الجمعة 29 مايو 2020 10:48 ص

خياران كلاهما مر أمام دول الخليج، والعالم أجمع، فإما الاستمرار في سياسات الإغلاق والمخاطرة بانهيار الاقتصاد، أو التعايش مع فيروس "كورونا" وفق ضوابط محددة، ورصد معدل الإصابات الجديدة بشكل دوري.

وتتجه دول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، سلطنة عمان) لبدء تطبيق خطة تعايش مع الفيروس منذ مطلع شهر يونيو/ حزيران المقبل.

وتتجه حكومات المنطقة إلى تخفيف قيود الإغلاق، لكنها قد تضطر إلى تشديدها مجددا، وفق معدل تفشي الوباء، وحجم الإصابات اليومية، ومدى التزام المواطنين بتدابير التعايش.

خطة للتعايش

ويتضمن دليل الإرشاد الذي أصدره مجلس الصحة لدول التعاون الخليجي، قبل أيام، عدة تدابير للعودة إلى الحياة، ترتكز أساسا على ضرورة الاستمرار في سلوكيات الوقاية الشخصية من الأمراض المعدية، كأسلوب حياة.

ووضع مجلس صحة التعاون الخليجي إرشادات العودة إلى الحياة الطبيعية في خمس مجالات رئيسية، وهي الحياة اليومية، والحياة العملية، والحياة الدراسية، والسياحة، ودور العبادة.

وشدد المجلس على أهمية التباعد الاجتماعي والتعقيم والنظافة الشخصية كشروط أساسية للعودة إلى الحياة اليومية، بما يشمل إعادة تشغيل المواصلات العامة والسيارات والحدائق والأسواق والمطاعم والتجمعات والأندية الرياضية.

أما على صعيد اشتراطات عودة الحياة العملية، فقد شدد المجلس على ضرورة الحفاظ على مسافة آمنة بين العاملين، وضمان تهوية جيدة في الأماكن والشركات المغلقة، وعقد الاجتماعات عبر الهاتف أو في أماكن مفتوحة.

وتضمن دليل استئناف الدراسة، ضرورة المحافظة على مسافة آمنة بين الطلاب، والتقليل من الاجتماعات الطلابية، وتعقيم الأدوات المدرسية وعدم استعمال أدوات الغير، وتجنب المصافحة.

ونصح المجلس الصحي الخليجي بتجنيب كبار السن السفر إلى أي مكان، واتباع الإرشادات الصحية الموصى بها؛ قبل استعادة النشاط السياحي.

وأكد الدليل أن العودة إلى دور العبادة، ستكون مشروطة بتجنب المصافحة بين المصلين، فضلًا عن تطهير وتعقيم اليدين بعد استخدام المصاحف داخل المسجد.

إجراءات حكومية

وتتجه السعودية لتنفيذ قرار العودة إلى أوضاع الحياة الطبيعية ابتداءً من 29 مايو/أيار الجاري، والسماح بإقامة صلاة الجمعة وصلوات الجماعة باستثناء مكة المكرمة، والسماح بالتنقل بين المدن، وعودة المحال التجارية والمولات والمطاعم للعمل.

وتشمل قرارات التعايش السعودية، عودة الوزارات والهيئات الحكومية وشركات القطاع الخاص للعمل، واستئناف الرحلات الجوية الداخلية مع التزام الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية اللازمة.

وفي الإمارات، اعتمدت حكومة دبي قرارا يقضي باستئناف الحركة الاقتصادية لمدة 17 ساعة يوميا اعتبارا من الأربعاء 27 مايو/أيار الجاري.

وتتضمن إجراءت التعايش الإماراتية، استئناف بعض أنشطة مرافق البيع بالتجزئة والجملة، مع الخضوع لمزيد من عمليات التعقيم وإجراءات التباعد الاجتماعي.

وتطبق الكويت خطة للتعايش وفق 3 مستويات: الأول هو المستوى "الأحمر"، بطاقة عمل 25% من العاملين لفترة محددة، و"الأصفر" يقضي بعودة 50% من قوة العمل، و"الأخضر" يشمل العودة إلى الحياة الطبيعية.

وستحد مملكة البحرين من القيود المفروضة على القطاعات المختلفة، مع السماح بإعادة فتح صالونات التجميل ومحلات الحلاقة مع الإبقاء على دور السينما مغلقة والسماح للاعبين المحترفين بإجراء التمارين الجماعية.

ومنذ 12 مايو/أيار الجاري، تطبق الحكومة القطرية، قرارات عدة لتخفيف القيود على أنشطة المطاعم والمقاهي، مع عودة مكاتب الصرافة للعمل، ضمن جهود عودة الحياة تدريجيا.

أما سلطنة عمان فقد أنهت العمل بقرار إعفاء الموظفين الحكوميين من الحضور إلى مقار عملهم، كما قررت رفع الإغلاق الصحي عن محافظة مسقط.

وقف النزيف

تستهدف خطة التعايش الخليجية، وقف نزيف الخسائر الاقتصادية، خاصة بعد تحذيرات من إشهار شركات إفلاسها، حال استمرت حالة الإغلاق الاقتصادي لعدة أشهر.

ويعزز هذا التوجه، التوقعات بطول الأزمة، واحتمال استمرارها إلى العام المقبل، مع صعوبة اكتشاف مصل لعلاج مرضى الفيروس، ما يحتم رفع إجراءات الإغلاق، وفق ضوابط محددة.

وسجلت دول مثل الدانمارك وألمانيا وبعض الولايات الأمريكية انخفاضا في أعداد الإصابات بعد رفع إجراءات الإغلاق، وهو ما تأمل الدول الخليجية في تكراره.

لكن تبقى المغامرة الخليجية محفوفة بعدة مخاطر وتحديات، أبرزها القدرة على استيعاب أية زيادة في أعداد المصابين بالفيروس بعد عودة الحياة إلى طبيعتها.

ويكمن التحدي الآخر في التوسع في إجراء الفحوصات، وفق تقييم صحي دقيق، بما يجعل الوباء تحت السيطرة، ويمكن السلطات من اتخاذ الإجراءات المناسبة.

أما التحدي الثالث، فيمكن في القدرة على تطبيق الانفتاح بشكل متدرج، مع الصرامة في تطبيق التدابير الاحترازية، والمراقبة الصحية؛ للتعامل مع أي طارئ بشكل سريع، وإعادة الإغلاق مجددا حسب تطورات الوضع.

موجة ثانية

وتدرس حكومات المنطقة، كافة الاحتمالات، سواء تراجع معدل تفشي الفيروس، وانتهاء الأزمة، أو استمرارها وزيادة أعداد المصابين والوفيات، وجميعها سيناريوهات محتملة ويحتاج كل منها إلى أسلوب خاص.

ووفق مدير الطوارئ الصحية بإقليم شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية "ريتشارد برينان"، فقد "تضطر الدول بعد تخفيف الإجراءات إلى التشديد مرة أخرى، ثم التخفيف مرة ثانية، والعودة إلى التشديد وهكذا".

وهناك مخاوف لا يمكن تجاهلها من أن يتسبب سيناريو التعايش مع "كورونا" في ظهور موجة ثانية وثالثة من الإصابات بالفيروس.

ويرى المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، "مايك ريان"، أن العالم يمر حاليا بـ"منتصف الموجة الأولى"، محذرا من أن "الإصابات قد تقفز في أي لحظة، وأننا بينما نستعد لموجة ثانية خلال الأشهر المقبلة قد نشهد ذروة أخرى للمرض".

وحذر "ريان" من أن الموجة أو الذروة الثانية للمرض قد تظهر في موسم الإنفلونزا الموسمية ما سيجعل السيطرة على تفشي الفيروس "معقدا جدا"، حسب تعبيره.

ستعود الحياة إذن إلى الشارع الخليجي لكن تحت الكمامات، مع حالة من الترقب والقلق، خشية الدخول في مرحلة ذروة جديدة من الإصابة بالفيروس، ما قد يطيل أمد الحجر المنزلي حتى عام 2021.

وعلى كل الأحوال، يبدو طريق التعافي من الأزمة طويلا وشاقا، ولكن خوفا من التورط في خسائر اقتصادية لا يمكن تحملها، تأمل دول الخليج أن تنجح خطط التعايش في تجاوز بعض التداعيات الكارثية للوباء العالمي.

المصدر | الخليج الجديد