الأحد 31 مايو 2020 12:24 م

تحول لافت في موقف القاهرة الداعم الرئيس للجنرال الليبي "خليفة حفتر"، بعد تكبده خسائر فادحة خلال الشهرين الماضيين على يد حكومة "الوفاق" (المعترف بها دوليا).

ويبدو هذا التحول جليا في تسارع الدعوات المصرية لايجاد تسوية سياسية في ليبيا، بعد فقدان "حفتر" قواعد ومواقع استراتيجية، وتحول دفة المعارك لصالح "الوفاق" المدعومة من تركيا.

وفي محاولة للقفز على الواقع الميداني في محاور القتال حول العاصمة طرابلس، كثفت الخارجية المصرية، قبل أيام، من اتصالاتها بالدول الأوروبية لإعادة الأزمة الليبية إلى المسار السياسي.

وتعد مصر إلى جانب الإمارات والسعودية وفرنسا وروسيا من أبرز داعمي "حفتر"، بينما تحظى حكومة الوفاق بدعم تركيا بشكل أساسي.

ومنذ العام 2014، قدم نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا وإعلاميا كبيرا لـ"حفتر"، وكثيرا ما تم استقباله في القاهرة بصفته "قائدا للجيش الليبي"، لكن محاولات "حفتر" للسيطرة على العاصمة الليبية بالقوة وإنشاء نظام عسكري موال للقاهرة يبدو أنها باءت بالفشل.

محور الشر

اللافت أنه في مقابل الدعم السخي لـ"حفتر"، لم تحصد مصر على مدار نحو 7 سنوات، مكاسب تذكر، تعوضها بعضا من فاتورة الدعم الذي قدمته لقوات الشرق الليبي.

وجراء هذا التدخل، فقدت مصر حيادها تجاه الأزمة الليبية، وجرى تصنيفها من قبل حكومة طرابلس ضمن "محور الشر"، وسط مطالبات بمحاكمة الأطراف الإقليمية الضالعة في تأجيج النزاع الليبي المستمر منذ 2011.

ويمكن القول أن "حرب الوكالة" التي تشهدها الأراضي الليبية، فتحت الباب لموطئ قدم أمام قوات غربية من دول عدة، وهو ما قد يتطور لاحقا في إقامة قواعد عسكرية لقوى أجنبية بما في ذلك قاعدة لروسيا في شرق ليبيا وقاعدة لحلف الشمال الأطلسي، الناتو، في الجنوب.

وتخشى مصر، أن تتسبب الهزائم المتتالية لـ"حفتر"، في منح تركيا فرصة ذهبية لتحويل قاعدة الوطية (غربي البلاد) إلى قاعدة عسكرية تركية دائمة في ليبيا، بحسب "العربي الجديد".

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن مصر ربما تكون قد فتحت من حيث لا تحتسب بابا لتمدد النفوذ التركي، في الجارة الليبية، قرب حدودها الغربية.

وتمتد الحدود الغربية بين مصر وليبيا لمسافة 1200 كم تقريبا، وسوف ترتفع فاتورة تأمين هذه الحدود بشكل كبير مع وجود تركيا، العدود اللدود لنظام "السيسي"، قرب بوابة مصر الغربية.

كعكة الإعمار

ثانيا تأتي كعكة إعمار ليبيا، كأبرز الخسائر التي تكبدها الجانب المصري، جراء تورطه في حرب بالوكالة في البلد المجاور، غير عابئ بعلاقات حسن الجوار، وفق مراقبين ليبيين.

وتفيد تقديرات صندوق النقد الدولي، بأن كلفة إعمار ليبيا تصل إلى نحو 100 مليار دولار، وربما تزيد عن ذلك، في ظل تضرر مختلف مرافق البلد بعد نحو 10 سنوات من الحرب.

وبلا شك، ترغب شركات المقاولات المصرية في اقتناص حصة ثمينة من مشروعات إعادة الإعمار في ليبيا، وتأهيل البنى التحتية في البلد الغني بالنفط، لكن صانع القرار غض الطرف عن ذلك، مقابل محاولة تنصيب حليف له على حكم البلاد.

وفي مارس/آذار 2019، عبر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية "أحمد الوكيل" عن ذلك، محذرا من أن مصر قد لا تجد لها مكانا في خريطة الإعمار الليبي، مطالبا بضرورة إسراع المستثمرين المصريين في التواصل مع الأشقاء الليبيين لبحث ملف الإعمار.

وفي الشهر ذاته، أعلنت الغرفة التجارية بالإسكندرية (شمالي البلاد)، عن استعداد وفد مصري يضم ممثلي القطاعات والأنشطة الصناعية والإنتاجية لزيارة ليبيا بهدف دراسة السوق واحتياجاته من مشروعات إعادة الإعمار.

العمالة المصرية

وفق وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا "عبدالهادى الحويج"، فإن عدد العمالة المصرية في ليبيا تراجع إلى 10 آلاف فقط، مقارنة بنحو مليوني و200 ألف مصري كانون يعملون في ليبيا قبل سقوط نظام الرئيس "معمر القذافي" عام 2011.

ويحتاج السوق الليبي إلى مليوني عامل مصري ما بين مهنيين وفنيين ومهندسين وأطباء، وفق رئيس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة الليبية "محمد الرعيض".

ويتوقع "الرعيض"، أن يكون للعمالة المصرية نصيب الأسد فى عملية الإعمار، التي تشهد تعثرا كبيرا وربما توقفا تاما جراء استمرار الحرب في عدة مناطق بأنحاء البلاد.

ويقول رئيس شعبة إلحاق العمالة بالخارج باتحاد الغرف التجارية المصرية "حمدي إمام"، إن عملية إعادة إعمار ليبيا من الممكن أن تستوعب حوالي 3 ملايين مواطن مصري.

يشار إلى أن العمالة المصرية المتواجدة الآن في ليبيا، معظمها غير شرعية يجري تهريبها عبر الحدود، وغالبا ما يتعرضون لمخاطر كبيرة من قبل عصابات الاتجار بالشر.

وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على توقيع اتفاقية لتنظيم دخول العمالة المصرية إلى ليبيا، العام الماضي، من خلال مكتبين للتنسيق بمدينتي "السلوم" المصرية و"مساعد" الليبية، فإن التطورات الميدانية على الأرض، ضربت بالاتفاق عرض الحائط.

خسائر أخرى

وتتضمن فاتورة الخسائر المصرية في ليبيا، خروج العديد من الشركات المصرية العاملة هناك،  أهمها شركتي "بتروجيت" و"إنبي"، وتوقف عدة مشاريع في قطاع النفط والغاز.

وفي محاولة لتدارك ذلك، عقد وزير البترول المصري "طارق الملا" مباحثات ثنائية مع رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط "مصطفى صنع الله"، تكللت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بالإعلان عن عودة شركات النفط المصرية للعمل في ليبيا، واستكمال بعض المشاريع المتوقفة.

وتنتج ليبيا حوالي 1.2 مليون برميل يوميا من النفط وتهدف إلى رفع إنتاجها إلى 2.1 مليون برميل بحلول العام 2024.

وتشمل الخسائر المصرية، فقدان الكثير من المدرعات والآليات العسكرية المقدمة من مصر لقوات "حفتر"، والتي غنمتها قوات "الوفاق" بعد سيطرتها على 8 مدن غربي البلاد، إضافة إلى قاعدة "الوطية" الجوية الاستراتيجية.

وخلال الأسابيع الأخيرة، حصدت قوات "الوفاق" غنائم كثيرة، من بينها مدرعات إماراتية وطائرات صينية وأسلحة روسية وذخائر مصرية وصواريخ  أمريكية جلبتها فرنسا لـ"حفتر".

ومن الخسائر الاستراتيجية التي ستؤثر على الدور المصري لاحقا، تضرر علاقاتها بدول الشمال الإفريقي مثل تونس والجزائر والمغرب، والتي تعتبر سقوط طرابلس خطا أحمر، وترى في  مشروع "حفتر" تهديدا لأمنها القومي.

وتنقل وكالة "DW" الألمانية عن أستاذ العلاقات الدولية في جامعة السوربون "محمد هنيد" قوله "إن كامل المشهد المغاربي يعارض مشروع حفتر بشكل كامل".

الخلاصة أن محاولة تكرار النموذج المصري في ليبيا، باءت بالفشل، وتسببت في فاتورة ثقيلة من الخسائر السياسية والعسكرية والاقتصادية لنظام "السيسي"، وكذا لداعميه في أبوظبي والرياض.

المصدر | الخليج الجديد