الثلاثاء 23 يونيو 2020 02:36 م

الحدود السودانية الإثيوبية: لماذا يتهاون جنرالات الخرطوم؟

ما أسباب تهاون جنرالات السودان إزاء ملف حساس يخص السيادة الوطنية ولا تكتنفه أصلاً نزاعات قانونية؟  

تورطت جهات خارجية إقليمية ودولية في تسعير الخلافات بين السودان وإثيوبيا بملف سد النهضة وتحويل القضارف لمنطقة نزاع حدودي

هل يحد تهاون جنرالات السودان من مطامع إثيوبيا أم سيؤجج مخاطر نشوب حرب بين البلدين أم هو دليل ضعفهم إزاء تعنت أديس أبابا؟

*     *     *

دخل التوتر العسكري على الحدود السودانية الإثيوبية مرحلة حساسة تنذر بمخاطر كثيرة أبرزها الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة بين البلدين، وقد تشتعل نيرانها أكثر فأكثر فتتجاوز مشكلات الحدود إلى خلافات الخرطوم واديس أبابا في ملف سد النهضة الإثيوبي خصوصاً، واقتسام مياه النيل بصفة عامة.

وقبل أيام كانت ميليشيات إثيوبية، تساندها وحدات من الجيش الإثيوبي، قد توغلت في عمق منطقة القلابات الواقعة ضمن ولاية القضارف السودانية على الحدود مع إثيوبيا، فاشتبكت مع الجيش السوداني وجرى استخدام الأسلحة الثقيلة المدفعية والرشاشة.

وفي ذلك تكرار لاشتباكات أخرى شهدتها المنطقة خلال الأسابيع القليلة المنصرمة، نتج عنها على الجانب السوداني مقتل ضابط وخمسة مدنيين بينهم طفل، وجرح عدد من الجنود.

واللافت أن الاشتباك الأخير استهدف معسكر الأنفال التابع للجيش السوداني وذلك بعد ساعات أعقبت زيارة قام بها إلى أديس أبابا محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، اجتمع خلالها مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وكان مقرراً لها أن تبقى سرية لولا أن وسائل إعلام إثيوبية كشفت النقاب عنها.

ومن الواضح بالتالي أن جنرالات الجيش السوداني، دقلو مؤخراً وقبله رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان نفسه، لم ينجحوا في إقناع الزعماء الإثيوبيين بالكف عن مطامع قديمة في أرض السودان يعود بعضها إلى أطوار الاقتسام الاستعمارية بين بريطانيا وإيطاليا.

ومنطقة الفشقة داخل ولاية القضارف تشغل وحدها مساحة 600 كم مربع، وقد خضعت طوال عقود لاستغلال منظم من جانب مزارعين ورعاة إثيوبيين، بدعم مباشر من ميليشيات خاضعة على نحو أو آخر لأوامر الجيش الإثيوبي.

ودأب نظام عمر حسن البشير على التغاضي عن تلك التعديات لأسباب سياسية وأمنية محلية وإقليمية. لكن مجلس السيادة السوداني، وبعد أن تبدلت أولويات الداخل والجوار، تنطح لفتح هذا الملف لأغراض تعبوية وشعبوية ودخل بخصوصه في مفاوضات مع أديس أبابا تراوحت بين جولات علنية وأخرى شبه سرية.

سلسلة الاشتباكات الأخيرة تؤكد أن جنرالات السودان فشلوا في ثني السلطات الإثيوبية عن مساندة عمليات التوغل الإثيوبية داخل ولاية القضارف السودانية، وذلك رغم الاتفاق العلني على أن أراضي هذه الولاية تتبع للسودان ولا نزاع حولها طبقاً لتوافقات ترسيم الحدود القديمة والراهنة.

والحدود بين البلدين تمتد على قرابة 1600 كم وتحكمها سلسلة اتفاقيات ثنائية مرحلية، لكن جولات التفاوض الحالية حول ترسيمها نهائياً قد تتواصل حتى العام 2021، وفي المقابل يستمر المئات من المزارعين الإثيوبيين في التعدي على أراضي الولاية الخصبة ومراعيها ومياهها، ويحاولون مسبقاً فرض أمر واقع فيها عبر ميليشيات ومناوشات عسكرية.

ورغم معطيات كثيرة تشير إلى تورط جهات خارجية إقليمية ودولية في تسعير الخلافات بين السودان وإثيوبيا، ليس في ملف سد النهضة وحده بل كذلك في تحويل ولاية القضارف إلى منطقة نزاع حدودي، فإن السؤال الكبير الذي يُطرح بقوة إنما يتعلق بأسباب تهاون جنرالات السودان إزاء ملف حساس يخص السيادة الوطنية ولا تكتنفه أصلاً إشكاليات قانونية متنازع عليها.

فهل يمكن لهذا السلوك أن يحدّ من مطامع إثيوبيا، أم أنه سوف يؤجج المزيد من مخاطر نشوب حرب بين البلدين، أم هو في نهاية المطاف دليل ضعف المجلس إزاء تعنت أديس أبابا؟

المصدر | القدس العربي