الجمعة 29 مايو 2020 12:10 م

يعمل تخفيض القوات الأمريكية في الشرق الأوسط على تمكين الدول التي ستحل محل الولايات المتحدة كقوة إقليمية. بدأ التطور مع المملكة المتحدة وانتهى بـ(إسرائيل).

في الواقع، شكلت بريطانيا جزءًا كبيرًا من المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية. اخترع البريطانيون دولًا جديدة مثل الأردن، وأعادوا تشكيل النظام السياسي في شبه الجزيرة العربية، وأعادوا تعريف الخليج وما إلى ذلك.

وكان البريطانيون مهووسين بالوصول إلى نفط الخليج. كانوا ينتقلون من اقتصاد معتمد على الفحم إلى آخر قائم على النفط، لذلك حاولوا السيطرة على الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن السيطرة على المنطقة كانت محفوفة بالمخاطر فكلما كنت تتحكم، كلما تهددك الأشياء.

بعد الحرب العالمية الثانية، كان هناك تغيير حيث بدأ البريطانيون في التراجع وحل مكانهم الأمريكيون. كان التحدي الأمريكي هو السوفييت. لم ير السوفييت المنطقة كمصدر للنفط ولكن كمكان يمكّنهم من قطع النفط عن أمريكا وبالتالي شل الولايات المتحدة، كما رأوا المنطقة كبوابة إلى البحر الأبيض المتوسط ​​والمحيط الهندي. أثار السوفييت انقلابات في أماكن مثل سوريا والعراق ومصر، في حين سعت الولايات المتحدة إلى بناء هيكل تحالف لمقاومتهم.

كانت (إسرائيل) واحدة من ساحات القتال الرئيسية. يذكر أن الولايات المتحدة لم تقدم مساعدة عسكرية لـ(إسرائيل) إلا بعد عام 1967 (باستثناء بطارية هوك مضادة للطائرات عام 1965)، عندما قطعت فرنسا الغاضبة من الهجوم الإسرائيلي على مصر وسوريا مساعدتها. كانت فرنسا المورد الرئيسي لـ(إسرائيل) في تلك المرحلة، ولكن في عام 1967 أصبحت الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للأسلحة.

وكان من أسباب الدعم الأمريكي لـ(إسرائيل) اختراق السوفييت للحركة الفلسطينية. لقد تطورت منظمة التحرير الفلسطينية تحت التوجيه المصري، وبالتالي تحت التوجيه السوفييتي. كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتحول إلى منظمة ذات مخالب في أوروبا وجميع أنحاء الشرق الأوسط، وبالتالي أصبحت أداة رئيسية للسوفييت.

كان الاهتمام الأساسي للولايات المتحدة في المنطقة لا يزال النفط في الخليج، ورأت واشنطن أن تطور منظمة التحرير الفلسطينية يمثل تهديدًا مباشرًا لتلك المصالح. لذلك فإن دعم (إسرائيل) يخدم هدفا مهمًا للولايات المتحدة.

في عام 1973، شنت الكتلة الموالية للسوفييت هجومًا مضادًا ضد (إسرائيل)، في محاولة للرد على هزيمة عام 1967. واستخدمت الولايات المتحدة هجوم مصر كأساس لفرض مفاوضات على (إسرائيل) ولإرساء أسس الوفاق الإسرائيلي المصري.

وخلال الحرب، فرضت الدول العربية حظراً نفطياً على الولايات المتحدة ودول أخرى، ما أدى إلى ارتفاع سعر النفط. كان حظر النفط مفيدًا في خلق حالة من الاضطراب الاقتصادي الممتد في السبعينيات، ولكنه قوض أيضًا محاولة السوفييت لزعزعة استقرار هذه البلدان. بصرف النظر عن إيران، كانت الولايات المتحدة في موقع مهيمن في المنطقة، وكانت (إسرائيل)، بصرف النظر عن المغامرات الفاشلة في لبنان، في وضع يمكنها من متابعة التنمية الاقتصادية الهائلة.

استخدمت بعض الحكومات العربية القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتها، ولكن مع تضاؤل ​​النفوذ السوفييتي، ومحاولة الفلسطينيين إسقاط بعض أنظمة الدول العربية، ضعف الدعم. لكن القضية الجديدة كانت ظهور إيران، والطموحات العراقية في الخليج، والتهديدات السورية ضد الأردن، ومجموعة من المشاكل الداخلية.

تركت (إسرائيل) حرة في التعامل مع الفلسطينيين كما تشاء، مع عدم وجود جيش محلي يهددها (باستثناء إيران).

تميل السياسة الخارجية الأمريكية إلى التحرك ببطء. لذلك ظلت استراتيجيتها المعتمدة على العلاقات البريطانية والتي تم تشكيلها عام 1920 سارية. وتجلى ذلك في حرب العراق. وبدلاً من أن تؤدي الحرب إلى التدمير السريع لـ"صدام حسين" وإنشاء نظام جديد مؤيد لأمريكا، تم تعطيل جهود الولايات المتحدة، مثلما جرى إعاقة جهود مماثلة السوفييت. أصبحت الجماعات الفلسطينية العلمانية والاشتراكية الآن منبوذة وحل محلها حركات دينية خاضت الولايات المتحدة حروبا غير حاسمة ضدها لمدة 18 عامًا.

وبالتالي فإن الاستراتيجية التي قامت عليها سياسة الولايات المتحدة لم تعد ذات مغزى. وقد ارتفع المعروض من النفط في العالم وانخفض السعر. وأصبحت الولايات المتحدة الآن منتجًا رئيسيًا. وببساطة إن استقرار السعودية والحلفاء الإقليميين الآخرين لا يهم واشنطن. فهناك أشياء أخرى أصبحت أكثر أهمية، وأدى ذلك إلى تخفيض كبير للقوات الأمريكية في العراق والسعودية وسوريا.

أصبح مستقبل المنطقة الآن أكثر أهمية للقوى الإقليمية منه للولايات المتحدة، التي تحول اهتمامها بشكل متزايد إلى الصين وروسيا. إنها سياسة عقلانية. إن تكلفة الدفاع في نصف الكرة الشرقي مذهلة ومليئة بالمخاطر كما أن السماح للدول في المنطقة بالقيام بما يجب عليها القيام به على أي حال يقلل التكلفة والمخاطر.

يوجد الآن 3 وسطاء في المنطقة. الأولى تركيا. سوف تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة، والتي تتوافق في بعض الأحيان فقط مع مصالح واشنطن ولكنها نادراً ما تهدد المصالح الأمريكية الأساسية. والثانية هي دولة الإمارات، التي لديها قوة جوية كبيرة، وقوة برية صغيرة ولكنها فعالة، وجهاز استخبارات فعال. والثالثة والأكثر فاعلية هي (إسرائيل).ويعتبر سبب استمرار الولايات المتحدة في تقديم الأموال لـ(إسرائيل) رغم أنها ليست بحاجة لها، هو أن (إسرائيل) ستحل محل الولايات المتحدة.

لطالما كانت لـ(إسرائيل) علاقات هادئة في الدول العربية. إن ما يقوله العرب علانية عن (إسرائيل) ليس له علاقة تذكر بما يفعلونه بشكل خاص. إن المصلحة الإسرائيلية هي منع النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما يسهله العداء التاريخي العميق بين العرب والفرس. والمطلوب هو المساعدة العسكرية والتدريب والاستخبارات وما إلى ذلك. يمكن للإسرائيليين توفير ذلك، إلى جانب الأسلحة المتقدمة، وخاصة الطائرات بدون طيار وقدرات الحرب السيبرانية.

وهذه هي الاستراتيجية الأمريكية. فقد وفرت المعدات والاستخبارات والتدريب للدول العربية بمجرد سقوط الاتحاد السوفييتي. وبعبارة أخرى، بصرف النظر عن النشر غير الحكيم لقوتها الرئيسية، حافظت الولايات المتحدة على توازن القوى في العالم العربي، حيث ضمنت أمنها واستفادت من علاقاتها. لدى (إسرائيل) اليوم تحالف حقيقي، وإن كان غير رسمي، مع السعوديين والإماراتيين. وتواجه (إسرائيل) إيران على عدد من الجبهات، بما في ذلك سوريا. لقد اتخذت (إسرائيل) دور الولايات المتحدة لأنه لا يوجد أحد آخر للقيام بها. وبأخذها هذا الدور، حررت القوات الأمريكية للقيام بمهام أخرى.

ولكن على المدى الطويل تنهار جميع العلاقات. إن من طبيعة الأشياء تغير المصالح، والإسرائيليون أصغر من أن يقاوموا الولايات المتحدة، لكن الهدف الأساسي للولايات المتحدة في الوقت الحالي هو ترك المنطقة لأولئك الذين يعيشون هناك. لذا فإن العلاقات داخل المنطقة هي الأكثر أهمية.

ما نشهده هو نهاية الحقبة الأنجلو أمريكية في الشرق الأوسط حيث يتم استبدال ميزان القوى من قبل القوى الإقليمية. لا يزال البعض مثل تركيا مستنزفة في الصراعات كما هو الحال في سوريا. وقد تم إضعاف دول أخرى مثل السعودية إلى درجة كبيرة. لا تزال دول مثل الإمارات تحاول تحديد مصالحها، داخلياً وخارجياً. وهذا يترك (إسرائيل) مترابطة داخليا ومتميزة بنظام ناضج لإدارة التحالفات.

ويمثل الانسحاب الأمريكي من المنطقة بداية نضج الولايات المتحدة. إن قرار عدم الاهتمام بالشرق الأوسط هو بداية تطوير سياسة خارجية أكثر تقدمًا. لا يتم تحريك هذه السياسة بالإيديولوجيا ولا من قبل مفاهيم مثل "القيادة الأمريكية". وتدرك هذه السياسة ما هو مهم لها، وما هو غير مهم، والحاجة إلى جعل القوى الإقليمية مسؤولة عن مناطقها.

المصدر | جورج فريدمان/جيوبوليتكال فيوتشرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد