سود أمريكا وتراث العبودية الثقيل

جورج فلويد ليس الرجل الأسود الأول الذى يقتله رجل شرطة أبيض بطريقة متوحشة ولن يكون الأخير.

میراث العبودية بأمريكا شديد القبح ورغم توقف استجلاب العبید من إفريقیا منذ 1806 فقد تطلب الأمر حربًا أهلية للتغلب على هذا الإرث.

ھناك مظاھر تفرقة غیر قانونیة بأثر رجعى تظهر عدم الاندماج الكامل للسود بنسب تعكس تعدادھم في الحیاة العامة رغم انتخاب رئیس أسود.

*     *     *

قُتل أفراد شرطة بيض من قِبَل رجال سود وتم تصوير عشرات الحالات وبثها للعالم، قليل منها نال بعض الاهتمام مثل قتل تريفور مارتن وفريدي غراي وإيريك غارنر، لكن الأغلبية العظمى من عمليات القتل مرت في هدوء.

تختلف حالة قتل فلويد بصورة جوهرية من حيث حجم رد الفعل عليها سواء من المتظاهرين داخل كل الولايات الخمسين والعاصمة واشنطن، وتختلف من حيث رد الإدارة الحاكمة عليها ومحاولة استغلالها سياسيا.

وتختلف من حيث توقيتها الذى جاء وسط جائحة تجتاح العالم وأمريكا، توفى معها أكثر من 120 ألف أمريكى وأصابت مليونين آخرين، إضافة لكونها لا تبتعد عن انتخابات رئاسية وتشريعية إلا بخمسة أشهر فقط.

*     *     *

نص التعديل الدستورى الثالث عشر على إلغاء الرق، والعبودية، واقترح هذا التعديل في 31 يناير 1865، وتمت المصادقة علیه في 6 ديسمبر من العام نفسه، وقبل ذلك بعامین كان الرئیس أبراھام لینكولن قد أعلن تحرير العبید في الولايات الفيدرالية.

وأكمل هذا التعديل عملیة إلغاء العبودية في الولايات المتحدة كلها على المستوى الرسمى، لكن التعديل الدستورى لیس إلا حبرا على ورق في الواقع وأن العبودية ما زالت منتشرة في الولايات المتحدة في صور عدة من أهمها على الإطلاق «السجون الأمريكیة».

تكتظ السجون الأمريكیة بما يزيد على ربع المساجین على كوكب الأرض، وذلك رغم أن عدد سكانها يقل عن 5% من سكان العالم، وهناك واحد من بین كل ثلاثة رجال سود يتعرض للسجن في حیاته، ويرى البعض أن السجون مكتظة بأعداد مساوية لأعداد العبید في ولايات الجنوب حال بقائهم هناك، وھو ما يزيد على ملیونى رجل.

تضخمت صناعة السجون في أمريكا وتوحشت وأصبح لها لوبى قوى للغاية بواشنطن يمثل بالأساس الشركات المتعاقدة مع إدارات السجون من أجل توريد ملابس أو غذاء ملايین المسجونین، أو شركات الأمن الخاصة التى توفر الحماية للسجون الفیدرالیة.

ويرتبط ماضى العبودية في أمريكا بتاريخ حركة الحقوق المدنیة وقبلها بمرحلة إلغاء الرق؛ حيث انتقل استعمال رجال الشرطة البیض لإلصاق صفة الإجرام بالرجال السود من أجل السيطرة عليهم، من هنا زادت أعداد المسجونین من أقل من مائتي ألف شخص عام 1970 لتتخطى الیوم الملیونى سجین، نصفهم من السود رغم أن نسبة الرجال السود لا تتعدى 7% من عدد سكان الولايات المتحدة.

*     *     *

میراث العبودية في أمريكا شديد القبح، ورغم توقف استیراد العبید من إفريقیا عام 1806، فإن الأمر تطلب حربا أهلية ضروسا للتغلب على هذا التراث، ولا تزال ھناك مظاھر مختلفة من التفرقة غیر القانونیة، وهى تفرقة بأثر رجعى تتمثل في عدم الاندماج الكامل للسود بنسب تعكس تعدادھم في الحیاة العامة على الرغم من وجود رئیس أسود سابق بین عامى 2008 ــ 2016.

من هنا يصعب القول إن الأمريكى الأسود قد نال كل الحقوق، والفرص المتاحة لنظیره الأبیض بعد، نعم تحسنت ظروف معیشة السود بشكل عام، لكن الفوارق لا تزال قائمة، صحیح أنهم لم يعودوا يُمنعون من دخول المطاعم والمسارح ودور السینما، ونعم هناك الكثیر منهم من رؤساء الشركات ورؤساء المدن والصحفيين والناجحین في كل المجالات..

إلا أن هناك معضلات تستعصى على الحل أمام ما يقرب من 44 ملیون أمريكى أسود من أهمها الفقر إذ يعیش 26 % من السود تحت خط الفقر، وتبلغ هذه النسبة 12% على المستوى القومى، ويقصد بالفقر هنا حصول عائلة مكونة من أربعة أفراد على أقل من 24 ألف دولار سنويا.

وفي التعلیم يتعرض التلامیذ السود في حالات الإخلال بالنظام لعقوبات أكثر صرامة من نظرائهم البیض، ويجد الكثیر من التلامیذ السود أنفسهم في مدارس ضعیفة التجهيز، وفى مجال الصحة العامة، يبلغ معدل عمر الأمريكى الأسود أقل من نظیره الأبیض بـ6 سنوات!

إلا أن أسوأ المُعضلات يتمثل في قطاع العدالة ونظام المحاكم، إذ يتعرض السود أكثر من غيرهم لرقابة الشرطة في الأماكن العامة، كما أن احتمال الحكم عليهم بالإعدام يبلغ أربعة أضعاف احتمال الحكم على البیض في الجرائم المشابهة، وھناك الكثیر من الأمثلة الدالة على تهميش السود وصعوبة حصولهم على كل الحقوق والمزايا التى ينعم بها نظراؤهم البیض.

*     *     *

وتعود أغلب التشريعات الحاكمة لسلوكيات رجال الشرطة وقضايا العدالة الجنائية لحقبة «قوانين جيم كرو»، وهى الفترة السابقة على تبنى قوانين الحقوق المدنية لعامى 1964 و1968؛ حيث سادت سياسة الفصل العنصرى والاجتماعى بين السود والبيض، وحيث كانت العنصرية منتشرة ومقبولة اجتماعيا وقانونيا، وهو ما يظهر في الكثير من القوانين المحلية.

ويلقى الكثير من الخبراء باللوم على توحش الشرطة إلى تشريع تبناه عام 1994 السيناتور الديمقراطى، والمرشح الرئاسى الديمقراطى، جو بايدن؛ حيث أضاف مليارات الدولارات لميزانية أجهزة الشرطة المختلفة..

وسمح التشريع، وهدفه كان إصلاح الشرطة، تعيين مائة ألف شرطى إضافي، مع السماح للبنتاغون بمد أجهزة الشرطة بمال يفيض عن حاجته من أسلحة فتاكة ومدرعات وقنابل غاز، ودروع.

من ناحية أخرى، ألقى بعض كبار الساسة الجمهوريين باللوم على سلوكيات الأقلية السوداء وأتهموها بعدم التزامها باتباع القانون. وصرح رودلف دوليانى، محامى الرئيس ترامب والعمدة السابق لمدينة نيويورك:

«هناك الكثير من العنف في أوساط السود. إذا أردت التعامل بمنطق مع هذه الأزمة عليك أن تعلم أولادك أن تحترم الشرطة، وأن تعلم أولادك أن الخطر الحقيقى لا يتمثل في الشرطة بل في احتمال نسبته 99% أن يتم قتلهم على يد شخص أسود».

* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن

المصدر | الشروق المصرية