الجمعة 5 يونيو 2020 06:05 م

لم يتم قتل مواطن أمريكي واحد على أرض الولايات المتحدة على يد عضو في منظمة إرهابية أجنبية منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي خلفت أكثر من 3 آلاف قتيل، وأثارت بداية ما يعرف بـ "الحرب الأمريكية على الإرهاب"، التي امتدت لعقدين من الزمن حتى الآن.

وتفاخر الرئيسان "باراك أوباما" ثم "دونالد ترامب" بأنهما نجحا في الحفاظ على المواطنين الأمريكيين في مأمن من الهجمات المنظمة والمنسقة من قبل المنظمات الإرهابية الأجنبية.

ومع ذلك، اختتم مكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبوع الماضي تحقيقه بأن الملازم في القوات الجوية السعودية، البالغ من العمر 21 عاما، "محمد سعيد الشمراني"، الذي قتل 3 من البحارة الأمريكيين وأصاب 8 آخرين، في محطة جوية بحرية في "بنساكولا" بولاية فلوريدا، في 6 ديسمبر/كانون الأول 2019، عضو نشط في تنظيم "القاعدة".

وفي 18 مايو/أيار، قال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي "كريستوفر راي": "تظهر الأدلة التي تمكنا من استخلاصها من أجهزة القاتل أن هجوم بنساكولا كان في الواقع تتويجا وحشيا لأعوام من التخطيط والإعداد من قبل عضو قديم في القاعدة في شبه الجزيرة العربية". وتجدر الإشارة إلى أن تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية هي واحدة من أكثر فروع التنظيم فتكا ونشاطا.

وتوصل مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى هذا الاستنتاج بعد اختراق ناجح لتشفير جهاز "آيفون" الخاص بالقاتل.

ووصف "راي" التخطيط بأنه "دقيق"، مضيفا: "لدينا الآن صورة لم تكن لدينا قبل أن نحصل على هذا الدليل".

لكن ما لدينا الآن أيضا هو صورة أوضح كثيرا لمدى عدم اتساق وتناقض ونفاق إدارة "ترامب" وخطاب وسياسة الحزب الجمهوري فيما يتعلق بتهديد الإرهاب؛ فبعد كشف مكتب التحقيقات الفيدرالي، لم يخرج أي عنوان أو تعليق أو تغريدة من الرئيس أو المشرعين الجمهوريين.

وعندما تم قتل 4 دبلوماسيين أمريكيين في منشأتين تابعتين للحكومة الأمريكية في ليبيا عام 2012، على أيدي مسلحين ينتمون إلى تنظيم "أنصار الشريعة"، أمضى أعضاء الحزب الجمهوري الأعوام الـ 4 التالية في التحدث فقط عن "بنغازي"، حيث تركزت عشرات جلسات الكونجرس، مع مقابلة أكثر من 80 شاهدا، كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من 7 ملايين دولار، مع إصدار وثيقة من 800 صفحة توضح في نهاية المطاف هدف تحقيقاتهم، وهو التأكيد على أن وزيرة الخارجية "هيلاري كلينتون" ارتكبت أخطاء هناك.

ولكن عندما يتم قتل 3 أمريكيين في منازلهم خلال وقت السلم، في أول هجوم ناجح لتنظيم "القاعدة" على الأراضي الأمريكية منذ 11 سبتمبر/أيلول، يبقى كل من البيت الأبيض والجمهوريين في مجلس الشيوخ صامتين بشكل واضح، ويتظاهرون كما لو أن الهجوم عام 2019 على المحطة البحرية في بنساكولا لم يحدث قط، ما يوحي بأن "اليمين" لا يهتم بضحايا الإرهاب الدولي الأمريكيين إلا عندما يمكن استخدام القصة كسلاح ضد خصومهم السياسيين في الحزب الديمقراطي.

ولم تكن إدارة "ترامب" والحزب الجمهوري أقل اهتماما بالتحقيق في كيفية تمكن مواطن سعودي متشدد من دخول البلاد إلى جانب ما يقرب من 800 فرد عسكري سعودي آخر بتأشيرة تدريب عسكري "A-2"، الأمر الذي يسخر من جهودهم المفترضة في محاربة الإرهاب المزعوم من خلال حظر المهاجرين المسلمين من دول محددة ذات أغلبية مسلمة، في نفس الوقت الذي تم فيه استثناء السعودية.

وليس سرا أن السعودية هي واحدة من أكبر الجهات المفيدة لـ "ترامب". ويتباهى الأخير علانية بمدى استثمار ملوك المملكة في عقاراته، ونعلم أنهم ينفقون مئات الآلاف من الدولارات كل شهر في فنادقه وممتلكاته الأخرى.

وفي المقابل، يمنح "ترامب" صفقات الأسلحة القياسية للمملكة، ويساعد على استمرار حربها في اليمن من خلال عرقلة الجهود لإنهاء تورط الولايات المتحدة في الصراع المستمر منذ 5 أعوام. كما ساعد في التستر على مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي".

كما جعلت إدارة "ترامب" السعودية استثناء ملحوظا من قائمة الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تم منع مواطنيها من دخول الولايات المتحدة.

وجدير بالذكر أن 15 من بين الخاطفين الـ 19 في 11 سبتمبر/أيلول 2001 كانوا مواطنين سعوديين، ولم يُقتل مواطن أمريكي واحد على يد مواطن من أي من الدول المدرجة في الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة من 1975 إلى 2015.

وتصف منظمة العفو الدولية حظر "ترامب" بأنه "ترخيص للتمييز"، وأنه إجراء تمييزي متنكر في صورة إجراء للأمن القومي، مضيفة أنه "يظلم الضعفاء الذين فروا من التعذيب وأمراء الحرب والديكتاتوريين، وكذلك أولئك الذين يريدون ببساطة أن يكونوا مع عائلاتهم".

ومما يضاعف من الازدواجية في خطاب إدارة "ترامب" ونفاقها بشأن مكافحة الإرهاب؛ حقيقة أنها ترفض الاعتراف حتى بما أصبح "أزمة إرهاب محلية قومية بيضاء"، مع مسؤولية الجماعات والأفراد اليمينيين عن كل هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية منذ نهاية عام 2017، وبالطبع باستثناء الهجوم على المحطة البحرية في بينساكولا.

وفي وقت سابق من هذا العام، وصف مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، الذي عينه "ترامب"، الإرهابيين اليمينيين بأنهم "أولوية في قائمة التهديدات القومية"، ولكن لم ينف الرئيس أن البلاد تواجه تهديدا إرهابيا يمينيا متزايدا فحسب، بل أعاد أيضا توجيه الموارد من مواجهة اليمين المتطرف الذي عزز العنصرية والإرهاب، ووجه 85% من أموال "مكافحة التطرف" للجهود التي تستهدف صراحة المسلمين وغيرهم من الأقليات.

ومن الواضح أن الإرهاب لا يمثل مصدر قلق لـ "ترامب" والحزب الجمهوري إلا إذا كان يهدد بقاءهم السياسي أو يمكن استخدامه ضد خصومهم السياسيين المباشرين، وهو بمثابة تذكير آخر بمدى المبالغة والنفاق في الحديث عن "الإرهاب الإسلامي"؛ فقد اختفى هذا الإرهاب خلال الأعوام التي لم يحتل فيها الجمهوريون البيت الأبيض.

المصدر | سي جيه وارلمان/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد