الأربعاء 3 يونيو 2020 05:25 م

كما هي العادة، كانت مواقف الحكومة والإعلام النظامي في مصر من تفشي وباء كورونا مرتبكة ومتناقضة. فمن إنكار وجود الوباء من الأساس والسخرية منه، إلى اتهام "الإخوان المسلمون" بنشر الشائعات، ومن الاستمرار في استقبال الرحلات السياحية، إلى فرض غرامات على ارتداء الكمامات، ومن التمسك بأرقام إصابات هزيلة، إلى الإعلان -بشكل شبه رسمي- على لسان مسؤولين، أن أعداد إصابات "كورونا" الحقيقية في مصر قد تصل إلى 100 ألف أو حتى مليون إصابة.

وخلال الساعات الماضية، سجلت وزارة الصحة المصرية، 47 وفاة بـ"كورونا"؛ وهو ما يمثل أعلى معدل وفيات يومي تسجله البلاد منذ اكتشاف الفيروس بها في فبراير/شباط الماضي.

ووصل إجمالي الإصابات بالفيروس داخل البلاد إلى 27 ألفا و536 إصابة؛ منها 6827 حالة تم شفاؤها، و1052 حالة وفاة، حتى مساء الثلاثاء.

سياسات الإنكار

"عيب، أنتم متعرفوش العيب، أنتم مستكترين علينا ستر ربنا، إحنا شعب غلبان ومش حمل وباء".. هكذا خاطب الإعلامي المصري الموالي للسلطة "نشأت الديهي" المتحدثين عن إصابات "كورونا" في مصر في بداية الأزمة، متهما إياهم بإثارة البلبلة وتهييج الرأي العام.

وزاد "الديهي" المعروف بقربه من أجهزة أمنية وسيادية، بالتأكيد على أن "مصر خالية تمامًا من فيروس كورونا بنسبة 100%"، وذلك في برنامجه "بالورقة والقلم"، المذاع عبر فضائية "ten"، في حلقة 29 فبراير/شباط الماضي.

وفي محاولة لإضفاء جو من السخرية حول الوباء، بث الإعلامي المصري "جابر القرموطي" في برنامجه "الكلام على ايه" المُذاع عبر فضائية "الحياة" (خاصة)، اتصالا هاتفيا ساخرا مع شخص جسد "فيروس كورونا"، دعا خلاله المصريين إلى عدم الذعر، مؤكدا أن مصر "مختلفة عن أي مكان آخر في العالم، وأن آثار المرض لا تتجاوز أعراض نزلة برد".

وفي الشهر ذاته، فاجأت وزيرة الصحة المصرية، "هالة زايد" جميع الأوساط، بالقول إن "هذا الفيروس لن يصيب مصر لأنه يعيش في الصين وليس في مصر"، مضيفة أن "الفيروس غير معد".

وعلى الرغم من إعلان دول عربية وأوروبية إصابة سياح عائدين من مصر إلى أوطانهم، أصرت الحكومة المصرية على إنكار وجود الفيروس في البلاد.

التحكم في الرواية

بالتزامن مع ذلك، حاولت الحكومة المصرية التحكم في الرواية الإعلامية وتدفق المعلومات حول الوباء. وفي مارس/آذار الماضي، أعلن وزير الداخلية المصري، اللواء "محمود توفيق" القبض على 3 أشخاص بتهمة نشر أخبار كاذبة تتعلق بإصابات "كورونا" داخل البلاد.

بالمثل، تعرضت صحيفة "الجارديان" البريطانية لهجوم شرس لعرضها نتائج دراسة كندية تفيد بتجاوز عدد المصابين الحقيقي في مصر 19 ألف شخص، وتقرر سحب ترخيص مكتبها في القاهرة، إضافة إلى توجيه إنذار لمراسل "نيويورك تايمز" لنشره تغريدة عن الدراسة الكندية.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل خصصت الأجهزة الأمنية خطا ساخنا للإبلاغ عن الأشخاص الذين ينشرون هذا النوع من "الشائعات".

وزعم وزير الإعلام المصري "أسامة هيكل" خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الحكومة "مصطفى مدبولي"، 16 مارس/آذار الماضي، أن عدد المصابين بالفيروس في البلاد بلغ 150 شخصا فقط.

ولم يصدر قرار الحكومة المصرية بتعليق حركة الطيران، سوى بداية في 19 مارس/أذار الجاري، بعد أسبوعين على تسجيل أول حالة إصابة.

وفي 22 من الشهر ذاته، كان أول ظهور للرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" أي بعد مرور 17 يوما على تسجيل أول حالة إصابة رسمية، معلنا تخصيص مبلغ 100 مليار جنيه مصري (نحو 6 مليارات دولار) لمواجهة الفيروس، دون أن ينسى لمز المشككين في مدى صدق بيانات وجدية الدولة في التعامل مع المرض.

وتزامن مع حالة الإنكار الحكومي، رواج تجارة الخرافات في الإعلام الرسمي والخاص، عبر بث علاجات وطرق وقاية مزيفة تتضمن أكل الفول والمش والثوم والبصل والبهارات، وتناول الفسيخ و"الشلولو"، وشرب الشاي والينسون والزنجبيل.

تفشي الوباء

مع دخول شهر رمضان الماضي، تبدلت حالة الإنكار الرسمي إلى موجة من التخويف والصراخ الإعلامي، ركظت على تحميل المواطنين مسؤولية تفشي الوباء، مع تداول أنباء بأن ذروة الإصابات في مصر ربما تكون خلال أواخر شهر مايو/أيار وشهر يونيو/حزيران.

خلال أيام، سرعان ما عجت وسائل التواصل بمقاطع فيديو عن تفشي الوباء في مناطق مختلفة من البلاد، وفشل المصابين في الحصول على الخدمة الطبية، ووفاة العشرات من الأطقم الطبية، وسط تهديدات بالاستقالة من الأطباء، جراء نقص معدات الوقاية والمستلزمات الطبية.

وتسلل الفيروس إلى أوساط فنية ورياضية، وانتقل إلى ساحة البرلمان، والصحف القومية، وطال عددا من المسؤولين الحكوميين والمحافظين، وحتى بعض كبار القادة العسكريين.

وفي تصريح اعتبر صادما، يناقض البيانات الحكومية الصادرة على مدار 3 أشهر، أعلن وزير التعليم العالي المصري، الدكتور "خالد عبدالغفار"، مطلع الشهر الجاري، أن أرقام الإصابة بفيروس "كورونا" بمصر قد تصل إلى 100 ألف أو مليون إصابة.

السيناريو المرعب

ويبدو أن الأمور تتجه في مصر نحو الخروج عن السيطرة، في ظل معدلات الإصابة المرعبة في صفوف الطواقم الطبية والإغلاق المتتالي للمستشفيات بسبب الإصابات في صفوف الأطباء وطواقم التمريض.

وفي محاولة لإنقاذ الموقف، والحيلولة دون انهيار القطاع الطبي، قررت الحكومة ضم جميع المستشفيات العامة والمركزية غير التخصصية لخدمة فحص الحالات المشتبه بها بواقع 320 مستشفى.

وتتجه وزارة الصحة للدفع بجميع التخصصات الطبية للعمل على علاج مرضى "كورونا"، وسط تهديدات بملاحقة الممتنعين عن ذلك بواسطة "الأمن الوطني" (جهاز استخباراتي داخلي)، بحسب مصدر طبي تحدث لموقع "عربي بوست".

لاحقا، بدا أن الدولة تشجع التوسع في تجربة نظام العزل المنزلي، حيث شدد  مستشار وزيرة الصحة للرعاية والطوارئ "شريف وديع"، على أن الشخص الذي يتبع قواعد العزل المنزلي يحافظ على صحته أكثر من الذهاب للمستشفي.

وفي هذا الصدد، خصصت وزارة الصحة 5400 وحدة صحية، و1000 قافلة طبية ثابتة ومتحركة بجميع محافظات الجمهورية لتوزيع حقيبة الأدوية والمستلزمات الوقائية على المخالطين للحالات الإيجابية لفيروس "كورونا".

أسباب عدة

وفق معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن المسؤولين في مصر سنبغي عليهم تغيير مسارهم والتعامل مع الأزمة بمسؤولية وشفافية، إذا كانوا جادين حقا في مواجهتها.

وتعد الأرقام الرسمية المشكوك في مصداقيتها منذ فبراير/شباط الماضي، عاملا رئيسا في عدم جدية المصريين في التعامل مع الوباء.

وتعود الزيادة الملفتة في عدد المصريين المصابين بـ"كورونا" خلال الفترة الأخيرة، إلى تدني معدلات الفحص المبكر لاكتشاف حاملي الفيروس، وعدم وجود أي مراكز خاصة مصرح لها بإجراء اختبارات "كورونا"، ما تسبب في زيادة عدد المخالطين للحالات المصابة.

كذلك أسهم الانهيار السريع في القطاع الطبي، والنقص الحاد في معدات الوقاية، وإرسالها كمساعدات إلى دول عدة، في زيادة حدة الأزمة.

وزاد من خطورة الوضع، التساهل في إجراءت الحظر، والذي ظل جزئيا، ولم يطبق بشكل كامل طوال الأزمة، إضافة إلى تسارع خطوات الحكومة نحو تطبيق خطة التعايش، في وقت تتجه فيه الإصابات إلى الذروة.

ولا يمكن بأي حال، التغاضي عن سلوكيات المواطنين كأحد عوامل انتشار المرض، مع الإصرار على إقامة عزومات رمضان، وتجمعات الأهل خلال عيد الفطر، وإقامة حفلات الخطوبة والزفاف، وتشييع الجنازات، لتصبح مصر والمصريين في مواجهة صعبة مع "كورونا"، خلال الأيام المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد