الأربعاء 3 يونيو 2020 09:09 ص

بالرغم من اشتراك المملكة الأردنية الهاشمية ودول مجلس التعاون الخليجي في الحفاظ على أنظمتها الملكية ووجود أهداف سياسة خارجية مماثلة، فقد أظهرت عمان أنها لا تريد أن تكون تحت أي محور.

يحد وضع الاقتصاد الأردني الضعيف واعتماده الشديد على دول مجلس التعاون الخليجي للحصول على المساعدة الاقتصادية والتوظيف لقوة العمل الكبيرة، من قدرته على العمل بشكل مستقل، خاصة مقابل المملكة العربية السعودية.

ومع ذلك، ومع استمرار أزمة دول مجلس التعاون الخليجي، تمكن العاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني" من استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الدوحة دون حرق جسوره مع الكتلة التي تقودها السعودية في هذا النزاع، لأنه يعرف إلى حد كبير أن كل هذه البلدان لا تريد اتجاه الأردن للفشل سياسيا أو اقتصاديا.

يشكل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الحالي تحديًا جديدًا في هذه الديناميكية، بالرغم من علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، كانت عمان حذرة للغاية من نهج إدارة "ترامب" تجاه هذه القضية، ما جعل الأمر أكثر إثارة للقلق من خلال الكشف عن خطة للسلام الفلسطيني الإسرائيلي في أواخر يناير/كانون الثاني، حيث أيد الرئيس الأمريكي فكرة (إسرائيل) ضم المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.

بالرغم من أن العديد من دول الخليج كانت تدعم ضمنيًا الخطة الأمريكية، لكنها تتعامل مع وجهة النظر الأردنية والفلسطينية الرافضة بالرغم من علاقاتها المتنامية مع (إسرائيل).

إن المقاربة العربية الأكثر شيوعًا للمعضلة الفلسطينية الإسرائيلية قد تعود بالفائدة على الأردن.

العلاقات التاريخية

كان الأردن والسعودية والملكيات المحافظة في الخليج -معظمهم تحت السيطرة البريطانية آنذاك- خلال ما يسمى بالحرب العربية الباردة في الخمسينات والستينات، متحالفين ضد ما اعتبروه تهديدًا من القومية العربية الثورية، ومن الأنظمة المدعومة من الاتحاد السوفييتي، مثل مصر في عهد "عبدالناصر".

علاوة على ذلك، نظروا إلى الغرب، بريطانيا في البداية، ولاحقًا الولايات المتحدة، كحام خارجي، لكن وجود مصالح سياسية مشتركة وأنظمة ملكية مشتركة لا يمكن حمله اليوم دائمًا على مسائل أخرى.

تعود جذور التوترات الكامنة بين المملكة العربية السعودية والأردن إلى العداوات القبلية التي تعود إلى عشرينات القرن العشرين على الأقل.

في ذلك الوقت، قامت قوات "عبدالعزيز آل سعود"، المعروفة أكثر باسم قوات "بن سعود"، مؤسس المملكة العربية السعودية، بطرد الهاشميين - الذين يدعون نسب النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم- من منطقة الحجاز حيث احتفظ قادتهم منذ فترة طويلة بألقاب الوصاية على المدن الإسلامية المقدسة مكة والمدينة.

بالرغم من أن سياسات الحرب الباردة قد خففت هذا العداء والتنافس السعودي الأردني، لكنها عادت إلى الظهور خلال حرب الخليج الأولى 1990-1991، عندما تحالف الأردن، تحت حكم الملك "حسين"، مع العراق.

أدى ذلك بالسعوديين في ذلك الوقت إلى اتهام العاهل الأردني بالسعي لاستعادة الحجاز إلى حكم الهاشميين، وخلال هذه الفترة العصيبة، قطع السعوديون المساعدة الاقتصادية للأردن.

في الآونة الأخيرة، تركز هذا التنافس على الشرعية الإسلامية على القدس، منذ أواخر الأربعينات، عمل الهاشميون كأوصياء على جميع الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس، بما في ذلك المسجد الأقصى، ثالث أقدس موقع في الإسلام.

لكن الشائعات انتشرت في المنطقة في السنوات الأخيرة بأن السعوديين يريدون هذا الدور لأنفسهم، كما أن هذه المنافسة على الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس قد غذتها تقارير تفيد بأن العاهل الأردني الملك "عبدالله" وولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" لا تربطهما علاقة وثيقة.

التبعية الاقتصادية

يعتمد الأردن، كدولة فقيرة الموارد، اعتمادًا كبيرًا على الدعم الخارجي، حيث إن البطالة حوالي 19%، مع بطالة الشباب ما يقرب من 40%، وتقدر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة عالية للغاية 94%.

وقد شرع الأردن في إجراءات التقشف في السنوات الأخيرة من أجل الامتثال لشروط قروض صندوق النقد الدولي، لكن هذه السياسات أدت إلى مظاهرات دورية مناهضة للحكومة من قبل قطاعات من السكان، ما أجبر عمان على تقليص تخفيف الدعم.

علاوة على ذلك، بالرغم من أن الأردن كان ناجحًا إلى حد ما في الحد من انتشار "كورونا" لكن الوباء، مع ما يصحبه من إغلاق الأعمال، زاد من المشاكل الاقتصادية للمملكة الهاشمية.

وفقًا لبيانات عام 2018، كان هناك ما يقدر بنحو 800 ألف مواطن أردني يعملون في الخارج، وهو ما يمثل أكثر من 11% من إجمالي السكان الأردنيين، يعمل معظم الأردنيين المغتربين في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تمتلك السعودية الحصة الأكبر (61.3%)، تليها الإمارات (14.1%) وقطر (12.5%) وعُمان (6.1%) والكويت (3.7%) والبحرين (2.1%).

ومعظم هؤلاء العمال الأردنيين هم من الطبقة الوسطى المتعلمة، حوالي 65.4% حاصلين على درجة البكالوريوس على الأقل، و 14.5% حاصلون على درجة الماجستير، و 3.9% على درجة الدكتوراه.

يعمل الكثير منهم في القطاع العام في دول مجلس التعاون الخليجي في وظائف مثل البيروقراطيين والمعلمين والأطباء والمستشارين العسكريين.

ومن المثير للاهتمام أن ما يقرب من 50% ممن حصلوا على درجة البكالوريوس حصلوا عليها من جامعة عامة في الأردن، بينما حصل 24% منهم على شهاداتهم من جامعة أردنية خاصة، فيما حصل الباقون على شهادتهم من الخارج.

لذلك، يلعب الخليج منفذاً مهماً لكثير من الطبقات المتعلمة من السكان الأردنيين، الذين كان الكثير منهم سيضخم صفوف العاطلين عن العمل في الداخل.

تشير التقديرات إلى أن العمال الأردنيين المغتربين قد حولوا حوالي 3.7 مليار دولار في عام 2018، وهو جزء حاسم من إبقاء الاقتصاد واقفا على قدميه يوفر دخلا أساسيا لمئات الآلاف من الأسر الأردنية، وإذا تم طرد هؤلاء العمال من الخليج، فإن مثل هذا العمل سيكون له تأثير كبير ومزعزع للاستقرار في الأردن.

بالإضافة إلى ذلك، قامت دول الخليج، على مدى عقود عديدة، بتزويد الأردن بالنفط (غالبًا بأسعار مدعومة) بالإضافة إلى منح وقروض نقدية بمليارات الدولارات.

على سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2018، تعهدت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت بتقديم حزمة مساعدات اقتصادية للأردن بقيمة 2.5 مليار دولار على مدى 5 سنوات، بالرغم من أن بعض هذا المبلغ كان في شكل قروض مباشرة وضمانات لقروض البنك الدولي.

من جانب آخر، لدى الأردن علاقة أمنية مع العديد من هذه الدول، وقد عمل ضباطه العسكريون في كثير من الأحيان كمستشارين في القوات المسلحة للإمارات وعمان، في يونيو/حزيران 2019، سافر الملك "عبدالله" إلى أبوظبي لمراقبة التدريبات العسكرية المشتركة بين الوحدات الأردنية والإماراتية.

المناورة مع إظهار التضامن مع دول الخليج

من الطبيعي أن يكون لهذه التبعية الاقتصادية تكاليف سياسية تحد من المدى الذي قد تبتعد فيه الأردن عن دول مجلس التعاون الخليجي في الشؤون الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بموقف السعودية.

ومع ذلك، بالرغم من تعاون الأردن مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإنه يحاول الاحتفاظ ببعض الحرية في المناورة، في غضون ذلك، أظهر السعوديون أنهم لا يتورعون عن استخدام الاقتصاد ضد الأردن في بعض الأحيان في محاولة لضمان الامتثال.

في نهاية عام 2017، على سبيل المثال، رفضت الرياض تجديد حزمة مساعدات كبيرة للأردن، بسبب رفض عمان حظر "الإخوان المسلمون" وقرارها عدم قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، وبالتالي لم تتبع قرار الكتلة التي تقودها السعودية (والتي شملت الإمارات والبحرين ومصر). لم يقم الأردن بتخفيض علاقاته مع قطر إلا كإجراء في منتصف الطريق للبقاء في تصالح مع السعوديين.

كما أن هناك مثالا آخر على أن الأردن كان يسير على خيط رفيع مع السعوديين وهو عندما أطلقت الرياض عملية "عاصفة الحزم" ضد المتمردين الحوثيين في اليمن في مارس/آذار 2015، تمكن السعوديون في البداية من حشد تحالف كبير من الدول العربية السنية، بما في ذلك الأردن، في هذا التحالف.

وبالرغم من أن الأردن شارك في البداية ببعض طلعات جوية ضد الحوثيين، فقد رأى مسؤول أردني أن ذلك تم بسبب الدعم السعودي السخي وغيره من دول مجلس التعاون الخليجي للاقتصاد الأردني حيث إن تدخله العسكري كان قصير المدة ورفض أيضًا إرسال قوات برية إلى اليمن.

إن مساعدة الأردن على الانخراط في هذا النوع من القدرة على المناورة هو حقيقة أن مجلس التعاون الخليجي نفسه لا يزال منقسمًا، بشكل أساسي حول قضية قطر، حيث ترفض الكويت وعمان الانضمام إلى المقاطعة التي تقودها السعودية.

كانت هذه السياسة الممزقة تجاه الدوحة وحقيقة أن العديد من الأردنيين يعملون في قطر وهي دولة استثمرت بشكل كبير في المملكة الهاشمية عوامل بلا شك أجبرت عمان على استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الدوحة في 2019.

حتى فيما يتعلق بإيران، يبدو أن هناك بعض الاختلاف بين الأردن والكتلة السعودية والإماراتية والبحرينية، فبالرغم من أن الملك "عبدالله" كان أول زعيم عربي سني، في ديسمبر/كانون الأول 2004، يحذر علنًا من "الهلال الشيعي" - والذي كان يعني القوس الممتد عبر المنطقة من إيران إلى العراق إلى سوريا ولبنان- لا يبدو أنه يشارك وجهة نظر الكتلة التي تقودها السعودية والتي ترى إيران كتهديد وجودي.

ربما يرجع ذلك إلى أن إيران ليست في جواره المباشر، وليس في الأردن جالية شيعية كبيرة يمكن أن تجندها إيران (بشكل رئيسي يوجد بعض اللاجئين الشيعة العراقيين فقط).

وقد أشاد الملك "عبدالله" في يناير/كانون الثاني 2020 بالراحل السلطان "قابوس" لدور عمان كقناة بين "إيران والعالم العربي والمجتمع الدولي" وذلك يشير إلى أنه لا يرغب في مواجهة عسكرية مع إيران، مثل بعض العناصر المتشددة داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

في الواقع، قال الملك "عبدالله" إنه من الضروري العودة إلى الحوار مع إيران "لأن أي خطأ في الحساب من أي طرف يخلق مشكلة لنا جميعًا، وينتهي بنا جميعًا بدفع الثمن".

في نهاية المطاف، بالرغم من بعض الاختلافات في السياسة، يعرف "عبدالله" أن دول مجلس التعاون الخليجي لديها مصلحة في رؤية أن الأردن لا يزال دولة مستقرة وودية، إذا سقطت الملكية الهاشمية، فإن ذلك سيكون له صدى في الخليج نفسه.

في عام 2011، وجه الملك السعودي الراحل "عبدالله" دعوة إلى المملكتين العربيتين خارج الخليج الأردن والمغرب للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، بالرغم من أن هذا الاقتراح لم يؤت أكله لأسباب مختلفة، بما في ذلك القليل من التشاور مع الأعضاء الآخرين حول القضية، وبالتالي، بالرغم من بعض فترات التوتر، ستواصل دول مجلس التعاون الخليجي استخدام مواردها لدعم الأردن.

التعامل مع (إسرائيل) وفلسطين وخطة "ترامب" للسلام

لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو القضية الإقليمية الأكثر خطورة بالنسبة للأردنيين، وذلك بسبب جغرافية الأردن (كونها مجاورة لـ(إسرائيل) والضفة الغربية المحتلة) والتركيبة السكانية (حوالي 60% من السكان من أصل فلسطيني).

بالرغم من أن الأردن أقام علاقات دبلوماسية رسمية مع (إسرائيل) في عام 1994، لكن معاهدة السلام لا تزال غير مقبولة شعبيا في المملكة، خاصة أن الحكومات اليمينية الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" لم تظهر أي رغبة في تلبية الحد الأدنى من التطلعات الفلسطينية.

وما أثار قلق الأردن هو التصور بأن العديد من دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة بدت كأنها تضع مسألة إيران، إلى جانب التعاون من وراء الكواليس مع (إسرائيل)، فوق القضية الفلسطينية، وأن إدارة "ترامب" شجعت هذا الاتجاه وطرحت ما يسمى بمقترح السلام الذي يدعم الخطط الإسرائيلية لضم المستوطنات في الضفة الغربية، والتي تشكل 30% من المنطقة (وهو أمر قالت الحكومة الإسرائيلية الجديدة إنه سيتم تنفيذه في يوليو/تموز )، وقد أثار ذلك قلق الأردن أكثر.

كان الأمر المثير للقلق بشكل خاص للأردن والفلسطينيين هو أن سفراء الإمارات والبحرين وعمان قد شاركوا في حفل البيت الأبيض عندما أعلن "ترامب" عن خطته، ما أعطى الانطباع بأنهم يقدمون دعمًا ضمنيًا لها.

يشار إلى أن السعوديين لم يبدوا في البداية اعتراضات على الخطة.

لم يكن الملك "عبدالله" متكتمًا في التعبير عن معارضته الشديدة لخطط الضم هذه، معتقدًا أنه سيكون بمثابة موت لحل الدولتين ويؤدي إلى عدم الاستقرار في المنطقة، وحذر "عبدالله" من ذلك في مقابلة أجريت معه في منتصف مايو/أيار مع مجلة "دير شبيجل" الألمانية: "ستؤدي هذه الخطة أيضا إلى زوال السلطة الفلسطينية".

ثم أضاف بشكل ينذر بالسوء: "سيكون هناك المزيد من الفوضى والتطرف في المنطقة. إذا ضمت (إسرائيل) الضفة الغربية فعلاً في يوليو/تموز، فسوف تؤدي إلى صراع واسع النطاق مع المملكة الأردنية الهاشمية".

وسرعان ما استجابت السلطة الفلسطينية، بدعم قوي من الأردن، بعد فترة وجيزة من الكشف عن الخطة الأمريكية بإجبار الجامعة العربية على عقد اجتماع لوزراء الخارجية وإصدار بيان يرفض صفقة "ترامب".

وفي الآونة الأخيرة، أصدر وزير الخارجية السعودي بيانا منفصلا في 20 مايو/أيار قال فيه إن السعودية "صامدة" في دعمها للشعب الفلسطيني و"خياراته" وستستمر في دعم "إقامة دولة فلسطينية مستقلة والقدس الشرقية عاصمة لها".

وهكذا تمكن الملك "عبدالله" والفلسطينيون من إقناع قيادة العديد من دول مجلس التعاون الخليجي بالتخلي عن دعمهم لخطة "ترامب"، لكن "عبدالله" كان ذكيًا بما يكفي لعدم تولي أمر هذا التغيير بشكل رئيسي أو انتقاد المواقف السابقة لهذه الدول.

عندما سئل قبل مقابلة "دير شبيجل" عما إذا كانت الإمارات تولي أهمية أكبر لقضية إيران من القضية الفلسطينية؟ كان "عبدالله" حريصًا في ذكر ما يلي: "دعني أكون منصفًا جدًا لصديقي العزيز محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي وآخرين، في اجتماعات جامعة الدول العربية، لا يزال اقتراح حل الدولة الواحدة مرفوضًا بشدة".

بالرغم من كون الأردن دولة صغيرة ذات اقتصاد مضطرب، فقد تمكن من المناورة في متاهة دول مجلس التعاون الخليجي لجعل الأمور لصالحه، سياسياً واقتصادياً.

ومع ذلك، يبقى أن نرى ما إذا كان سيتمكن من ثني (إسرائيل) والولايات المتحدة عن اتباع سياسات ضارة في عملية السلام أو إذا كان الانكماش الاقتصادي الحالي في الخليج سيؤثر سلبًا على اقتصاده وسبل عيش قوته العاملة الكبيرة.

المصدر | جريجوري أفتانديليان | المركز العربي- ترجمة وتحرير الخليج الجديد