الجمعة 29 مايو 2020 03:26 م

الوصاية الدينية للدولة السلطوية.. مصر نموذجا

السلطوية تمارس الظلم والقهر وترعى الفساد والمحسوبية والرشا التي تكاد تكون نمطاً مؤسسيا ثابتا في أجهزة الدولة المختلفة.

وصاية النظام الحالي الدينية والأخلاقية على الجميع وصلت مستويات غير مسبوقة من القمع والعقاب على حرية الرأي والتفكير والممارسة.

لا تخجل السلطة الحالية في مصر من قيامها بممارسة وصايتها الأخلاقية والدينية بينما تغرق حتى أذنيها في ممارسات لا أخلاقية ولا قيمية.

*     *     *

لا تجد الأنظمة المتغلبة فرصة لممارسة قهرها وفرض وصايتها على الأفراد والمجتمع إلا واستغلتها، وفي أحايين كثيرة تكون ممارسة الفعل القهري هدفاً بحد ذاته من أجل إثبات الوجود وفرض الخوف والهيبة في نفوس المواطنين، حتى وإن لم يكن هناك ما يبرره فعلياً.

عند ممارسة القمع تتلاشى المسافة الفاصلة بين المجالين العام والخاص لدى هذه الأنظمة، ويكون الحضور السلطوي هو الأساس. ويتجلى الفعل القهري حين تمارس هذه السلطة نوعاً من الوصاية الدينية والأخلاقية والقيمية على المجتمع، في حين أنها أبعد ما تكون عن ذلك.

هذه الوصاية تمثل إحدى الأدوات التي تعتمد عليها السلطويات في تعزيز حضورها في الخيال الفردي والجماعي على حد سواء، وذلك من خلال تكريس نفسها سلطةً أبوية تعرف مصلحة الفرد والمجتمع أكثر منهم. بل الأنكى أن ممارسة هذه الوصاية لا تأتي فقط من خلال القنوات الرسمية للدولة السلطوية، وإنما عبر ممثليها ومسؤوليها الذين يتبارون في الدفاع عن هذه الوصاية والتأكد من خضوع المواطنين لها.

أمثلة ذلك كثيرة ليس أقلها حملات التخويف التي تمارسها الأجهزة الأمنية للأنظمة السلطوية، سواء فيما يتعلق باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو ببعض السلوكيات الفردية كالإفطار في شهر رمضان.

ففي مصر -على سبيل المثال- تقوم السلطات بين الفينة والأخرى باعتقال وحبس شباب وشابات عقاباً لهم على نشر بعض الفيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي مثل "تيك توك" و"فيس بوك" وغيرها، وذلك تحت دعوى التحريض على الفسق والفجور.

ومع التسليم برفض ما قد ينشره بعض هؤلاء الشباب، إلا أن التعاطي معهم وفق منطق الفضيلة الانتقائية يعكس التناقض والنفاق السياسي والأخلاقي الذي تمارسه الدولة تجاه المجتمع. فالنظام الحالي ارتكب جميع أنواع الموبقات السياسية من انتهاك للحرمات، واعتقال وخطف للأبرياء، واغتصاب للأموال والممتلكات، وإزهاق للأرواح مثلما حدث مع كثيرين طيلة السنوات السبع الماضية.

خذ مثلاً ما حدث مؤخراً مع الشاب شادي حبش الذي مات بسبب الإهمال في سجن مزرعة طرة قبل عدة أسابيع، ومن قبله الرئيس السابق محمد مرسي، وغيرهما من الذين ماتوا بسبب الإهمال في السجون المصرية. وحسب العديد من التقارير الحقوقية؛ فقد تجاوز عدد المعتقلين الذين ماتوا في هذه السجون -نتيجة للإهمال الطبي- ألف شخص.

لذا لا تخجل السلطة الحالية في مصر من قيامها بممارسة وصايتها الأخلاقية والدينية، في الوقت التي تبدو فيها غارقة حتى أذنيها في ممارسات لا أخلاقية ولا قيمية ليس أقلها الظلم والقهر، فضلاً عن حماية ورعاية الفساد والمحسوبية والرشا التي تكاد تكون نمطاً مؤسسيا ثابتا في أجهزة الدولة المختلفة.

بل الأدهى أن تتم ممارسة هذه الوصاية الدينية من خلال أفراد يرون في أنفسهم تجسيدا للسلطة الأبوية القاهرة، دون أن يكون هناك تصريح أو تعميم بذلك من قبل هذه السلطة. وهي ممارسات لا تتناقض فقط مع أبسط قواعد القانون والدستور، التي تكفل الحريات الفردية وأهمها حرية الاعتقاد والممارسة؛ وإنما مع المنطق الذي جاء به النظام الحالي الذي يدّعي التخلص من "الحكم الديني" للإخوان الذي كان سائدا قبل انقلاب 3 يوليو/تموز 2003 حسب ادعاءاته.

ولذا لا يخلو فعل السلطة الحالية -وكل من يرتبط بها- من نفاق سياسي واضح وفاضح فيما يخص مسائل الحريات. فلم يحدث أثناء حكم جماعة الإخوان أن تم تسيير دوريات لاعتقال الناس، أو مطاردتهم على المقاهي لمعاقبة من يجاهر بالإفطار خلال شهر رمضان، كما فعلت السلطة الحالية العام الماضي، وذلك رغم الادعاءات التي تنتهي بسعي الإخوان "لأسلمة الدولة".

وهو ما يتناقض أيضا مع ما يدعيه ليبراليو النظام من أن التخلص من الإخوان قد جاء نتيجة لمحاولتهم التضييق على الحريات الفردية. ولذا لم يكن مفاجئاً ألّا نسمع أيا من هؤلاء الليبراليين ينتقدون الوصاية الدينية والأخلاقية التي يمارسها النظام الحالي على الجميع، والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من القمع والعقاب على حرية الرأي والتفكير والممارسة.

بكلمات أخرى؛ فإنه في ظل سعي الأنظمة السلطوية لتأكيد نفسها وحضورها، فإنها تسمح لنفسها بالخوض في كل ما له علاقة بالفرد وتتدخل في أدق تفاصيل حياته اليومية، وذلك من خلال فرض سلطتها الوصائية والأبوية على سلوكه وأفعاله.

وهو ما يتم سواء من خلال المَأْسَسة لهذه السلطة كما هي الحال في بعض البلدان التي لديها أجهزة لفرض الممارسات الدينية ومراقبة سلوك مواطنيها، أو من خلال أفراد يرون في أنفسهم الممثلين الشرعيين لهذه السلطة فيقومون بفرض وصايتهم على غيرهم.

وهنا يتم فرض نوع من التسلط الديني، ليس قطعاً بهدف احترام الشريعة أو تطبيق الدين على المجتمع، وإنما بالأساس لفرض منطق السلطة وشرعنة وصايتها على الأفراد.

من هنا يصبح أي رفض لهذه السلطة ومنطقها وكأنه رفض للدين وقواعده. وهي حال أشبه بما يطرحه بعض الإسلاميين المتشددين الذي يسعون لفرض رؤيتهم وأجندتهم الدينية والإيديولوجية على المجتمع، دون إعطاء مساحة للنقاش أو الإقناع.

السلطوية الدينية هي امتداد طبيعي للسلطوية السياسية. ويحدث غالباً أن تنتقل الأنظمة السلطوية -بعد نجاحها في تثبيت أركان حكمها- إلى فرض تسلطها القيمي والأخلاقي على المجتمع.

فتصبح كل مساحة فردية أو اجتماعية مجالا للتدخل والضبط وأحيانا الإكراه. وما دام أن المجتمع قد سمح للسلطة بأن تقمعه سياسياً وألا تحترم رأيه أو اختياراته؛ فإنها قطعاً لن يكون من الصعب عليها أن تجبره على قبول وصايتها الدينية والأخلاقية.

* د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

المصدر | الجزيرة نت