الأربعاء 10 يونيو 2020 05:49 ص

إن الانتعاش الاقتصادي بعد عقود من سوء الحكم الاستبدادي أمر بالغ الأهمية للحكومة الانتقالية السودانية لإرساء الشرعية والتغلب على التهديدات المستمرة من القوى الرجعية.

لكن الولايات المتحدة ما زالت تعاقب البلاد بشكل فعال على خطايا الديكتاتورية التي أطاح بها الشعب السوداني العام الماضي.

نجحت الثورة غير العنيفة المؤيدة للديمقراطية العام الماضي في السودان، وأسقطت دكتاتورية "عمر البشير" الوحشية التي استمرت 30 عامًا.

منذ أغسطس/آب 2019، يحكم السودان مجلس سيادة يتألف من 6 مدنيين و5 عسكريين، إلى جانب حكومة مدنية من التكنوقراط المدنيين الليبراليين برئاسة رئيس الوزراء "حمدوك"، وهو اقتصادي سابق لدى الأمم المتحدة.

من المقرر إجراء الانتخابات في عام 2022 لإعطاء الوقت للمجتمع المدني، الذي تدمر في ظل نظام "البشير"، للظهور مرة أخرى، تمت استعادة حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، وغيرها من الحقوق.

لكي تنجح الثورة الديمقراطية يجب أن تتمتع الحكومة التي يقودها المدنيون بالشرعية في نظر عدد كافٍ من السودانيين.

لقد ثار الشعب السوداني مرتين من قبل، في عام 1964، ثم مرة أخرى في عام 1985، بتمرد مدني غير مسلح أطاح بالديكتاتوريات وأسس للحكم الديمقراطي فقط ليعود الجيش مرة أخرى إلى السلطة بعد ذلك بعدة سنوات.

ويعتقد قلة من الناس أن الجيش لن يحاول مرة أخرى، ولكي تنجح الثورة الديمقراطية، يجب أن تتمتع الحكومة التي يقودها المدنيون بشرعية كافية في أعين عدد كافٍ من السودانيين حتى يتمكن الشعب من الدفاع عنها إذا تم تهديدها.

حتى إذا كان الجيش غير قادر على الإطاحة تمامًا بالقيادة المدنية، فإن المشاكل الاقتصادية المزمنة يمكن أن تؤدي بالعناصر الاستبدادية في القوات المسلحة إلى زيادة تأكيد نفوذها داخل الائتلاف الحاكم.

سيكون العامل الحاسم هو ما إذا كانت الحكومة التي يقودها المدنيون قادرة على إنعاش الاقتصاد، الذي كان يكافح حتى قبل الوباء، مع التضخم، وضعف العملة، والديون الخارجية التي تصل لأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي السنوي للبلاد.

وأشار "جوناس هورنر"، المتخصص في شؤون السودان بمجموعة الأزمات الدولية، إلى أنه "إذا بدا المدنيون داخل الحكومة كأنهم غير قادرين على الاستجابة لمشاكل السودان العديدة، فإن ذلك يترك مساحة للاعبين الآخرين للتدفق في الفراغ".

إن أكبر عقبة أمام الانتعاش الاقتصادي في السودان هي استمرار العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي كما هو الحال بالنسبة للعقوبات الأمريكية ضد إيران، لا تؤثر فقط على التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة، ولكن من دول أخرى وكيانات متعددة الأطراف أيضًا.

بالرغم من أن السودان يقوده الآن مدنيون علمانيون يعارضون الإرهاب والتطرف السلفي بشكل حاسم، فإن واشنطن لا تزال تُدرج السودان رسميًا على أنه "دولة راعية للإرهاب".

والأكثر سخافة أن تحمل الولايات المتحدة الحكومة السودانية الانتقالية المسؤولية عن الجرائم التي ترتكبها "القاعدة"، ليس فقط عندما كان "البشير" يوفر ملاذاً للجماعة الإرهابية في السودان بين عامي 1991 و1996، ولكن بسبب الهجمات الإرهابية التي وقعت في عامي 1998 و2000 بعد طردهم.

وأشار رئيس الوزراء "حمدوك"، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف الماضي، إلى أن "الشعب السوداني لم يرع الإرهاب ولا يدعمه، بل على العكس، كانت تلك أعمال النظام السابق التي قاومها الشعب السوداني باستمرار حتى إطاحته مؤخرا، لقد تسببت هذه العقوبات في دمار لشعبنا، ما تسبب لهم في بؤس لا يوصف. نحن في الحكومة الانتقالية، ندعو الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وعدم الاستمرار في معاقبة الشعب السوداني على الأفعال التي ارتكبها ذلك النظام الوحشي، خاصة أن شعبنا كان ضحية وقاوم بشجاعة".

بالإضافة إلى حظر أي مساعدة اقتصادية، فإن إدراج السودان كدولة راعية للإرهاب يجعل الولايات المتحدة تمنع القروض وغيرها من المساعدات من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما يمنع المواطنين الأمريكيين من الدخول في معاملات مالية مع الحكومة بدون موافقة وزارة الخزانة، وهذا من بين قيود أخرى عديدة.

علاوة على ذلك، إذا كانت الدولة مدرجة في قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإنها لم تعد تتمتع بالحصانة الدبلوماسية أمام دعاوى أسر ضحايا الإرهاب الذين رفعوا دعاوى قضائية مدنية في الولايات المتحدة، حيث إن سياسة الولايات المتحدة هي أن الحكومة المدنية في السودان يجب أن تدفع مليارات الدولارات كتعويض لهذه العائلات من أجل شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب بغض النظر عن حقيقة أنها لم تعد ترعى الإرهاب.

والمفارقة بالنسبة للسودان هي أنه لا يمكن أن يكونوا محصنين من المقاضاة طالما أنهم مدرجون في القائمة، ولا يمكن إزالتهم من القائمة ما لم يدفعوا تعويضات من الدعاوى القضائية.

في خطوة نحو شطب أنفسهم من القائمة، وافقت الحكومة على دفع 30 مليون دولار أمريكي لعائلات البحارة على المدمرة "يو إس إس كول" الذين قتلوا في هجوم للقاعدة عام 2000 على المدمرة البحرية في ميناء عدن، إلى جانب الجرحى الناجين.

والأهم من ذلك، طلبت الولايات المتحدة من الحكومة التي يقودها المدنيون دفع ما يصل إلى 10.2 مليار دولار أمريكي كتعويضات وعقوبات عن قصف سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، وبالرغم من أن المفاوضات جارية ويمكن أن تخفض المبلغ الذي سيدفعه السودان بشكل كبير، لكن حكومة السودان يجب أن تدفع.

تبلغ إيرادات الميزانية المتوقعة للسودان لعام 2020 فقط 12.63 مليار دولار أمريكي، لكن الحكومة التي يقودها المدنيون ليس لديها سوى خيارات قليلة، ويصنف صندوق النقد الدولي السودان في المرتبة 14 من بين 186 دولة في العالم.

وفي الوقت نفسه، ترفض الولايات المتحدة (أغنى دولة في العالم) دفع تعويض عن الجرائم التي ارتكبتها حكومتها ضد العراق أو فيتنام أو دول أخرى، بما في ذلك نيكاراجوا، والتي حكمت محكمة العدل الدولية في عام 1986 بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى دفع تعويضات الأضرار الناجمة عن الهجمات على بنيتها التحتية المدنية.

بالرغم من الاحتياجات الماسة في الصحة والتعليم والبنية التحتية، فإن 70% من ميزانية الدولة في ظل الحكم العسكري ذهبت للقوات المسلحة، مع تراكم الاحتياجات المحلية الضخمة التي تواجهها الآن الحكومة المدنية والديون الخارجية، لا يزال السودان مطالبًا بالسداد.

من الصعب تخيل كيف يمكن للسودان أن يمنح كل هذا القدر من المال للولايات المتحدة.

إن معاقبة السودانيين على جرائم الآخرين ليست جديدة، بعد هجمات السفارة عام 1998، قصفت الولايات المتحدة مصنع أدوية كبيرًا في شمال الخرطوم، زاعمةً زورًا أنه كان مصنعًا للأسلحة الكيميائية تسيطر عليه القاعدة.

وبينما لم يُقتل أحد في الهجوم الصاروخي الليلي الدقيق، فإن تدمير المنشأة التي كان تنتج أكثر من نصف اللقاحات والمضادات الحيوية في السودان، ساهم على الأرجح في آلاف الوفيات في الأشهر اللاحقة.

ومن العوامل الحاسمة في استقرار الحكم المدني في السودان إنهاء التمردات في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان حيث يوجد الآن وقف هش لإطلاق النار ولكنه مهدد في كثير من الأحيان بالانهيار.

هناك العديد من العوامل المعقدة التي يجب العمل عليها، لكن السلام سيكلف أيضًا مئات الملايين من الدولارات من أجل تسريح وإعادة دمج المقاتلين المتمردين، وإصلاح القطاع الأمني، وتقديم الدعم الاقتصادي لهذه المناطق الفقيرة للغاية، والتي أنفق النظام العسكري السابق مبالغ ضخمة لقمعها ولكن لا شيء تقريبًا لتطويرها.

في غضون ذلك، هناك أكثر من 2 مليون نازح من هذه النزاعات بحاجة إلى المساعدة، وبحسب "مجدي الجزولي"، زميل في معهد "ريفت فالي": "الخطر الكبير هو أن السودان لا يستطيع حتى تحمل عملية سلام".

على الفور، جعلت العقوبات الأمريكية المستمرة من الصعب على السودانيين محاربة فيروس "كورونا"، وفي أبريل/نيسان، وافق البنك الدولي على صندوق طوارئ بقيمة 1.9 مليون دولار أمريكي لـ25 مقاطعة نامية إلى جانب خطط لإنفاق ما يصل إلى 160 مليار دولار أمريكي حتى منتصف عام 2021 لمكافحة الوباء.

ومع ذلك، فإن سياسة الولايات المتحدة في نقض جهود المؤسسات المالية الدولية من تقديم الدعم الإنساني أجبرت حتى البنك الدولي على استبعاد السودان من جهود التمويل الحاسمة لمكافحة الوباء.

وأشار "كاميرون هدسون"، من مركز "أتلانتك كاونسل"، إلى أن رفع العقوبات "عنصر حاسم في تعافي السودان على المدى الطويل ويأمل في الدخول في نظام ديمقراطي بقيادة مدنية".

ومع ذلك، وفقًا لـ"هدسون"، فإن عملية إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب "تتضمن شبكة من العمليات التشريعية، والأحكام القانونية، والتسويات المالية، وتقييمات الاستخبارات، والأهم من ذلك كله، السياسة، لإلغاء هذه الأداة النهائية في ترسانة العقوبات الأمريكية".

ولمعاقبة جهود السودان في التحول الديمقراطي، أعلنت الولايات المتحدة في فبراير/شباط أنها ستنهي تأشيرات الهجرة من السودان، ما يجعل الهجرة من هذا البلد مستحيلة.

حتى قبل "ترامب"، دعمت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة الأنظمة الاستبدادية في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا وحافظت على علاقات وثيقة بشكل خاص مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات.

وكانت هذه الدول مؤيدة قوية للضباط العسكريين المحافظين الذين حكموا السودان بين فترة الإطاحة بـ"البشير" واتفاقية أغسطس/آب 2019 التي سمحت بحكومة يقودها مدنيون، والذين يعتقد الكثيرون أنهم ما زالوا يرغبون في رؤية الجيش يستعيد السيطرة.

تدعم الغالبية العظمى من الحزبين في الكونجرس الأمريكي إرسال 1.7 مليار دولار سنويًا لدعم ديكتاتورية "السيسي" في مصر، وتدعم الإعانات على نطاق واسع لعمليات نقل الأسلحة والتدريب العسكري للملكيات المطلقة الغنية في الخليج، بينما ترفض تقديم أي إغاثة للسودان الديمقراطي الفقير.

لم يعان السودانيون فقط من أكثر من 30 عامًا من الديكتاتورية الوحشية، بل إن الولايات المتحدة تعاقبهم فعليًا أكثر على الإطاحة بتلك الديكتاتورية وتجعل الشعب السوداني مسؤولا عن جرائم النظام العسكري الذي كافح ضده الملايين طوال عقود بتضحيات هائلة ونجح أخيراً في إزالته العام الماضي.

من غير الواضح سبب وجود الكثير من العداء من واشنطن للنضال الديمقراطي في السودان.

مع أن ولع "ترامب" بالسلطويين معروف، فإن تصوير الدول العربية والأفريقية والشرق أوسطية على أنها عنيفة بشكل مزمن وتعج بالمتطرفين الغاضبين والميل نحو الإرهاب يساعد على تعزيز الحاجة المتصورة للولايات المتحدة للتدخل عسكريا ودعم الحكومات الاستبدادية وجيوش الاحتلال.

بالرغم من عدم وجود دليل مباشر يشير إلى أن هذه سياسة واعية، فإن التقليل من شأن الحركات المؤيدة للديمقراطية وتقويض الحكومات الديمقراطية يلعبان دورًا في تبرير هذه السياسات.

حصل الكاتب على انطباع قوي من المسؤولين في السفارة الأمريكية في السودان بأنهم افترضوا أن التجربة الديمقراطية في السودان ستفشل، وأنهم يرون في الأساس البلاد فقيرة للغاية، ومقسمة للغاية، ومع الكثير من المشاكل التي لا يمكن التغلب عليها من خلال الحكم الديمقراطي.

وهذا يؤكد على أن الاعتراف بالشعوب العربية والأفريقية والمسلمة كشعوب لها سلطة، وتفكير استراتيجي، وتنخرط في عمل سلمي فعال، وتتبني رغبة عاطفية في الحرية والديمقراطية لا يتناسب مع الرواية الغربية.

بغض النظر عن الدافع، يبدو أن الولايات المتحدة تفعل ما في وسعها لإفشال هذه التجربة الديمقراطية الرائعة.

قد يكون من الصعب حشد الرأي العام في الولايات المتحدة لفرض تغيير في السياسة وسط الوباء والنضالات المستمرة ضد الاضطهاد العرقي وأوجه عدم المساواة الأخرى محليًا، ولكن التضامن الدولي لدعم الشعب السوداني لا يقل أهمية الآن عما كان عليه خلال نضالهم ضد الديكتاتورية.

المصدر | ستيفن زونيس | إنسايد أرابيا- ترجمة وتحرير الخليج الجديد