الخميس 25 يونيو 2020 06:04 ص

بينما تعقد الولايات المتحدة والعراق حوارا استراتيجيا نادرا حول مجموعة من القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية والثقافية، فإن الحملة العسكرية الإسرائيلية (الصامتة نسبيا) مستمرة ضد المواقع المرتبطة بإيران في سوريا.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، أطلقت طائرات مجهولة 8 غارات جوية على ميليشيات إيرانية في قاعدة "المعيزلة" في ريف دير الزور الشرقي، ما أدى إلى مقتل 12 مقاتلا على الأقل.

وقبل ذلك بيومين، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منشآت تابعة لمركز الدراسات العلمية والبحوث بالقرب من مدينة "مصياف" شمال غربي سوريا.

وقدرت المنظمة السورية لحقوق الإنسان عدد القتلى في الهجوم بـ9، بينهم 4 سوريين، وشكك بعض الصحفيين المستقلين في دقة وموثوقية تقارير المنظمة السورية لحقوق الإنسان في هذا الصدد، لكن حقيقة أن (إسرائيل) تواصل حملتها الجوية ضد إيران في سوريا لا تزال موضع جدل.

ومن الواضح أن استراتيجية (إسرائيل) المستمرة، التي يطلق عليها المختصون "المعارك بين الحروب"، لم توقف الجهود الإيرانية لتزويد "حزب الله" بالأسلحة المتطورة (بما في ذلك الصواريخ الدقيقة) أو القدرة على إنتاجها في لبنان.

ومع ذلك، يمكن القول إن الحملة العسكرية كانت ناجحة في تعطيل مسعى إيران وإبطاء التدفق، لدرجة أن بعض المسؤولين الأمريكيين السابقين، والنقاد الحاليين لسياسة "أقصى ضغط" ضد إيران، اقترحوا أن تستفيد الولايات المتحدة من (إسرائيل) وتستخدم تلك الاستراتيجية في العراق من أجل ردع طهران وفي نفس الوقت تجنب الحرب.

لكن هذه التوصية مضللة بشكل أساسي، فربما تؤدي إلى مزيد من التصعيد وحتى المواجهة العسكرية الشاملة بين الخصمين التقليديين، عكس ما يدور في أذهان مؤيدي هذه التوصية في الولايات المتحدة.

وكذلك يمكنها أن تفسد الخطط الأمريكية لمواصلة تخفيض قواتها في العراق كجزء من ترتيباتها الاستراتيجية الجديدة في المنطقة.

"مابام" أمريكية ضد إيران في العراق

ووفقا لـ"إيان جولدنبرج"، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية في إدارة "أوباما"، وزملائه في مركز الأمن الأمريكي الجديد، فإن استراتيجية (إسرائيل) المتمثلة في "المعارك بين الحروب" ضد إيران، التي تأتي اختصارا باستراتيجية "مابام" بالعبرية، ضد الجماعات المدعومة من إيران في سوريا، تعد واحدة من أنجح الجهود العسكرية للرد على إيران في "المنطقة الرمادية"، و"يجب على صناع السياسة الأمريكيين والمخططين العسكريين النظر فيها بعناية"، للحصول على "دروس" قد تكون مفيدة.

والأهم من ذلك، تم تقديم الاقتراح كبديل للتدابير المتشددة التي اتخذتها إدارة "ترامب"، مثل اغتيال قائد الحرس الثوري السابق "قاسم سليماني" في يناير/كانون الثاني، حتى تتجنب واشنطن اندلاع حريق لا يمكن إطفاؤه مع طهران.

وفي حين نجح هذا النهج "الوسطي" جزئيا مع (إسرائيل) في سوريا، وعزز مصالحها الأمنية الوطنية، إلا أنه لا يمكن نقل "مابام" بسهولة إلى العراق.

ومن المحتمل جدا أن تؤدي الاستراتيجية إلى نتائج عكسية، ما يؤدي بدوره إلى نتيجة يحاول أتباع الفكرة تجنبها طوال الوقت. فإيران ترى العراق، جارها المباشر بحدود مشتركة تبلغ نحو 1600 كيلومتر، بشكل مختلف تماما عن سوريا في إطار استراتيجيتها الأمنية الوطنية والإقليمية.

وبناء على ذلك، تنظر إيران إلى الأعمال العدائية في العراق على أنها تهديد أكثر خطورة يتطلب مشاركة أكثر جدية وفعالية مقارنة بتلك التي تحدث في سوريا.

وليس من المستغرب أن صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا لم يلق استجابة عسكرية منسقة سريعة من إيران، لكن طهران لم تتردد في التدخل عسكريا ضد التنظيم بمجرد استيلائه على أراضي في العراق وإقامة خلافة عابرة للحدود في عام 2014.

وحتى إذا كانت القيادة الإيرانية لا تريد أن تعامل جارتها الغربية كعازل أمني، فإن سياسة "العمق الاستراتيجي" غير التقليدية التي تتبعها لإبقاء القتال بعيدا عن حدودها الوطنية قدر الإمكان تجبرها على القيام بذلك هيكليا.

ويشكل ذلك ركيزة أساسية لوضع الدفاع الشامل لطهران، إلى جانب قدراتها النووية والصاروخية.

بعبارة أخرى، طالما تسعى طهران إلى "العمق الاستراتيجي" وتستثمر فيه كعنصر مركزي في استراتيجيتها للأمن القومي، فإن العراق، وهو بلد ذو أغلبية شيعية، سيتم معاملته على الأرجح على أنه منطقة عازلة قد تتحول إلى ساحة معركة تحت ظروف حرجة.

وفي الواقع، كانت المخاوف من ترسيخ (إسرائيل) نفوذها في كردستان العراق هي التي أقنعت الحرس الثوري الإيراني، قبل كل شيء، بالمساعدة في وقف استفتاء الاستقلال الكردي في سبتمبر/أيلول 2017.

لكن العراق أكثر بكثير من مجرد حاجز أمني لإيران. وفي ظل سياسة "أقصى ضغط" لإدارة "ترامب"، اعتمدت إيران بشكل متزايد على العراق لتجاوز العقوبات الأمريكية وتخفيف آثارها المعوقة.

وبحسب "حميد زدبوم"، رئيس منظمة ترويج التجارة الإيرانية، فإن الصادرات الإيرانية إلى العراق تشكل ربع إجمالي واردات الأخيرة.

وقال "زدبوم"، في ديسمبر/كانون الأول 2019: "تستحوذ إيران على 25% من سوق الاستيراد في العراق، حيث تبلغ قيمة السلع الإيرانية 10 مليارات دولار من إجمالي واردات العراق البالغة 40 مليار دولار سنويا". وأضاف: "وتحمل 800 شاحنة حاليا البضائع والمنتجات الإيرانية إلى كردستان العراق يوميا".

أضف إلى هذه العوامل الروابط الثقافية والدينية عميقة الجذور، وكذلك التاريخ المؤلم لحرب دموية دامت 8 أعوام في الفترة من 1980 إلى 1988، سيكون من الواضح لماذا تنظر طهران إلى العراق على أنه أهم دولة في مدار إيران الاستراتيجي.

وظهر ذلك جليا عندما اقتحمت القوات شبه العسكرية المدعومة من إيران، كجزء من قوات الحشد الشعبي العراقية، مجمع السفارة الأمريكية في بغداد، في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2019، ردا على الغارات الجوية الأمريكية التي قتلت 25 من أعضاء "كتائب حزب الله"، وهي ميليشيا شيعية قريبة من الحرس الثوري الإيراني.

ويُعتقد في بعض الدوائر الاستخبارية أن الهجمات التي تم ربطها بإيران على منشآت "أرامكو" النفطية شرقي السعودية، في سبتمبر/أيلول 2019، كانت ردا على تواطؤ سعودي محتمل في ضربات إسرائيلية سابقة على مواقع لقوات الحشد الشعبي في العراق.

وفي حين نجحت (إسرائيل) باستراتيجيتها "المعارك بين الحروب" في سوريا في جعل الأمر أكثر صعوبة على طهران في إنشاء ممر بري فعال إلى البحر الأبيض المتوسط، ​​وأيضا في توليد احتكاك بين طهران وشركائها، خاصة موسكو، لكنها كانت تنطوي أيضا على خطر"إشعال الحرب" إذا اندفعت فيها إلى أقصى الحدود.

وفي 7 يونيو/حزيران، استشهدت صحيفة "جيروزاليم بوست" بتقرير يدعي أن الحرس الثوري قد لا يتسامح مع الغارات الجوية الإسرائيلية المتزايدة على منشآته في سوريا، وأنه ربما يقوم بترتيبات مؤقتة للانتقام.

وبينما يعِدّ عدد من النواب الجمهوريين حزمة العقوبات "الأكبر على الإطلاق" ضد الجمهورية الإسلامية وحلفائها شبه العسكريين في المنطقة، فمن غير المرجح أن تتسامح إيران مع مثل هذه الحملة العسكرية في العراق المجاور، على عكس ما يعتقد ببعض المسؤولين.

المصدر | ميسم بهرافيتش | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد