الجمعة 5 يونيو 2020 11:42 ص

"بهدف المساعدة الأمنية".. بهذه الحجة، بررت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، نيتها إرسال قوات إلى تونس مؤخرا، مشيرة إلى أنها تبحث هذا الأمر حاليا، ما أثار جدلا واسعا في البلد الشمال أفريقي، الذي سبق أن عبرت رئاسته ووزارة دفاعه (المؤسستان المخولتان دستوريا بالملف) عن رفض تام لتحويل الأراضي التونسية إلى قاعدة لشن عمليات عسكرية سواء في ليبيا أو في أي بلد آخر.

ورغم أن هذا الموقف طالما كان أحد ثوابت الدولة التونسية منذ الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، إلا أن حالة كبيرة من الجدل أثيرت حول هذا الأمر في أعقاب مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس الراحل "الباجي قائد السبسي" لدى زيارته الولايات المتحدة عام 2015، وأثارت قلق الجزائر آنذاك، لأنها رأت فيها مؤشراً على نية واشنطن بناء قاعدة عسكرية في الجنوب التونسي بمحاذاة حدودها، بعدما منحت واشنطن لتونس صفة "الحليف غير العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)".

صحيح أن الموقف الرسمي التونسي لا يقرأ الاتفاقية على هذا النحو، حيث كان وزير الدفاع الأسبق " فرحات الحرشاني" حريصا على طمأنة الجزائر رسميا، وقت توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، ونفى أي نية لبلاده لبناء قاعدة عسكرية أمريكية على أراضيها، مشيرا إلى أن "صفة الحليف غير العضو في الناتو" تتمتع بها دول عدة أخرى، وتمنح امتيازات محصورة في مجالات التسليح والتدريب فقط، فإن ذلك لم يكن كافيا لوقف الجدل في ظل غياب أي نص قطعي في مذكرة التفاهم الأمريكية التونسية يمنع الولايات المتحدة من شن أي عمل عسكري من الأراضي التونسية.

بدائل أمريكية

في هذا السياق، جاء مضمون الكلمة التي ألقاها الرئيس التونسي "قيس سعيد" إلى التونسيين بمناسبة العام الميلادي الجديد، والتي أكد فيها على "سيادة الأراضي والأجواء والبحار التونسية، بما لا يدع مجالاً لاستعمالها او استغلالها من أي قوة أخرى"، ما قدم مؤشرا على أن إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في تونس فكرة مستبعدة، وإن استعاضت عنها واشنطن ببدائل أخرى.

وكان وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "جون كيري" قد ألمح إلى أحد هذه البدائل بعد نحو شهر من توقيع مذكرة التفاهم مع تونس، عندما صرح أن "الولايات المتحدة لن تطلب من الحكومة التونسية القيام بما لا تريد، بل ستوفر لها ما تحتاجه".

في السياق ذاته، حاولت "أفريكوم" إعادة تفسير وجودها العسكري المنتظر في تونس عبر بيان ذكرت فيه أن المقصود هو إرسال "وحدة تدريب صغيرة كجزء من برنامج المساعدة العسكرية".

وأيا كان حجم القوة الأمريكية أو شكل وجودها وتنظيمها، من المؤكد أن الهدف الرئيسي منها هو ضمان قدرة الولايات المتحدة على التدخل والتأثير عسكريا في الملف الليبي، خاصة في ظل وجود مؤشرات على تعزيز موسكو نفوذها في البلاد خاصة في المنطقة الواقعة تحت سيطرة قوات الجنرال المتقاعد "خليفة حفتر" شرقي البلاد، وهو ما لا يروق للولايات المتحدة على جميع المستويات، وفقا لما أورده تحليل لصحيفة "أتلايار" الإسبانية.

من هذه المؤشرات إرسال الحكومة الروسية دفعة ثانية من مقاتلات "ميج-29" إلى ليبيا مؤخرا، عبر تسليمها أولا إلى قوات النظام السوري بشكل رمزي في قاعدة حميميم الجوية بمحافظة اللاذقية، والتي قامت بدورها بتغيير طلاء الطائرات للتغطية على أصلها الروسي.

وباتت هذه الطائرات وما رافقها من ذخائر وأسلحة جاهزة للاستعمال لصالح قوات "حفتر" ابتداء من أوائل يونيو/حزيران الجاري، بعد التغير الذي طرأ بموازين القوى داخل ليبيا، إثر خسارة "حفتر" كامل المدن الاستراتيجية بساحل الغرب الليبي واهتزاز وضعه السياسي إقليمياً ودولياً، حتى بدأت بعض الدول الداعمة له بمراجعة حساباتها والتشكيك في مدى قدرته على أن يكون رجل المرحلة في ليبيا اليوم وفي المستقبل.

اختراق أحمر

ومن الواضح أن الدوائر العسكرية الأمريكية تعتبر هذا التواجد الروسي في ليبيا اختراقا لأحد الخطوط الحمراء الأمريكية، وهو عدم السماح لموسكو بتعزيز حضورها على الساحل الجنوبي للمتوسط بشكل قد يهدد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا، وهو ما دفع إدارة الرئيس "دونالد ترامب" إلى الاحتجاج على تهديد "الأمن الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي" من خلال طلب قدمته المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة "كيلي كرافت" للدول الأعضاء بمجلس الأمن، في 28 مايو/أيار، طلبت فيه المساعدة في سحب المرتزقة من ليبيا، وضمان تنفيذ قرارات المجلس المتعلقة بحظر تصدير السلاح إلى البلاد.

وينسجم التوجه الأمريكي مع مخاوف أبدتها العديد من الدول الأوروبية من تعزيز روسيا لحضورها في ليبيا، خاصة فرنسا، التي بدأت في تخفيض مستوى دعمها لـ "حفتر".

 وبذلك لم تعد تركيا معنية وحدها بدعم حكومة الوفاق في النزاع الليبي، بل تقترب منها دول أوروبية أيضا، ما قد يدفع نحو رفع الغطاء تماما عن "حفتر" وحملته العسكرية.

وعلى الرغم من أن تونس تحرص على إظهار حيادها في الملف الليبي، فإن السياسة التونسية تبدو مرشحة للميل بشكل أكبر للتواؤم مع مواقف واشنطن وأنقرة، خاصة بعدما عزّزت مؤخرا علاقاتها الدفاعية مع تركيا إثر حصولها على عدد كبير من أنظمة التشويش الراداري المحمولة من شركة "أسيلسان" التركية، وتحول أنقرة إلى أحد أهم الموردين العسكريين لتونس في الأشهر الأخيرة.

وفي السياق ذاته، يخطط الجيش التونسي لبدء تشغيل طائرات قتالية دون طيار من صناعة الشركة التركية لصناعات الفضاء، حسبما أفاد موقع "أفريكا إنتلجنس"، في فبراير/شباط الماضي، مشيرا إلى أن الدولة التركية وقعت أول عقد تصدير لطائرات من طراز "تي إيه أي أنكا" مع تونس في يناير/كانون الثاني.

وجرى توقيع هذا العقد بواسطة الرئيس التركي "قيس سعيد" بعد شهر واحد فقط من زيارة نظيره التركي "رجب طيب أردوغان" إلى تونس، حيث تباحثا حول الصراع في ليبيا والتداعيات الإقليمية الناجمة عن التقارب الأخير بين أنقرة وحكومة الوفاق.

وبحسب تحليل "أتلايار" فإن محاولة تعزيز النفوذ العسكري الأمريكي في تونس من شأنه أن يضع الأخيرة في وضع يمكنها من تبني مواقف داعمة لبعض الفصائل الليبية المؤيدة لحكومة الوفاق.

وبهذه الطريقة تدعم الولايات المتحدة موقفها في مواجهة روسيا، وتعزز موقعها في منطقة شمال أفريقيا الاستراتيجية من دون إعلان قاعدة عسكرية دائما على الأراضي التونسية.

المصدر | الخليج الجديد