السبت 6 يونيو 2020 02:52 م

للعام الثالث على التوالي، يستمر الحصار المفروض على قطر، الذي بات معروفا بـ "الأزمة الخليجية"، دون حلول في الأفق.

وأثبتت محاولات مختلفة للتوسط في الأزمة، التي بدأت في 5 يونيو/حزيران 2017، عدم جدواها. وأصبح مجلس التعاون الخليجي قريب الشبه بـ"الزومبي"، أي لا هو ميت ولا هو حي. ويتأرجح اهتمام واشنطن بين الأعمال العدائية مع إيران والتخلي عن المنطقة بأكملها.

وعانت دول مجلس التعاون الخليجي من ضربة مزدوجة بسبب انخفاض أسعار النفط والآثار الاقتصادية لجائحة كورونا. وبالرغم من هذه التحديات، يستمر الحصار مما يخيب آمال الذين اعتقدوا أن الأحداث الحالية، التي أطلق عليها البعض "البجعة السوداء"، ستدفع الأطراف المتناحرة إلى حل الأزمة.

2017.. الأزمة تتكشف

كانت أزمة الخليج قد فاجأت القطريين ومؤسسة الأمن القومي في واشنطن على حين غرة. وبدأت الشرارة الأولى في 28 مايو/أيار 2017، بنقل مفبرك عن وكالة الأنباء القطرية تضمن تحذيرا من الأمير "تميم بن حمد آل ثاني" من المواجهة مع إيران وإشادة بحركة المقاومة الفلسطينية "حماس" و"حزب الله" الحليف الشيعي اللبناني لإيران.

ودون سابق إنذار أو تشاور مع الولايات المتحدة أو أي حليف آخر، قطعت البحرين العلاقات الدبلوماسية مع قطر في وقت مبكر من يوم 5 يونيو/حزيران. وتبعها على فترات زمنية متقاربة السعودية والإمارات ومصر وجزر المالديف واليمن، و"حفتر" في ليبيا.

وخلال الساعات القليلة التالية، قطعت هذه الدول جميع خطوط النقل وأغلقت مجالها الجوي أمام الخطوط الجوية القطرية أو أي رحلات أخرى متوجهة إلى قطر.

وأوقفت البنوك في الإمارات والسعودية والبحرين المعاملات القطرية. وفي غضون بضع ساعات أخرى، بدأت الدول المجاورة في ترحيل المواطنين القطريين، الأمر الذي مزق عائلات وأبعد أطفالا عن أحضان أمهاتهم القطريات.

بل قامت تلك الدول بترحيل قطيع من الإبل كانت تحمل العلامة القطرية. وفي 6 يونيو/حزيران، غرد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" برسالة تهنئة لدول الحصار، وهاجم قطر بصفتها "الراعي الرئيسي للإرهاب".

وبحلول نهاية ذلك الأسبوع، خلصت القيادة في واشنطن إلى أن قطر ستركع وتستسلم لمطالب جيرانها، بالرغم من أنه لم يكن أحد يعرف بالضبط ما هي تلك المطالب.

ولم ينجح الأمر بهذه الطريقة. ويبدو أن أحدا لم يخبر "ترامب" بأن قطر تستضيف أهم المنشآت العسكرية الأمريكية، بما في ذلك قاعدة "العديد" الجوية، المقر الأمامي للقيادة المركزية.

وتدخل "تيلرسون" و"ماتيس"، وزيرا الخارجية والدفاع آنذاك، للتضامن مع قطر، وهو إجراء ربما كلف "تيلرسون" وظيفته، حيث حذر الجيران من أي تحركات هجومية.

وسرعان ما نشرت تركيا قوة صغيرة في قطر كرادع ضد أي هجوم. وأثار الأمر قلق إيران حول حقوقها في حقل الغاز الذي تشترك فيه مع قطر. فإذا كان لدى الجيران أي أفكار حول الغزو، فيجب عليها الاستعداد.

وفي غضون بضعة أسابيع، ظهرت أدلة على كيف قامت دول الحصار بتخطيط وتنفيذ حملة لتحويل قطر إلى مجرد إقطاعية تابعة، كما حدث مع البحرين قبل بضعة أعوام.

واكتشف المحققون أنه تم اختراق وكالة الأنباء القطرية وفبركة تعليقات الأمير. وطالب وزير الخارجية "تيلرسون" بأن توضح دول الحصار مطالبها لقطر.

وبسبب هذا الضغط الأمريكي، تخبطت دول الحصار. وفي 23 يونيو/حزيران، أصدرت قائمة تحذيرية من 13 نقطة جعلت الإنذار النمساوي المجري لعام 1914 إلى صربيا يبدو وكأنه عرض سلام.

وعند هذه النقطة، قرر الرئيس "ترامب" أنه لا يريد أي دور آخر في هذه الدراما يكفل فيه تحركات الرياض وأبوظبي.

قطر الجديدة

وبعد الصدمة الأولية، فاجأت قطر المراقبين بالتحرك بشكل فعال وسريع لإعادة ترتيب الخدمات اللوجستية والمالية ووسائل النقل.

واستخدمت الدوحة ميناء صحار العُماني بدلا من ميناء جبل علي بدبي كمركز للشحن العابر لقطر، ما أدى إلى إحداث فجوة كبيرة في اقتصاد دبي.

وتدخلت تركيا وإيران ودول المنطقة الأخرى لإعادة تجهيز المتاجر القطرية الكبرى. واستورد رجال الأعمال القطريون الآلاف من الأبقار لإنشاء مزارع الألبان، وتحول آخرون إلى الزراعة.

وقامت الخطوط الجوية القطرية وشركات الطيران الأخرى بإعادة توجيه جميع رحلاتها من وإلى قطر عبر المجال الجوي الإيراني. وفي غضون أسابيع قليلة، استقر اقتصاد البلاد.

وعلى نفس القدر من الأهمية، احتشد سكان قطر حول الأمير والحكومة.

والمفاجأة التي أسعدت قطر أنه حتى المغتربين في الدولة انضموا إلى دعاية الدولة الحماسية الوطنية. وفي غضون بضعة أشهر، ظهرت قطر جديدة ذات إحساس أقوى بكثير بالهوية الوطنية، حتى إن تحديها شبه الجنوني لجيرانها من دول الحصار زاد الثقة بالنفس في البلاد.

ومنذ الأزمة، تم إصلاح نظام الكفالة، وتم اتخاذ تدابير لمنح مكانة دائمة للمقيمين لفترة طويلة. وبالرغم من أنه لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به، خاصة من حيث التنفيذ، إلا أن إصلاحات قطر وضعت خصومها الإقليميين في موقف دفاعي.

ولمواجهة مزاعم "اللجنة الرباعية" بتمويل الإرهاب، تحركت قطر بسرعة لتوطيد العلاقات الأمنية القوية مع الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب.

ووقعت الدوحة على اتفاقية لمكافحة غسل الأموال، وفتحت دفاترها لوزارة الخزانة الأمريكية. وبدأت الدوحة مشاورات أمنية نصف سنوية مع الولايات المتحدة، وحصلت على حصة أكبر من التكاليف في قاعدة "العديد" الجوية.

وأخيرا، قررت قطر التنافس مع خصومها على مشتريات الدفاع الكبيرة من الولايات المتحدة، وهو تكتيك يحظى دائما بالرضا في البيت الأبيض الحالي.

وفي إجراء جيد، وقعت الدوحة أيضا عقود شراء دفاعية كبيرة مع دول أوروبية، في حين أن جيرانها يشترون بالفعل معدات عسكرية أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وبالتالي لم يكن لديهم مجال كبير للتوسع.

جهود الوساطة والوضع الطبيعي الجديد

وتحركت الكويت، القوة الدافعة وراء إنشاء مجلس التعاون الخليجي، أولا وبسرعة للتوسط في الأزمة. وقد تم رفض جهودها الأولية من قبل السعودية.

وعلى مدى الأعوام الـ 3 التالية، ظلت الكويت مصممة على حل الأزمة، التي تخشى أن تقوض سبب وجود مجلس التعاون الخليجي.

وذهبت الجهود الكويتية العديدة في الوساطة المباشرة أو من خلال مكاتب مجلس التعاون الخليجي دون جدوى.

ومنذ عام 2018، أشارت السعودية من حين لآخر إلى رغبتها في إلغاء الحصار، لكنها لم تتحرك عندما دعت اللحظة.

وظلت أبوظبي في منافستها مع الدوحة بلا هوادة. ومما لا شك فيه أن جذور الأزمة تكمن عميقا في الخلافات التي استمرت قرونا بين المجالس الحاكمة لأبطال الحكم الـ4 الرئيسيين.

وكان نفس الجيران الذين فرضوا الحصار قد سهلوا محاولة انقلاب في عام 1996، قبل أن تصبح قناة "الجزيرة" اسما معروفا بوقت طويل.

وقامت الولايات المتحدة بعدة محاولات فاشلة لحل النزاع، بما في ذلك إرسال مبعوثين خاصين. وسرعان ما أصبح واضحا أن الولايات المتحدة لم يكن لديها اهتمام كبير بتخصيص الموارد الدبلوماسية اللازمة لحل الأزمة بما يتجاوز تأمين مصالحها العسكرية والأمنية المباشرة.

واستوعبت القوى الكبرى الأخرى مثل روسيا والصين والهند ودول أوروبية متنوعة الوضع الجديد.

ولا يبدو "الوضع الجديد" مستقرا بطبيعته. وأعلنت السعودية والإمارات في البداية عن محور جديد داخل مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لإجبار الدول المتبقية للانضمام إلى خطواتهما. ومع ذلك، فشلت محاولاتها لحث عُمان على التماشي مع سياساتها، والآن دخلت الرياض وأبوظبي نزاعا على مستقبل اليمن.

وأبدت جميع عواصم الخليج درجات متفاوتة من القلق بشأن السياسة الأمريكية المتشعبة التي تبدو عازمة على إثارة إيران وجرها إلى مواجهة مسلحة، بينما تبين لدول الخليج أن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة في الدفاع عنها ضد إيران.

وبالإضافة إلى ذلك، تواصل إدارة "ترامب" الإشارة إلى أنها تريد الخروج من المنطقة، بغض النظر عن أي شيء.

وكان الكثيرون يعتقدون أن الأزمة ستستمر حتى يحدث بعض التطور الخارجي المهدّد، أو ما تم تسميته بـ"البجعة السوداء"، أي صدمة خارجية كبيرة توفر فرصة لحفظ ماء الوجه لتجاوز العداء.

ومن الصعب أن نتخيل أي خوف أكبر من الوباء الذي أسقط الاقتصاد العالمي وأدى إلى انخفاض أسعار النفط إلى حد جعل الميزانيات الوطنية في خطر شديد للمرة الأولى خلال جيلين.

لم تثبت دول مجلس التعاون الخليجي أنها تستطيع تنويع اقتصاداتها بشكل هادف بعيدا عن الاعتماد شبه الكامل على الهيدروكربونات. وفي الواقع، يجب أن تقلق دول الخليج كثيرا بشأن أهميتها للولايات المتحدة والعالم. وخاصة أن التكنولوجيا الأمريكية مكّنت البلاد من الاكتفاء ذاتيا من النفط والغاز.

وإذا تراجعت الإدارة الأمريكية المقبلة عن انسحاب "ترامب" من خطة العمل الشاملة المشتركة، وقللت التوترات مع إيران، وقررت أن استمرار الانسحاب من المنطقة سيرضي الناخبين الأمريكيين الذين ضجروا من الحرب، فسيترك ذلك سفينة دول الخليج في بحر عاصف دون شراع.

وإذا كان هناك وقت مناسب لأن تتراجع الأطراف المتناحرة عن النزاع، والوصول إلى المصالحة، فهذا هو الوقت الأنسب. لكن بدلا من ذلك، نجد الخلافات العائلية القديمة تسود على المصلحة الذاتية.

المصدر | باتريك ثيروس - منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد