الأحد 31 مايو 2020 02:26 م

نشرت روسيا طائرات حربية في ليبيا هذا الشهر لدعم هجوم زعيم الميليشيا "خليفة حفتر" على الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس، فيما يزيد تورط موسكو في الحرب الأهلية في البلاد ويهدد بتصعيدها.

ويقول محللون إن تدخل موسكو لصالح "حفتر"، الذي تحاول قواته الاستيلاء على العاصمة منذ أكثر من عام، مدفوع بالرغبة في تطويق منافستها الإقليمية الرئيسية تركيا، بعد أن كثفت أنقرة مؤخراً دعمها لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ما ساعدها على دحر عدوان "حفتر".

من خلال إرسال الدعم العسكري المباشر لـ"حفتر"؛ توسع موسكو نفوذها في جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​وتصب البنزين على نيران الحرب الأهلية التي شردت أكثر من 200 ألف شخص في العام الماضي لتسوء الأزمة التي دفعت المهاجرين إلى أوروبا.

لم ترد وزارة الدفاع الروسية على طلبات التعليق، لكن وصول الطائرات الحربية الروسية يزيد من خطر حدوث تصعيد كبير في الحرب في ليبيا، حيث هددت قوات "حفتر" مؤخرًا بشن حملة قصف كبرى بعد أن أجبرت على التراجع عن مناطق حول طرابلس.

ويقول المحللون إن وصول الطائرات الروسية إلى ليبيا يضعف قدرة أوروبا على فرض حل للأزمة الليبية، لأن وجودها يثير احتمالية حدوث صدام مباشر مع تركيا وحلفائها المتحصنين الآن في غرب ليبيا.

وتعِد خطوة موسكو هذه بحقبة يكون فيها لتركيا وروسيا وقوى أخرى مثل الإمارات دور أكبر في تحديد مآل الوضع في ليبيا.

وقال "مكسيم سوشكوف"، المحلل بمركز الشرق الأوسط للأبحاث ومقره واشنطن: "تريد روسيا أن يكون لها اليد العليا في ليبيا وأن تجبر الأتراك على التوصل إلى اتفاق لأن الصراع سيكون مصدر قلق ملح لأوروبا"، مضيفًا أن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين": "يريد توسيع أجندته مع الأوروبيين".

تحول في الحرب

يمثل التدخل التركي والروسي المتعمق في ليبيا تحولاً في الحرب الأهلية للدولة الواقعة في شمال أفريقيا.

لطالما دعمت القوى الخارجية الأطراف المتنازعة في الصراع الذي ترك البلاد مقسمة بين الحكومات المتنافسة منذ عام 2014، حيث تعترف الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية إلى جانب تركيا بحكومة طرابلس، في حين تدعم مصر والإمارات "حفتر"، الذي كان يتلقى حتى الآن دعمًا سريًا فحسب من روسيا، وفقا لمسؤولين أمريكيين.

ولكن تصاعد التدخل الأجنبي عندما شن "حفتر" هجومه على طرابلس في أبريل/نيسان 2019.

ومنذ ذلك الحين، انحازت القوات التركية والمرتزقة الروس لجانبين متضادين في المعركة ضد طرابلس، التي استمرت لأكثر من عام.

في الأسابيع الأخيرة؛ جلب دعم أنقرة لحكومة الوفاق الوطني انتصارات جديدة، ما أجبر "حفتر" على الخروج من مدينتين على البحر المتوسط وقاعدة جوية استراتيجية في غرب ليبيا.

أكد مسؤولون عسكريون أمريكيون وصول طائرات روسية من طراز "ميج 29" إلى قاعدة جوية يسيطر عليها "حفتر" في وقت سابق من هذا الأسبوع، ونشروا صورًا بالأقمار الصناعية.

وقالت القيادة الأمريكية في أفريقيا إن الطائرات نُقلت جوا إلى ليبيا عبر سوريا من قبل أفراد من الجيش الروسي.

وقالت وزارة الخارجية الروسية يوم الجمعة (دون تناول مباشر لنشر الطائرات) إن موسكو تريد حلا دبلوماسيا للصراع وإن تدفق المساعدات العسكرية الأجنبية قلب ميزان القوى على الأرض.

لم يرد متحدث باسم الحكومة التركية على الفور على طلب للتعليق، لكن القادة الأتراك كانوا قد قالوا إن دورهم في البلاد هو دعم الحكومة الشرعية في ليبيا.

وقال "محمد علي عبدالله"، المستشار الرفيع لحكومة الوفاق الوطني: "إن نشر الطائرات الروسية هو عمل يائس بعد سلسلة من الهزائم العسكرية والإخلاء المهين للمرتزقة الروس من منطقة طرابلس".

روسيا  تعزز موطئ قدم لها

أما في واشنطن، فقد قال العميد "جريجوري هادفيلد"، أحد كبار مسؤولي المخابرات في القيادة الأمريكية الأفريقية، للصحفيين يوم الجمعة إن أحد دوافع روسيا في نشر الطائرات العسكرية في ليبيا هو إقامة معقل لها في منطقة غنية بالنفط ذات أهمية استراتيجية في شمال أفريقيا.

كما قال إن صواريخ أرض-جو روسية تم نشرها أيضًا في مطار "الجفرة" حيث توجد طائرات "ميج 29" و"سو 24" الروسية، لكنه أشار إلى أن هذه الدفاعات الجوية لم تكن "حديثة".

ويتم حاليًا بناء حظائر الطائرات في المطار وتقوم طائرات الشحن الروسية بنقل معداتها إلى القاعدة بشكل منتظم.

لم تقم الطائرات المقاتلة الروسية حتى الآن بمهام قتالية منذ وصولها إلى ليبيا، لكن الجنرال "هادفيلد" قال إن الطائرات الروسية يمكن أن تشن غارات جوية نيابة عن المرتزقة، ولكن من غير المحتمل أن تكسر الجمود في الصراع بشكله الأوسع.

وأضاف: "إن الأمر لا يتعلق حقا بكسب الحرب، بل يتعلق بتطوير معاقل هناك"، وكذلك الاستمرار في تقديم الدعم لـ"حفتر" وقواته.

وقال شخص مقرب من وزير الدفاع الروسي إنه إذا تم استخدام الطائرات في القتال، فمن شبه المؤكد أن الطيارين الروس لن يكونوا من يقودها، وإلا فإن موسكو تخاطر بإزعاج أي علاقات متبقية لديها مع رئيس حكومة الوفاق "فايز السراج".

فقد استضافت موسكو، التي حاولت الحفاظ على العلاقات مع الجانبين، محادثات سلام في وقت سابق من هذا العام مع كل من "السراج" و"حفتر".

تغير الطائرات النفاثة الروسية التوازن العسكري للقوات في ليبيا، حيث تسيطر على المجال الجوي الطائرات المسيرة التركية التي تدعم حكومة طرابلس والطائرات المسيرة الإماراتية التي تدعم "حفتر".

كانت الطائرات التركية حاسمة في التطورات الأخيرة التي حققتها حكومة طرابلس، حيث وفرت الغطاء الجوي والضربات الدقيقة ضد قوات "حفتر" وأنظمته الدفاعية الروسية الصنع.

لكن نشر موسكو للطائرات الحربية سيهدف على الأرجح إلى تغيير ميزان القوى في السماء.

أحد أكبر الأسئلة هو: إلى أي مدى ترغب روسيا في التمادي باستخدام الـ14 مقاتلة "ميج 29" و"سو 24" ردًا على الأتراك وما إذا كانت أنقرة بدورها ستصعد أكثر بالمزيد من طائراتها.

وقال "روب لي"، خبير الدفاع الروسي في قسم دراسات الحرب في كلية كينجز لندن: "من الواضح أن طائرات ميج 29 يمكنها إسقاط الطائرات المسيرة التركية، ويمكن استخدام طائرات سو 24 للتصعيد لتدمير مرافق الطائرات المسيرة التركية على الأرض".

إضعاف الموقف الأوروبي

دعمت القوى الأوروبية عدة محاولات فاشلة للتوسط في حل في ليبيا ومعالجة جوانب محددة من الأزمة، مثل الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط ​​من ليبيا إلى إيطاليا أو تدفق الأسلحة إلى البلاد.

وفي مؤتمر عُقد في برلين في يناير/كانون الثاني، وافقت القوى العالمية على الالتزام بحظر الأسلحة على ليبيا، ولكن أعقبت القمة زيادة في عمليات نقل الأسلحة واستئناف القتال.

مزقت الانقسامات موقف الدول الأوروبية تجاه الصراع الليبي، حيث أرسلت فرنسا قوات للقتال إلى جانب "حفتر"، بينما تميل العديد من الدول الأوروبية الأخرى إلى حكومة طرابلس، التي هي شريك لأوروبا في جهود مكافحة الهجرة.

إن تزايد الدور التركي والروسي، واستمرار دور الإمارات، التي كانت منذ فترة طويلة أقوى مؤيدي "حفتر"، يزيد من عرقلة دور أوروبا في الأزمة.

وقال "جليل الحرشاوي"، الخبير في شؤون ليبيا في معهد "كلينجينديل"، وهو مركز أبحاث في لاهاي: "من المفارقة الساخرة أن تركيا شريك مهم جدًا لروسيا على المدى الطويل، إنها طريقة جيدة لغرس التنافر داخل الناتو، وطريقة جيدة لإزعاج الاتحاد الأوروبي من ناحية الهجرة".

المصدر | توماس جروف وجاريد مالسن | وول ستريت جورنال - ترجمة وتحرير الخليج الجديد