تقول حكمة قديمة إن أفضل القادة هم أولئك الذين لا يطلبون القيادة، ولو طبقنا هذا المنطق على "محمد باقر قاليباف"، البالغ من العمر 58 عامًا، والذي أصبح رئيسًا جديدًا للبرلمان الإيراني في 28 مايو/أيار الماضي، فإنه سيعتبر غير مؤهل بدرجة كبيرة، حيث لم يخف العسكري والسياسي طموحاته للسلطة على الإطلاق.

ويأتي صعود "قاليباف" إلى أعلى منصب تشريعي في البلاد بعد 3 ترشيحات فاشلة للرئاسة في الأعوام 2005 و2013 و2017.

سلطة كبيرة

في الهياكل المعقدة للجمهورية الإسلامية، تُمنح الغالبية العظمى من السلطة دستوريًا للمرشد الأعلى للبلاد، وهو حاليًا "علي خامنئي"، وهو أيضًا القائد الأعلى الذي يدقق موظفوه في المرشحين لجميع الانتخابات باستثناء تلك الخاصة بالمجالس المحلية.

لكن الرجال الثلاثة الذين يرأسون الفروع التشريعية والقضائية والتنفيذية للحكومة ما زالوا يتمتعون بسلطة كبيرة، فرئيس البرلمان شخصية سياسية رئيسية يتحكم في ميزانيته ومؤسساته وله ملفه الدبلوماسي الخاص.

من المتوقع أن يستخدم "قاليباف" المراوغ منصبه بشكل أكثر قوة من أسلافه، ويقود انتقالًا بعيدًا عن رئاسة "حسن روحاني" الفاشلة لينتقل إلى حقبة محافظة جديدة للجمهورية الإسلامية يهيمن عليها الأصوليون.

لم يكن لصعود "قاليباف" إلى السلطة شرعية ديمقراطية تذكر، فقد تم اختياره من قبل 230 من أصل 290 عضوًا في البرلمان -معظمهم من المحافظين- في أقل الانتخابات تنافسية في إيران منذ سنوات، مع نسبة إقبال منخفضة للغاية بلغت 42.57%، وهو أدنى مستوى منذ عام 1979، وكانت الأغلبية المحافظة في البرلمان مضمونة قبل إجراء التصويت، للمرة الأولى منذ فترة طويلة.

مع صعود "قاليباف"، أشار العديد من الإيرانيين إلى المفارقة المريرة التي تتجلى في أن الخاسرين الكبيرين في الانتخابات الرئاسية 2017، "قاليباف" ورجل الدين "إبراهيم رئيسي" -الذي عينه "خامنئي" لرئاسة السلطة القضائية في عام 2019- يرأسان الآن فرعين قويين في الحكومة.

ويقول الكثيرون الآن مازحين إن خسارة الانتخابات كانت أسرع طريقة للوصول إلى القمة في الجمهورية الإسلامية.

الجندي الثوري يتحول إلى تكنوقراط

تكتسب القوة العسكرية والاقتصادية للحرس الثوري مسحة أسطورية في تحليلات مراقبي الشأن الإيراني، لكن ما يغفله كثير من المراقبين غالبًا هو حقيقة ندرة وجود قادة الحرس الثوري في المناصب السياسية الرئيسية.

عزز الحرس الثوري الإيراني نفسه كجيش ثوري متعصب طوال السنوات الطويلة للحرب الدموية التي دارت بين عامي 1980 و1988 مع العراق أيام "صدام حسين".

بعد ذلك شهدت إيران بعد الحرب فترة إعادة الإعمار في عهد الرئيس "أكبر هاشمي رفسنجاني" والفترة الإصلاحية التي هزت إيران بعد الانتخابات التي قادها الشباب عام 1997 بأغلبية ساحقة للرئيس "محمد خاتمي".

غالبًا ما كان قادة الحرس الثوري الإسلامي في زمن الحرب يعتبرون أنفسهم خاسرين سياسيين في هذه السنوات، وتجلى سوء الحظ السياسي هذا في مسيرة "محسن رضائي"، قائد الحرس الثوري الإيراني من 1981 إلى 1997، فهو لم يخسر فقط جميع ترشيحاته للرئاسة في 2005 و2009 و2013، بل إنه لم يستطع حتى الفوز بمقعد واحد في البرلمان في عام 1999.

وبما أن إيران الموالية للإصلاح بعد عام 1997 بدا كأنها تركت قادة الحرب وراءها، فقد أصبح لديهم ضغينة ونوع من السياسات الرجعية مثل تلك الموجودة لدى المحاربين القدماء فيما بعد حقبة حرب فيتنام في الولايات المتحدة.

ينتمي "قاليباف" إلى الجيل نفسه من قدامى المحاربين في الحرس الثوري، وقد تجلت ضغينته بأوضح ما يكون في نقاش رئاسي في عام 2013، عندما أخبر زميله المرشح المحافظ "علي أكبر ولايتي"، وزير الخارجية الإيراني خلال سنوات الحرب: "عندما كنت تتناول القهوة مع الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران في باريس، كنا نحن نُضرَب بصواريخه على جبهات القتال".

ولد "قاليباف" في عام 1961، وانضم إلى الحرس الثوري الإيراني في عام 1980 في بداية الحرب مع العراق، وهو واحد من العديدين الذين ترقوا في رتبتهم بينما كانوا يقضون عشرينيات عمرهم على جبهة القتال.

أصبح "قاليباف" قائد لواء في 1982 وقائد كتيبة بعد ذلك بعام، وكانت كتيبته تتألف من شباب من محافظة مسقط رأسه خراسان، تمامًا كما تألفت كتيبة زميله القائد "قاسم سليماني" من منطقته كرمان.

كان الرجلان رفيقين مقربين، وفي عام 1999، شاركا في توقيع رسالة إلى الرئيس "خاتمي" يطلبان منه فيها اتخاذ إجراءات صارمة ضد احتجاجات الطلاب المؤيدين للديمقراطية قبل أن "يفقد القادة صبرهم".

تفاخر "قاليباف" فيما بعد بضرب الطلاب في الشوارع، وفي عام 2006، شوهد الاثنان يتعانقان وينتحبان في جنازة "أحمد كاظمي"، الذي كان قائدًا آخر في الحرس الثوري الإيراني في زمن الحرب.

ولكن، بينما ظل "سليماني" في الحرس الثوري الإيراني حتى اغتياله من قبل الولايات المتحدة في يناير/كانون الثاني الماضي، أمضى "قاليباف" عقدين في ريادة السياسة.

فقد مضى "قاليباف" ليحصل على ماجستير ودرجة الدكتوراه في الجغرافيا السياسية من أفضل جامعتين في إيران وهما جامعة طهران وجامعة "تربيات موداريس" (يواصل عمله كعضو هيئة تدريس في كلا المكانين).

وبعد توليه مهام رئيس فرع الهندسة العملاق للحرس الثوري الإيراني (1994-1997) ورئيس قواته الجوية (1997-2000)، أصبح "قاليباف" قائدًا للشرطة الوطنية في عام 2000.

وفي ذروة السنوات الإصلاحية، عندما كانت إيران تشهد انفتاحًا غير مسبوق، استخدم "قاليباف" الشرطة ضد الطلاب والمثقفين المؤيدين للديمقراطية.

وفي عام 2005، كانت هناك توقعات أن يصبح "قاليباف" الرئيس المحافظ الذي يخلف "خاتمي" لكنه خسر بشكل غير متوقع أمام شاب مستقل غير معروف جيدًا، هو "محمود أحمدي نجاد".

في عصر الإصلاح؛ حاول "قاليباف" أن ينأى بنفسه عن الصورة العسكرية الفظة المرتبطة بقادة الحرس الثوري الإيراني، وقارن نفسه بـ"رضا شاه"، الملك الاستبدادي ذي الشعبية الذي أسس سلالة "بهلوي" في عام 1925، كما تفاخر بمهاراته كطيار قاد طائرات "إيرباص".

وفي إعلان تم الاستهزاء به كثيرًا؛ ارتدى زي طيار على النمط الغربي بدلاً من الكاكي الخاص بالحرس الثوري الإيراني، ومن المفارقات أن ذلك كان له نتائج عكسية، حيث لم يقتنع الإصلاحيون بالتصويت له، كما خسر المحافظين لصالح "أحمدي نجاد".

تولى "قاليباف" منصب عمدة العاصمة طهران بعد "أحمدي نجاد"، وهو المنصب الذي احتفظ به "قاليباف" لمدة 12 عامًا حتى استقال في عام 2017 لتنظيم حملة رئاسية أخرى غير ناجحة.

أظهر "قاليباف" في جميع المناصب التي شغلها بعد الحرب ميولاً لأسلوب معين من الحكم التكنوقراطي الاستبدادي، وجلب عهده القمعي في رئاسة الشرطة أيضًا نظام اتصال بالهاتف أكثر احترافية على غرار 911، والمعروف برقم 110 في إيران.

اشتهرت سنواته في منصب العمدة بالفساد ولكنه قاد أيضًا تحديث البنية التحتية لطهران من خلال بناء الطرق السريعة والأنفاق ونظام طرق حافلات نال الاستحسان.

ويقول أحد المقربين من "قاليباف": "إنه يتكلم كما يجب تمامًا عن الثورة، لكنه في القلب رجل عسكري يحب بناء الأشياء ولا يهتم كثيرًا بالإيديولوجية. على سبيل المثال، إنه مهتم جدًا بكيفية قيادة الجيش الإسرائيلي لمشاريع البناء هناك، ودرس بعض خططهم عن كثب".

المرحلة الثانية من الثورة

في كلمته الافتتاحية في 31 مايو/أيار الماضي، أوضح "قاليباف" نيته إدارة برلمان يتماشى مع "المرحلة الثانية" التي يريدها "خامنئي" من الثورة.

وكما أعلن القائد في عام 2019، فإن هذه المرحلة سيقودها "ثوار شباب ومتدينون"؛ أي جيل جديد من القيادة المتشددة.

بدأ "قاليباف" بالادعاء بأن الثورة الإسلامية في إيران هي الآن "أهم نموذج منافس في مواجهة النظام الرأسمالي العالمي"، وتابع التأكيد على سياسة خارجية متشددة تشمل "دعم حزب الله اللبناني وحماس والجهاد الإسلامي والشعب المضطهد في اليمن والشعب العراقي والحكومة والقيادة الدينية الشيعية".

ورفض "أي تفاوض أو تسوية مع الولايات المتحدة، مركز الغطرسة العالمية"، ووصفها بأنها "غير مثمرة وضارة".

وقال "قاليباف": "استراتيجيتنا في مكافحة الإرهاب الأمريكي هي استكمال سلسلة الانتقام لدم الشهيد سليماني. ما بدأناه بهجومنا على قاعدة الأسد سينتهي بالطرد الكامل للجيش الأمريكي الإرهابي من المنطقة".

في حين يظهر هذا عزمًا على الاستمرارية في السياسة الخارجية، لكن سلوك إيران الفعلي لم يقتصر أبدًا على الكلمات الصاخبة في الخطابات، ولكنه غالبًا ما تضمن صفقات داهية في الغرف الخلفية، وميل "قاليباف" التكنوقراطي يعني أنه سيكون أكثر انفتاحًا على مثل هذه الأعمال، خاصةً إذا كان سيتولى المزيد من السلطة في السنوات القادمة.

في الخطاب الأول، أوضح "قاليباف" أيضًا رغبته في "اقتصاد قائم على الناس" وهو تعبير يستخدمه النظام للدلالة على استمرار سياسة الخصخصة الرأسمالية المدعومة من "خامنئي"، وأكد أنه يجب أن يكون للحكومة دور هامشي فقط في مثل هذا الاقتصاد.

يرغب هذا الرجل العسكري التكنوقراط في لعب دور رئيسي في الفصل التالي من تاريخ إيران.

ولكن السخط الجماهيري، والاقتصاد الفاشل بشكل بائس، والسياسة الأمريكية المعادية، ستضع "قاليباف" والرئيس القادم الذي سيكون محافظًا أيضًا غالًبا، بمواجهة أيام صعبة.

المصدر | أراش عزيزي | أتلانتيك كاونسيل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد