الجمعة 29 مايو 2020 06:27 م

كانت التداعيات الاقتصادية لتفشي وباء "كورونا" في دول الخليج أبعد بكثير من إلحاق الدمار بمصادر الدخل والوضع المالي للأسر، فقد دفعت تلك التداعيات بتغيير هيكلي هائل بشكل لم يكن في حسبان خطط التنويع الاقتصادي.

ويمكن الآن نسيان التركيز على المشاريع البارزة التي تلفت الانتباه مثل مشروع مدينة "نيوم" في السعودية، والذي تبلغ تكلفته 500 مليار دولار.

وإذا أراد حكام الخليج تصحيح الأمور، فإن هناك قائمة أولويات طويلة ومكلفة، وتدخل الشفافية والتقارير العامة الدقيقة والمفصلة في صميم هذه التغييرات.

وتعد هذه التغييرات أساسية لقرارات المستثمرين والاقتصاديين وشركات التصنيف الائتماني، في وقت تكون فيه التوقعات الاقتصادية لدول الخليج موضع شك.

ويشكو الكثيرون من أن التأخير في إعداد تقارير الناتج المحلي الإجمالي، وعدم سهولة الوصول إلى الإحصاءات، يعقد عملية صنع القرار.

ومع ذلك، إذا كان هناك شيء واحد ادخرته الحكومات الخليجية لنفسها، بخلاف الاحتياطيات المالية الكبيرة، فهو ثقة الجمهور في الطريقة التي تعاملت بها مع الوباء، بالرغم من أنها رفضت في البداية الاعتراف بالظروف المعيشية الصعبة للعمال المهاجرين كعامل خطير يساعد على تفشي الوباء.

وتصرفت معظم الحكومات في وقت مبكر وبشكل حاسم بإجراء عمليات الإغلاق وحظر التجول، وتوسيع الاختبار وإغلاق الحدود، مع إعادة المواطنين العالقين في الخارج، وتعليق الحج والعمرة.

السعودية.. أبرز المتأثرين

ومن المؤكد أن دول الخليج، خاصة السعودية، التي تستقبل ملايين الحجاج المسلمين من جميع أنحاء العالم كل عام، لديها تاريخ طويل في التعامل مع الأوبئة. ومثل سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان، كانت أفضل استعدادا من الدول الغربية.

وأقنع التاريخ المملكة بمنع رحلات العمرة، في أواخر فبراير/شباط، قبل أيام من ظهور أول حالة إصابة بـ "كوفيد-19" على الأراضي السعودية.

وبالإضافة إلى مخاوف الصحة العامة، كان لدى السعودية سبب إضافي للتعامل مع الوباء بشكل صحيح. فلم يقدم ذلك للمملكة فرصة لتلميع صورتها على الصعيد العالمي فقط، بعد أن تشوهت بشدة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وقتل "جمال خاشقجي"، ولكن أيضا للاحتفاظ بالنفوذ الديني بالرغم من انقطاع تدفق الحجاج إلى المملكة.

وقالت "ياسمين فاروق"، الباحثة في شؤون المملكة في مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي: "لا تزال السعودية مرجعا للعديد من الجاليات المسلمة حول العالم".

كما سمح ذلك للمملكة بتحقيق النجاح بعد الانتقادات الموجهة لمعالجتها لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس) عام 2012، عندما أصبحت المملكة بؤرة الوباء، وفي عام 2009 عندما تفشى بها فيروس "إتش1 إن1".

كما تتعرض السعودية للمزيد من الانتقادات لمسؤوليتها عن المساهمة في كارثة الصحة العامة في اليمن؛ بتفجيراتها العشوائية المتكررة.

وكبلد في حالة خراب نتيجة للتدخل العسكري، واجه اليمن على مدى الأعوام الـ 4 الماضية وباء الكوليرا على حدود المملكة.

وقد تعززت الثقة في معالجة دول الخليج للوباء الحالي من خلال الشفافية التي أظهرتها التحديثات اليومية لعدد الضحايا والوفيات.

وقد عزز ذلك خطاب الملك "سلمان بن عبدالعزيز" بمجرد أن ضرب الوباء المملكة، حين أعلن مجموعة من الإجراءات لمكافحة المرض ودعم الاقتصاد، وكذلك تأكيدات وزير الزراعة "عبد الرحمن الفضلي" بأن الأزمة لن تؤثر على الإمدادات الغذائية.

ورأت "ياسمين فاروق" أن التزام المواطنين بالتعليمات الحكومية خلال الوباء جاء بسبب "الثقة بالحكومة وخبرتها وتجربتها، والثقة في المؤسسة الدينية التي كانت في الواقع تتبع القرارات الفنية للحكومة".

واعترفت "فاروق" بأن الطبيعة القسرية للنظام لم تمنح الجمهور خيارا يذكر بالتأكيد.

شفافية خليجية

وكانت حدود شفافية الحكومة واضحة في حقيقة أن السلطات كانت أقل وضوحا مع تفاصيل الإنفاق العام على الوباء والمعدات الطبية المتاحة، مثل أجهزة التنفس والإمدادات الأخرى مثل مجموعات الاختبار.

وبدأت بعض دول الخليج في نشر العدد اليومي والإجمالي للمسحات، ولكن لم توضح بعد ما إذا كانت هذه الأرقام تتضمن مسحات متعددة لنفس الشخص.

وقال الأكاديمي السياسي "ناثان براون": "من المرجح أن ينظر الناس في الشرق الأوسط إلى الوراء لمعرفة من أعطاهم معلومات موثوقة ومن كان هناك من أجلهم".

والسؤال هو ما إذا كانت الحكومات ستخلص إلى أن الشفافية ستكون ضرورية للحفاظ على ثقة الجمهور؛ لأنها مضطرة إلى إعادة كتابة العقود الاجتماعية بشكل يسمح بالمزيد من تقاسم العبء بين الدولة والمواطنين، بعد سنوات طويلة من دولة الرفاهية.

ولم تقل حكومات الخليج حتى الآن سوى القليل عن توزيع الأعباء بشكل عادل عبر الطبقات الاجتماعية، كما لم تكن هناك شفافية بشأن ما يدفع قرارات الاستثمار من قبل صناديق الثروة السيادية في وقت الأزمة.

وفي حديث مع "فاينانشيال تايمز"، حذر مصرفي خليجي من أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" بحاجة إلى توخي الحذر بشأن ما ينفقه، قائلا إن الرأي العام أصبح يراقب كل شيء.

وبقيادة "بن سلمان"، ذهب صندوق الثروة السيادي في المملكة إلى موجة تسوق خلال الأزمة بقيمة 7.7 مليار دولار لشراء حصص في كبرى الشركات الغربية، بما في ذلك 4 شركات نفط كبرى، إضافة إلى "بوينج" و"سيتي جروب" و"ديزني" و"فيسبوك". كما يمول صندوق الاستثمار العام عرضا لشراء نادي "نيوكاسل يونايتد" الإنجليزي لكرة القدم.

ومن المؤكد أن كبار المسؤولين الحكوميين ومديري الأعمال في الخليج يترقبون الأوقات الصعبة المقبلة.

وتوقعت دراسة حديثة أجرتها غرفة التجارة والصناعة في دبي على المديرين التنفيذيين، أن 70% من شركات الإمارات ستفقد أعمالها في الأشهر الـ 6 المقبلة، بما في ذلك نصف المطاعم والفنادق وثلاثة أرباع شركات السفر والسياحة.

وحذر وزير المالية السعودي "محمد الجدعان"، في وقت سابق من هذا الشهر، من أن المملكة ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات "مؤلمة" والسعي لتخفيضات كبيرة في الإنفاق نتيجة لانهيار أسعار النفط وانخفاض الطلب بشكل كبير على النفط.

وأضاف "الجدعان" أنه "طالما لم نمس الحاجات الأساسية للناس، فإن جميع الخيارات مفتوحة".

وكان هناك القليل من الشفافية في تصريحات "الجدعان" حول التأثير الذي سيحدث على السعوديين الباحثين عن عمل، حيث سيكون هناك عدد أقل من العمال المهاجرين متاحين للوظائف التي لم يرغب السعوديون في قبولها منذ فترة طويلة.

وقد زاد عدد السعوديين الذين يتدفقون للعمل في خدمات التوصيل بنسبة 286%.

وتم تعزيز هذه الزيادة من خلال عرض قدمه صندوق تنمية الموارد البشرية السعودي ليحصل السائقون على 800 دولار شهريا، فضلا عن انتشار ثقافة التطوع حديثا في جميع أنحاء الخليج.

ويجب الاعتراف بحقيقة أن المناصب الحكومية ذات الأجور الجيدة والمريحة قد لا تكون متاحة كما كانت في الماضي، وكذلك حقيقة أن الوظائف الأقل ليست مهن أقل شرفا.

وقد يكون هذا هو الجانب الإيجابي للأزمة، في الوقت الذي تشعر فيه دول الخليج بالضغط لإعادة هيكلة نفسها في عالم يخرج من جائحة قد تعيد رسم الخرائط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عالميا.

المصدر | جيمس دورسي/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد