الأربعاء 3 يونيو 2020 03:31 م

يثبت دعم روسيا المتعمق لقوات الجنرال "خليفة حفتر" في ليبيا، أو ما يعرف باسم "الجيش الوطني الليبي"، أن الكرملين يرى "حفتر" حاسما لاستراتيجيته الكبرى في شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، ويمكن أن يمنح موسكو اليد العليا في تشكيل المستقبل السياسي للبلاد التي مزقتها الحرب.

ومؤخرا، نشر الجيش الأمريكي صورا تؤكد وصول أسطول من الطائرات المقاتلة الروسية إلى قاعدتين جويتين تسيطر عليهما قوات "حفتر".

وستجعل هذه الطائرات من الصعب على حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، تحقيق المزيد من المكاسب العسكرية خارج طرابلس.

ولكن ربما الأهم من ذلك، أن مشاركة روسيا المتزايدة في الحرب الأهلية في ليبيا، إلى جانب دعم تركيا المستمر لحكومة الوفاق الوطني، ستترك موسكو وأنقرة على رأس أي مفاوضات محتملة بين شرق وغرب ليبيا، ما يثير فزع الأطراف الأخرى الموجودة في أوروبا والولايات المتحدة.

وخلال الشهرين الماضيين، تكبدت قوات "حفتر" سلسلة من الخسائر الكبيرة أمام قوات الوفاق المدعومة من تركيا في غرب ليبيا.

وفي 13 أبريل/نيسان، سيطرت حكومة الوفاق الوطني على عدة مدن على طول الطريق الساحلي بين طرابلس وتونس، بما في ذلك صبراتة.

ثم انتزعت حكومة الوفاق قاعدة "الوطية" الجوية من "حفتر" في 18 مايو/أيار، وبدأت منذ ذلك الحين في الاستعداد لهجوم على بلدة ترهونة التي تسيطر عليها قوات "حفتر"، والتي تقع على بعد 65 كيلومترا جنوب شرق طرابلس.

وردا على هذه الخسائر، أعلن "الجيش الوطني الليبي" مؤخرا أنه سيسحب بعض قواته من الخطوط الأمامية لطرابلس لشن حملة جوية واسعة النطاق ضد حكومة الوفاق الوطني.

ومن المرجح أن نشر الطائرات المقاتلة الروسية يهدف إلى المساعدة في وقف الزخم الأخير لحكومة الوفاق الوطني، حتى لو لم يساعد بالضرورة "حفتر" على استعادة الأراضي المفقودة.

ومن المرجح أن يتم استخدام الطائرات لدعم المرتزقة الروس، الذين كانوا نشطين في القتال في غرب ليبيا، والجماعات الأخرى الموالية للجيش الوطني الليبي مع دعم جوي وثيق، خاصة لحماية خطوط الإمداد الطويلة.

وربما سيتم استخدامها أيضا، في بعض الحالات، في معركة التفوق الجوي ضد الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي التي توفرها تركيا لحكومة الوفاق.

ومع ذلك، يبدو واضحا أن هذا ليس مجرد عرض للقوة لمرة واحدة ردا على خسائر الجيش الوطني الليبي الأخيرة.

وتظهر صور الأقمار الصناعية أيضا عدة طائرات شحن روسية الصنع في قاعدتي "الجفرة" و"القديم" الجويتين في ليبيا، وهو ما قد يوفر معدات وإمدادات إضافية لدعم الانتشار على المدى الطويل.

ويمكن للوجود الروسي الأكثر ديمومة في وسط وشرق ليبيا أن يساعد في تغيير حسابات حلفاء تركيا في طرابلس، وكذلك مدينة مصراتة الشمالية الغربية.

وتقوم مصراتة والقوات الموالية لحكومة الوفاق بعمليات تستهدف خطوط إمداد قوات "حفتر" بين طرابلس وترهونة.

ويمكن لزيادة التدخل الروسي المباشر أن يكون قوة ردع لإبقاء حكومة الوفاق الوطني ومصراتة على مسافة بعيدة من قاعدة الجفرة الجوية، وكذلك قوات "حفتر" في وسط ليبيا.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت روسيا تنوي أن يكون لها انتشار شبه مستمر في ليبيا كما هو الحال في سوريا.

ويشير هذا الانتشار إلى أن نية روسيا في ليبيا ستكون السماح لقوات "حفتر" بالتقدم تدريجيا في غرب ليبيا، أثناء إجراء عمليات دقيقة تهدف إلى تحطيم دفاعات حكومة الوفاق الوطني.

وسيكون هذا مشابها لاستراتيجية موسكو في سوريا، حيث سببت القوات الروسية استنزافا مستمرا للمعارضة، ما منح نظام "بشار الأسد" تقدما تدريجيا. وسوف يترتب على ذلك زيادة في عمليات نقل ناقلات الجنود المدرعة وغيرها من المعدات.

لكن هناك اختلافات ملحوظة بين انخراط روسيا بشكل مباشر في ليبيا مقارنة بسوريا.

وعلى عكس المتمردين السوريين، تتمتع قوات حكومة الوفاق الوطني بقدرات دفاع جوي كبيرة وقوة جوية عاملة أثبتت فعاليتها بالفعل ضد أنظمة الدفاع الجوي التي بنتها روسيا.

علاوة على ذلك، فإن أكبر عائق أمام الجيش الوطني الليبي في هجومه على طرابلس لم يكن بالضرورة القدرات الجوية، بل بالأحرى قواته البرية.

وبالتالي، فإن شن هجوم ناجح على طرابلس يتطلب دعما روسيا إضافيا لقوات "حفتر" البرية، بالإضافة إلى قواته الجوية.

ومن خلال زيادة اعتماد "حفتر" على الدعم الروسي، فإن مشاركة موسكو المباشرة والعلنية في ليبيا يمكن أن تمنحها كلمة أكبر في محادثات السلام المحتملة.

ورسميا، ما زالت وزارة الخارجية الروسية تطالب بوقف إطلاق النار في ليبيا.

وفي يناير/كانون الثاني، توسطت موسكو وتركيا أيضا في وقف إطلاق النار المؤقت الفاشل بين قوات "حفتر" وحكومة الوفاق الوطني.

وسوف يثير دعم روسيا لزعيم ليبي يمكن أن يصبح حليفا لها في نهاية المطاف مخاوف الغرب بشأن نوايا موسكو في شمال أفريقيا.

وفي الواقع، كجزء من جهود موسكو لبناء وجود بحري خارج البحر الأسود، أشار الاستراتيجيون العسكريون الروس منذ فترة طويلة إلى موانئ ليبيا في طبرق ودرنة باعتبارها بدائل محتملة مثالية أو تكميلية للمنشآت البحرية الروسية في سوريا.

ومع ذلك، هيمنت الدول الغربية على النفوذ الخارجي في شمال أفريقيا في فترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ولا سيما فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة.

وبالتالي، فإن بعض المسؤولين الأمريكيين والاتحاد الأوروبي ينظرون إلى جهود روسيا المتعمقة لإقامة وجود شبه دائم في ليبيا، باعتبارها تهديد.

ومع ذلك، لا يزال من غير المحتمل أن يتحدى الغرب تدخل روسيا المتزايد في ليبيا فيما يتجاوز التصريحات الخطابية.

وفي أوروبا، دعمت فرنسا "حفتر" لأعوام، وربما كانت تعمل جنبا إلى جنب مع روسيا في ليبيا.

وتذبذبت الحكومة الإيطالية بين التفاوض وعدم التفاوض مع "حفتر"، ولكن من غير المحتمل أن تتورط عسكريا في الحرب الأهلية في ليبيا إلى حد كبير.

وفي حين أن الوجود الروسي في ليبيا أثار مخاوف قيادة للجيش الأمريكي في أفريقيا، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إدارة الرئيس "دونالد ترامب" تشاركها نفس المخاوف.

ودعم البيت الأبيض في البداية هجوم "الجيش الوطني الليبي" في طرابلس، ولم يبد اهتماما كبيرا بالتورط في صراع يجلب له انتقادات المشرعين الأمريكيين.

على أقل تقدير، فإن المشاركة الروسية ستجعل المسرح الليبي تحت هيمنة روسيا وتركيا عبر دعمهما للأطراف المتنافسة داخل البلاد.

ويعني هذا أن أي مسار نحو المفاوضات السياسية في البلاد سوف يتطلب الدعم الروسي والتركي ليتحقق.

ولن تكون الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية سعيدة بهذا التطور، ولكن طرد روسيا وتركيا من ليبيا يعج بالعقبات السياسية والعسكرية.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد