الخميس 28 مايو 2020 07:24 م

تحدثت تقارير غربية خلال الأيام الماضية عن قيام موسكو بنقل طائرات مقاتلة من قاعدة حميميم في سوريا إلى قاعدة الجفرة الليبية، تزامنا مع تحرير قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا لقاعدة الوطية الجوية، غربي البلاد.

ويرتبط هذا التحرك الروسي باعتبارات عدة، أهمها ما لحق بسمعة السلاح الروسي من آثار سلبية بعدما نجحت الطائرات المسيرة التركية في تدمير وتعطيل منظومات الدفاع الجوية الروسية "بانستير" بسهولة، ما أهّل قوات الوفاق للتقدم في المناطق المحيطة بالعاصمة طرابلس.

ووفقا لما ذكره موقع "إنسايد أوفر" الإيطالي، فإن "الهدف الحقيقي لإرسال المقاتلات الروسية هو محاولة ردع تركيا، بعد أن قلبت المشهد في ليبيا رأسا على عقب"، وليس دعم عودة "حفتر"، بعدما أصبح "ورقة محترقة" على المستوى الدولي.

وأكد الموقع الإيطالي أن روسيا، التي دعمت "حفتر" لسنوات، همّشت الملف الليبي إلى حد كبير منذ بداية 2020، خاصة بعد مؤتمر برلين في 19 يناير/كانون الثاني، مشيرا إلى أن "مغامرات حفتر غير المحسوبة وغير المنسقة جيدا مع حلفائه، لم تكن تروق للكرملين، وهذا ما جعل روسيا تنسحب من المشهد في الأشهر السابقة".

ويعزز من هذا الترجيح أن مرتزقة شركة "فاجنر" الروسية انسحبوا من صفوف قوات "حفتر" بمحيط طرابلس إلى مدينة بني وليد (جنوب شرق العاصمة)، ومنها إلى أماكن أخرى بعيدا عن محاور القتال، ما يعني أن موسكو نفذت انسحابا تكتيكيا ربما يكون قد حرم "حفتر" من قوات الدعم الأجنبية الأكثر فاعلية والأفضل عتادا، حسب تقدير الزميل الباحث بمعهد كلينجنديل في لاهاي "جليل هرشاوي".

حملة وشيكة

لكن ذلك لا يعني أن موسكو سوف تتخلى عن الملف الليبي أو أنها سترفع دعمها عن "حفتر" بشكل كلي، حيث يواصل الإعلام الموالي للجنرال الترويج لـ"حملة جوية وشيكة ضد مواقع حكومة الوفاق"، مدعومة بالسلاح الروسي.

ومن شأن هذه الجملة أن تستعيد - ولو جزئيا - بعضا من بريق موسكو وحضورها في ليبيا وكذلك سمعة أسلحتها التي تضررت بشدة جراء نجاحات طائرات "بيرقدار" المسيرة التركية في تدمير 9 منظومات دفاع جوي روسية الصنع من نوع "بانتسير"، وفرتها الإمارات لصالح "حفتر".

ويعتقد مراقبون أن هذا هو السبب الرئيسي لتمركز الروس في الجفرة في الوقت الراهن، حيث تعد الجفرة أحد أهم المناطق في ليبيا من الناحية الاستراتيجية، حيث تقع في مفترق يربط بين أقاليم طرابلس وفزان وبرقة، إلى جانب وقوعها على بعد 350 كم من مصراتة، وبالتالي يمكن للطائرات العسكرية الموجودة داخلها الوصول بسهولة إلى جميع مواقع حكومة الوفاق.

وفيما يتعلق بمصالح روسيا السياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحل السياسي النهائي في ليبيا، تشير صحيفة "خبر ترك" التركية إلى أن موسكو تخلت عن فكرة سيطرة "حفتر" على كل ليبيا، وتعتمد حاليا خطة تقوم على تقسيم البلاد إلى شطرين، أحدهما شرقي تهيمن عليها روسيا، والآخر غربي مدعوم من أنقرة، في نموذج شبيه لما جرى في سوريا، لافتة إلى أن حصول روسيا على ترخيص لاستخراج النفط في المناطق الشرقية يظهر أنها تهدف إلى البقاء في المنطقة.

فرص وتحديات

غير أن خطة موسكو الجديدة في ليبيا تصدم فيما يبدو بالعديد من الحقائق المتغيرة على الأرض، والتي لا تقتصر فقط على تواجد تركيا العازمة على دعم حكومة الوفاق حتى آخر مدى، لكنها تشمل أيضا موقف الولايات المتحدة التي يبدو أنها تتخلى عن نهج إدارة الصراع الليبي عن بعد، وبدأ تظهر الانحياز مجددا لحكومة الوفاق ضد "حفتر" تزامنا مع استنكارها الصريح لدور روسيا في ليبيا.

وكانت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) هي التي نشرت صورا للمقاتلات الحربية الروسية التي تم نشرها أخيرا في ليبيا، وكشف قائدها الجنرال "ستيفن تاونسند"، أن الطائرات الحربية نُقلت من روسيا إلى ليبيا عبر سوريا بعد تغيير طلائها إلى لون آخر للتمويه.

وقالت القيادة، في بيان، إن الجيش الأمريكي تابع عن كثب نشر موسكو لمقاتلات الجيل الرابع، متهمة روسيا باستخدام مجموعة فاجنر في ليبيا لإخفاء دورها المباشر ومنح نفسها فرصة لإنكار لأفعالها "الخبيثة".

 

 

وفي السياق ذاته، صرح السفير الأمريكي لدى ليبيا "ريتشارد نورلاند" أن الولايات المتحدة فخورة بالشراكة مع حكومة الوفاق الوطني، باعتبارها "الحكومة الشرعية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة"، مستنكرا وجود "قوى في ليبيا لا تزال تريد فرض نظام سياسي جديد بوسائل عسكرية".

ويمثل النفوذ العسكري الروسي على ساحل البحر المتوسط خطرا أمنيا حسب التقدير الأمريكي والأوروبي، وهو ما عبر عنه قائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا الجنرال "جيف هاريجيان" بقوله إن روسيا إذا نجحت في تأسيس قاعدة عسكرية على الساحل الليبي، فإن الخطوة المنطقية المقبلة ستكون نشر قدرات دائمة بعيدة المدى، وإذا تحقق ذلك فسيخلق مخاوف أمنية حقيقية للغاية على الجانب الجنوبي من القارة.

كما أن نوعية الطائرات المرسلة إلى الجفرة تمثل تحديا ثانيا لخطة الردع الروسية، إذ لا تبتعد قدرات "ميج-29" و"سوخوي- 24" كثيرا عن طائرات ميراج الفرنسية الأصل ومقاتلات وينغ لوونغ الصينية، وكلاهما لم تثبت كفاءة في المعارك الليبية.

ولذا يتوقع خبير الطيران العسكري "توم كوبر" ألا يغير نشر الطائرات الروسية الكثير في المعادلة الاستراتيجية في ليبيا، اللهم إلا زيادة تحصين "الجفرة" لمنع سقوطها سريعا كما جرى في الوطية، وفقا لما أورده موقع "ميدل إيست آي" البريطاني. 

المصدر | الخليج الجديد