

وأعرب حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (ناتو) عن أسفهم لقرار واشنطن بالانسحاب من، وهي خطوة تقول واشنطن إنها اتخذتها بسبب عدم الامتثال الروسي.

وقال وزراء خارجية بلجيكا وجمهورية التشيك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد في بيان مشترك "نأسف لإعلان حكومة الولايات المتحدة عن عزمها الانسحاب من المعاهدة، على الرغم من أننا نشاركهم مخاوفهم بشأن تنفيذ بنود المعاهدة من جانب روسيا".

وعقد سفراء الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي اجتماعا طارئا الجمعة، قال على إثره الأمين العام للحلف "ينس ستولتنبرغ" إن "عودة روسيا لاحترام المعاهدة هي أفضل طريقة" للحفاظ عليها.

وأضاف في بروكسل أن "وفاء روسيا الانتقائي الحالي بالتزاماتها قوّض مساهمة هذه المعاهدة الهامة في أمن واستقرار المنطقة اليورو-أطلسية".

ألمانيا من جهتها طلبت يوم الخميس من واشنطن "إعادة النظر" في موقفها قبل أن تنضم الجمعة الى تسع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي شددت على أهمية المعاهدة.

ودعا وزير الخارجية الألماني "هايكو ماس" الولايات المتحدة إلى "إعادة النظر" في قرارها.

وقال ماس "أشعر بالأسف العميق على الإعلان"، مضيفا "سنعمل مع شركائنا لحض الولايات المتحدة على (إعادة) النظر في قرارها".

وأضاف أن ألمانيا وفرنسا وبولندا وبريطانيا أوضحت مراراً لواشنطن أن وجود صعوبات من الجانب الروسي "لا يبرر" الانسحاب من الاتفاقية. وقال إن المعاهدة "تساهم في الأمن والسلم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية برمّته" وهو أمر "سيضعفه" انسحاب واشنطن، بينما حضّ موسكو على "معاودة تطبيقها بالكامل".

تفاصيل الاتفاقية

وقعت معاهدة "الأجواء المفتوحة" عام 1992 من أجل "تعزيز الثقة ومعرفة" الأنشطة العسكرية للدول المنضمة إليها.

دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2002، 2002، وتضم 35 دولة بينها الولايات المتحدة وروسيا، وتهدف لتعزيز التفاهم المتبادل والثقة بين الدول الموقعة، وتعد أداة مهمّة في ضبط التسلّح عالمياً.

وتسمح الاتفاقية التي أطلق عليها "السماوات أو الأجواء المفتوحة" للدول الأربع والثلاثين الموقعة عليها ومنها الولايات المتحدة وروسيا بالقيام بعدة طلعات مراقبة سنويا في أجواء الدول الأخرى المشاركة في الاتفاقية.

ووفق الاتفاقية فإنه يمكن لجيش دولة منضوية فيها بتنفيذ عدد محدد من رحلات الاستطلاع غير المسلحة كل سنة فوق دولة أخرى مع إبلاغها بالأمر قبل وقت قصير من الجولة والتقاط صور بواسطة أجهزة خاصة. كذلك، يسمح لجميع الدول المعنية بطلب الحصول على صور خلال طلعات تقوم بها دول أخرى.

لماذا غضبت واشنطن؟

أعلن الرئيس "دونالد ترامب" الخميس رغبته في الانسحاب من المعاهدة، متهما روسيا بانتهاكها.

وقال "ما داموا لا يحترمونها، فسننسحب".

وقال وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" إن قرار الانسحاب اتخذ، وأضاف في بيان أن "روسيا انتهكت في شكل صارخ ومستمر الاتفاق بأشكال مختلفة طوال أعوام"، معدداً أمثلة عدة على تجاوزات قامت بها موسكو لدعم اتهاماته.

وتابع "يبدو أن موسكو تستخدم شعار نظام الاجواء المفتوحة لدعم عقيدة روسية عدوانية جديدة تقضي باستهداف البنى التحتية الحساسة في الولايات المتحدة وأوروبا باستخدام اسلحة تقليدية يتم التحكم فيها بدقة".

ومنذ تشرين الاول/أكتوبر 2019، لمح ترامب إلى نيته الانسحاب من الاتفاق، ومذاك حاول حلفاؤه في حلف شمال الاطلسي اقناعه بالعدول عن قراره.

وهذا هو الاتفاق الدولي الثالث الذي ينسحب منه دونالد ترامب، بعد الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني عام 2018، والمعاهدة حول الصواريخ الأرضية المتوسطة المدى عام 2019.

انتقادات روسية

ومن بين الانتهاكات المنسوبة إلى روسيا منع طائرات الحلفاء من الاقتراب أكثر من 500 كلم من جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين ليتوانيا وبولندا، أو تجاوز الحدود بين روسيا وجورجيا أكثر من 10 كلم.

واتّهمت روسيا الجمعة الولايات المتحدة بزرع الشقاق بين حلفائها بعد إعلان واشنطن نيّتها الانسحاب.

وبعد وضعها أمام تحدي الالتزام الكامل بالمعاهدة، دانت موسكو الشروط "غير المقبولة على الإطلاق" على لسان نائب وزير خارجيتها "سيرغي ريابكوف" الذي أشار أيضا إلى "الاستعداد للبحث عن اتفاق".

وقال "ريابكوف" إن "الولايات المتحدة تزرع الشقاق والشكوك في صفوف حلفائها أنفسهم عبر اتخاذ قرارات مماثلة؛ إنها تتجاهل رأي كثير من أعضاء حلف شمال الأطلسي ودول أخرى موقعة على المعاهدة".

وتابع في مؤتمر صحفي عبر الفيديو "إن الشروط التي فرضتها الولايات المتحدة غير مقبولة بتاتا، غير مقبولة على الإطلاق، ولا معنى لها، ولا أساس لها".

وأضاف "ريابكوف" نحن "مستعدون لمواصلة الحوار والبحث عن اتفاق، لكن لسنا مستعدين للقبول بتنفيذ ما أملته واشنطن". وأبدى المسؤولون الروس الجمعة استعدادهم لبحث "المسائل التقنية التي تعتبرها الولايات المتحدة حاليا انتهاكات من قبل روسيا".

معاهدة سياسية أكثر منها عسكرية

ورأى الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية "كورنتين برستلان" أن نطاق المعاهدة سياسي أكثر مما هو عسكري.

وقال لوكالة الأنباء الفرنسية إن "أجهزة الاستخبارات لا تحتاج الى أجواء مفتوحة"، مضيفاً أن الأجهزة الكبرى تعرف عن حلفائها وأعدائها أكثر مما تسمح به المعاهدة

 لكنه أكد أن المعطيات التي يتم جمعها في إطار هذا النصّ "قابلة للمشاركة" وتفيد الدول الأقل تجهيزا في ما يخصّ الاستخبارات.

وتابع أن "النتائج السلبية الوحيدة للانسحاب ستكون على حلفاء الولايات المتحدة". لكن وإن سمح الخروج من معاهدة الصواريخ الأرضية المتوسطة المدى للأمريكيين بصناعة أسلحة ونشرها مستقبلاً، فإنهم لن يحصلوا هذه المرة "على أي فائدة عملانية"، وفق "كورنتين برستلان".

وأضاف أن هذا القرار "يعطي موسكو إمكان تقديم نفسها، على عكس الولايات المتحدة، كشريك مسؤول" وقوة محترمة في مجال مراقبة الأسلحة، "في حين نعلم أنها ليست كذلك دائما".

المصدر | أ.ف.ب