السبت 20 يونيو 2020 02:08 م

تواصل تركيا ترسيخ نفسها عسكريا في شمال سوريا وتشير جميع الدلائل إلى أنها تستعد للبقاء في أجزاء من المنطقة التي تسيطر عليها لفترة طويلة. وتقوم أنقرة بإنشاء الحكومات المحلية والبنية التحتية المؤسسية التي يشرف عليها المسؤولون العسكريون والمدنيون الأتراك.

وبحسب مصادر محلية، فقد نشرت أنقرة أكثر من 10 آلاف جندي في المنطقة وأرسلت أكثر من 7 آلاف شاحنة عسكرية ومدرعة بما في ذلك دبابات في محافظة إدلب منذ فبراير/شباط. ويشمل النشر المستمر أنظمة دفاع جوي حديثة.

في هذه الأثناء، تدعم روسيا جيش النظام السوري بطائرات مقاتلة حديثة ومعدات عسكرية أخرى.

وقامت أنقرة بتأمين منطقة أقل بكثير في شمال سوريا مما كانت تتوقعه من المعارك الثلاث الرئيسية التي خاضتها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" و"وحدات حماية الشعب الكردية" منذ عام 2017 حيث تم تقييد الأهداف النهائية لعمليات "درع الفرات" (2017)، و"غصن الزيتون" (2018) و "درع الربيع" (2019-2020) من قبل الولايات المتحدة وروسيا.

كما لم تنجح أنقرة في تحقيق أهدافها الرئيسية المتمثلة في القضاء على "وحدات حماية الشعب الكردية" في المنطقة وإنشاء "منطقة آمنة" على عمق 30 كيلومترًا (18 ميلًا) على طول حدودها مع سوريا. ومع ذلك، يبدو أنها مصممة على التمسك بالأرض التي حصلت عليها مع غيوم الحرب التي تلوح فوق إدلب.

وشهدت الأيام والأسابيع الأخيرة استئناف العمليات العسكرية من قبل قوات النظام السوري وسلاح الجو الروسي في إدلب. وقد دفع هذا النشاط العديد من المحللين الأتراك إلى الاعتقاد بأن وقف إطلاق النار الذي تم التفاوض عليه بين الرئيس "رجب طيب أردوغان" ونظيره الروسي "فلاديمير بوتين" في موسكو في 5 مارس/آذار، لن يستمر لفترة طويلة. كما أن محادثات "أردوغان" و"بوتين" لم تفعل الكثير لحل المشاكل الأساسية بين الجانبين فيما يتعلق بإدلب.

يقول محلل السياسة الخارجية التركي "أكدوغان أوزكان" إن موسكو مهتمة بشكل خاص بالسيطرة الكاملة على الطريق السريع "M4" الاستراتيجي الذي يمتد من اللاذقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الحدود العراقية. وبموجب الاتفاق، تُرك الجزء الشمالي من الطريق السريع للسيطرة التركية، في حين ستسيطر روسيا على الجزء الجنوبي. كما تم الاتفاق على أن تقوم الدوريات التركية الروسية المشتركة برصد انتهاكات وقف إطلاق النار. غير أن الدوريات الجارية فشلت في نزع فتيل التوترات المتزايدة.

بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في موسكو -كما هو الحال مع الاتفاقات المماثلة السابقة- أصبح لزاما على تركيا تطهير المنطقة من العناصر الجهادية، وعلى الأخص "هيئة تحرير الشام". وقد فشلت أنقرة حتى الآن في القيام بذلك، مما أعطى موسكو والنظام ذريعة لاستئناف عملياتهما العسكرية.

وبحسب "أوزكان"، فإن روسيا تريد تأمين الطريق السريع "M4" لجعله أحد الشرايين الرئيسية للبلاد، وتوفير الأكسجين للاقتصاد، الذي سيكون أكثر هشاشة مع العقوبات الأمريكية الأخيرة على النظام.

وتؤكد الكاتبة "حميدة يغيت" أن "روسيا ليست في حالة مزاجية مناسبة لتقديم أي تنازلات أخرى لتركيا".

في حين حصلت تركيا على أقل بكثير مما كانت تتوقعه في إدلب من موسكو خلال محادثات "أردوغان" و"بوتين" في مارس/آذار، فإن السماح لها بالبقاء شمال الطريق السريع "M4" كان تنازلاً من روسيا.

ومع ذلك، تواصل موسكو الإصرار على ضرورة تسليم جميع الأراضي التي سيطرت عليها تركيا إلى نظام الرئيس "بشار الأسد".

وكتبت "يغيت": "يُظهر استئناف الغارات الجوية الروسية وانتشار تركيا المتزايد أن العمليات العسكرية في إدلب ستستأنف".

بالرغم من ظهور التعاون الوثيق المستمر بين أنقرة وموسكو في سوريا، فإن الخلاصة هي أن روسيا وتركيا متنافستان في إدلب. إن إلغاء زيارة وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" ووزير الدفاع "سيرجي شويغو" إلى تركيا هذا الأسبوع تم تفسيره بشكل عام على أنه مؤشر على أن الأمر ليس على ما يرام بين الجانبين.

لم يتم تحديد موعد جديد لهذه المحادثات، التي كان من المقرر أن تعقد في وقت تجري فيه تطورات حاسمة في سوريا وليبيا، حيث يوجد خلاف بين الجانبين.

ومن المفارقات أن أنقرة تعتمد على دعم واشنطن لموازنة روسيا في إدلب، بالرغم من حقيقة أن تركيا والولايات المتحدة خصمان في شمال سوريا، شرقي نهر الفرات.

هناك قائمة طويلة من القضايا العالقة بين أنقرة وواشنطن التي تحجب العلاقات الثنائية. تواصل واشنطن دعم "وحدات حماية الشعب"، التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية تهدد أمنها القومي. ومع ذلك، يبدو أن هذه المسألة قد تم دفعها إلى الخلف الآن من قبل أنقرة في مواجهة ما يعتبر حالة أكثر خطورة في إدلب. في غضون ذلك، رحبت أنقرة بالعقوبات الأمريكية ضد "الأسد" وأفراد عائلته، بموجب قانون "قيصر".

إن قرار الحكومات المحلية في إدلب -الذي تحركت به أنقرة بلا شك- للبدء في استخدام الليرة التركية في المنطقة يأتي بعد قرار مماثل في حلب ومن المتوقع أيضًا أن يضر باقتصاد النظام السوري.

وبحسب المحلل "تشارلز ليستر"، فإن "ترك ما يقرب من ثلث السوريين لعملتهم الوطنية قد يكون مسمارا في نعش الاقتصاد السوري".

وتتشجع أنقرة أيضًا بالتقارير التي تفيد بأن صبر روسيا على طريقة إدارة "الأسد" للبلاد قد ينفد. حيث يتلاقى خيار الإطاحة بـ"الأسد" -الذي يواجه الآن أيضًا احتجاجات في أجزاء من البلاد الخاضعة لسيطرته- مع رغبة "أردوغان".

تشجع واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون في سوريا، أنقرة على السيطرة على إدلب، حتى عندما يعارضون تحركات تركيا شرقي نهر الفرات ضد الأكراد.

مع عدم وجود تسوية سياسية في سوريا، تبدو الدول الأوروبية سعيدة بما فيه الكفاية مع "التتريك" التدريجي للمناطق في شمال سوريا غرب الفرات. ويعود هذا الرضا أساساً للخوف المتجذر من فيضان جديد من اللاجئين نحو أوروبا .

لكن أنقرة تعرف أنها في النهاية لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة أو أوروبا أو روسيا فيما يتعلق بأهدافها في شمال سوريا. يتمثل أحد أهدافها الرئيسية في إنشاء منطقة تسيطر عليها تركيا حيث يمكنها توطين اللاجئين السوريين في تركيا والذين أصبحوا مسؤولية سياسية واقتصادية. كما أن هدفها الآخر هو استخدام هذه الأراضي لعرقلة التطلعات الكردية في شمال سوريا، بدعم من الغرب وروسيا.

تريد أنقرة أيضًا الحفاظ على موطئ قدم عسكري قوي في هذه المنطقة من أجل أن تكون قادرة على ضرب "وحدات حماية الشعب" شرق نهر الفرات. يعتقد "أردوغان" أنه إذا ظلت أنقرة معزولة دوليًا كما هي اليوم بشأن القضية الكردية، فسيتعين على تركيا العمل من جانب واحد في هذا الصدد.

وفي هذا السياق؛ فإن التطورات في ليبيا، حيث غيّر التدخل العسكري الأحادي لتركيا قواعد اللعبة، تشجعه أيضًا.

ربما تكون سياسة تركيا تجاه سوريا منذ البداية، قد تركت لأنقرة أقل بكثير مما توقعته حكومة "أردوغان". ومع ذلك، فإن خيبة الأمل تحفز أنقرة للتأكد من أنها ستحافظ على ما اكتسبته بالفعل.

إن التكاليف المالية والسياسية طويلة المدى للاستقرار في أراضي دولة أخرى هي أسئلة لا يرغب "أردوغان" وأعضاء حكومته في التفكير فيها اليوم. والخلاصة بالنسبة لهم هي أنه إذا كان هناك آخرون يضمنون مصالحهم بالتواجد، فإن تركيا لديها الحق في القيام بذلك أيضًا، بغض النظر عما يقوله أي شخص.

المصدر | سميح ايديز - المونيتور- ترجمة وتحرير الخليج الجديد