من بين جميع اللاعبين الجيوسياسيين الرئيسيين على هذا الكوكب، قد تكون الكوارث الطبيعية هي التحدي الأهم. ولا تخضع تلك الكوارث للمنطق، ولا توجد قيود لتوجيه سلوكها، وتتسبب في صدمات واسعة خارج نطاق السلوك المتوقع، حيث تضرب بشكل عشوائي في الغالب.

وحتى الظواهر التي يمكن التنبؤ بها، مثل موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي، لا تخبرنا شيئا عن حجم وهدف الضرر الاقتصادي المحتمل حدوثه. وربما يهدأ سريعا إعصار كارثي من الفئة 5 كان يتوجه نحو المراكز السكانية الرئيسية، في حين ينجح إعصار أخف من الفئة 3 في إحداث تدمير كبير مع عواقب طويلة الأمد.

وبالمثل، كانت جائحة "كوفيد-19"، الناجمة عن فيروس تاجي جديد يعرف علميا باسم "SARS-CoV-2"، ظاهرة يمكن التنبؤ بها بشكل عام، حيث تسمح حالات تفشي الأمراض الحديثة للعلماء باكتشاف الأنماط، حتى لو لم يتمكنوا من التنبؤ بدقة بما قد يحدث ومتى وأين وكيف.

ولعقود، حذر علماء الأحياء الدقيقة وأخصائيو الأوبئة من جائحة الإنفلونزا. وتحدث مثل هذه الجائحة بشكل منتظم نسبيا.

وخرجت على العالم جائحة الإنفلونزا 4 مرات سابقة، في أعوام 1918 و1957 و1968 و2009. ولكن بينما كان مسؤولو الصحة العامة يركزون على الإنفلونزا، كان هناك فيروس جديد مميت يتسرب في الصين.

وفي الوقت الذي أدرك فيه المجتمع الطبي شدة المرض بشكل كامل، كان الوقت قد فات، وكان قد انتشر بالفعل في الكثير من دول العالم.

لكن العلماء ليسوا عرافين ولا أصحاب معجزات. كما أن المنهج العلمي محافظ بطبيعته، أي أنه يعمل بشكل متأني وبطيء لتبني إجماع جديد. وعادة، يخدم هذا المؤسسة العلمية بشكل جيد، حيث غالبا ما ينتهي الأمر بالنتائج الجديدة المثيرة باكتشاف خطئها بعد خضوعها لمزيد من التدقيق.

وفي حال تم الإعلان مبكرا عن أن فيروس كورونا الجديد يمثل تهديدا عالميا واتضح لاحقا أن المعلومة خاطئة، لكان قد أضر ذلك بمصداقية مسؤولي الصحة العامة.

وفي محاولة لمواكبة البيانات المتغيرة باستمرار حول عدوى كورونا، بدأ مسؤولو الصحة العامة في تقديم نصائح متناقضة، والتي غالبا ما كانت تتغير خلال أسبوع، إن لم يكن في نفس اليوم، ما فاقم من مشكلة مصداقيتهم.

وفي المملكة المتحدة، تم الإمساك بعالم بارز أيد الإغلاق وهو يكسر الحجر الصحي في موعد مع صديقته. وفي الولايات المتحدة، أدان مسؤولو الصحة العامة الاحتجاجات المناهضة للإغلاق، ثم دعموا الاحتجاجات المناهضة للعنصرية.

وتعد مثل هذه التناقضات سيئة في حد ذاتها، ولكن في هذه الحالات، فقد حملت شكلا من أشكال النفاق. وعند هذه النقطة، استنتج الكثير من الجمهور أن المتخصصين في الطب لم يعودوا يتصرفون كمستشارين علميين موضوعيين؛ بل كانوا يتصرفون كجهات سياسية فاعلة.

والأسوأ من ذلك، من خلال الإعلان عن أن "العلم" يطالب بإغلاق صارم، وأن أي شخص يثير مخاوف بشأن الآثار الجانبية غير المقصودة على الاقتصاد أو الصحة العقلية أو التماسك الاجتماعي هو خارج عن النظام ويضر بالصالح العام، فقد منح ذلك العلماء فرصة لاحتواء الفيروس عبر التدابير الشديدة، لكن مع قليل من المراعاة للأضرار الجانبية.

وكانت النتيجة قمع النقاش والمعارضة، حيث تم حرمان الملايين من الناس من العمل. وكان الضرر الذي أحدثه كل ذلك لمصداقية منظمات الصحة العامة لا يمكن قياسه.

أين الموجة الثانية؟

وتسمح المعرفة السابقة بالأوبئة، مقترنة بنمذجة الأمراض المعدية، للعلماء بالقيام بتنبؤات ذات مصداقية كبيرة حول قدوم موجة ثانية.

وبالرغم من اختلاف فيروس كورونا بيولوجيا عن الأنفلونزا، إلا أنهما يشتركان في العديد من أوجه التشابه الوبائية، التي بدورها تسمح بإجراء مقارنات في السلوك.

ووجدت دراسة نشرها مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية بجامعة مينيسوتا أنه في 7 من أصل 8 أوبئة سابقة للأنفلونزا، عاد الفيروس بعد نحو 6 أشهر، وكانت الموجة الثانية أسوأ من الموجة الأولى.

وتوجد تقارير بالفعل تفيد بأن "كوفيد-19" يعود الآن، في بكين وكاليفورنيا.

ومرة أخرى، قد لا نعرف التوقيت الدقيق للموجة الثانية أو نطاقها، لكن الأنماط السابقة تخبرنا أننا يجب أن ننتظر حدوثها.

وإذا افترضنا أن الموجة الثانية ستضرب في وقت ما في الخريف، فماذا نتوقع أن يحدث؟ سيكون جزء كبير من السكان قد سئموا من الإغلاق، وسيكونون غير مستعدين للالتزام بمزيد من القيود.

إلى جانب ذلك، في أعقاب الضرر الاقتصادي الناجم عن الإغلاق الأول، ستتردد العديد من الاقتصادات الوطنية والمحلية في فرض مثل هذه الإجراءات الصارمة مرة أخرى.

وستكون شريحة كبيرة أخرى من السكان، أي كبار السن والمصابين بضعف المناعة، خائفين، وقد يختارون العزلة الذاتية طواعية.

وستكون الحكومات في وضع لا تحسد عليه في تقرير ما إذا كان يجب عليها فرض إغلاق ثان. وإذا كان الأمر كذلك، فإلى أي مدى؟ وستكون هذه القرارات معقدة بسبب حقيقة أن الحكومات ستواجه معارك سياسية ومسائل اقتصادية ناتجة عن الجولة الأولى للوباء.

وقد تكون هذه المعارك متطرفة، على الأخص في الولايات المتحدة، التي ستجري فيها انتخابات الرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني.

وبغض النظر عما تقرر الحكومات القيام به في نهاية المطاف، فلن يعود النشاط الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الوباء.

ويعتبر الانتعاش السريع، أو ما يعرف بالانتعاش على شكل "حرف V"، هو السيناريو الأقل ترجيحا؛ لأن المقدار الهائل من الضرر الاقتصادي في الأشهر الـ 3 الماضية لا يمكن إصلاحه في نفس الفترة الزمنية، خاصة إذا ظل جزء كبير من السكان غير نشط جزئيا.

هل من المهم اكتشاف حل طبي؟

وسوف يخيب أمل أولئك الذين يعلقون آمالهم على الحل الطبي على المدى القصير. ويعد العقار المضاد للفيروسات "ريمديسيفير"، والعقار المضاد للالتهابات "ديكساميثازون"، تقدما طبيا مشروعا، لكنهما بالكاد يغيران اللعبة.

على سبيل المثال، أثار هذا الأخير بعض الحماسة لأنه يقلل من معدل وفيات المرضى على أجهزة التنفس الصناعي إلى 28% بدلا من 40%، وهذه أخبار جيدة، ولكن معدل الوفيات لا يزال مرتفعا جدا. ولا يمكن أيضا تناول الدواء بشكل وقائي أو إعطاؤه في وقت مبكر جدا من حدوث العدوى، لأنه، كمثبط للمناعة، يمكن أن يجعل الشخص أكثر عرضة للخطر.

وحتى الآن لا توجد أدوية يمكنها القضاء على الفيروس تماما، ومن المحتمل ألا يحصل العالم على واحد منها أبدا.

ويعد أفضل أمل وقائي لدينا هو وجود لقاح. وتملك اللقاحات عموما أعلى نسبة نجاح بين جميع الأدوية التي تدخل التجارب السريرية، لذلك من المحتمل جدا أن يحصل لقاح واحد على الأقل، إن لم يكن عدة لقاحات، على موافقة الجهات التنظيمية.

ولكن هناك محاذير. أولا، كما هو الحال مع الأدوية المضادة للفيروسات أو المضادة للالتهابات، لا تعني الموافقة أن اللقاحات ستكون فعالة بشكل خاص.

ثانيا، تم تخفيف معايير الموافقة، والتي قد تكون على حساب ليس فقط الفعالية، بل السلامة أيضا. وأيضا من المعروف أن الهيئات التنظيمية قد تعطي موافقات على الأدوية منخفضة الفعالية إذا لم يكن هناك شيء أفضل في السوق، وهي نتيجة محتملة بالنظر إلى الضغط الهائل على شركات الأدوية لتطوير لقاح في أسرع وقت ممكن.

وحتى إذا كان الدواء فعالا للغاية، فلا يزال يستغرق وقتا طويلا لتطويره واختباره وتوزيعه. وتقول شركة الأدوية البريطانية "أسترا زينيكا" أنها ستبدأ في شحن لقاحها إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بحلول شهر سبتمبر/أيلول تقريبا.

وتخطط الشركة لتوزيع 400 مليون جرعة بنهاية العام، وإجمالي 2 مليار جرعة بحلول أوائل العام المقبل. وبالرغم من أن هذا الإنجاز مثير للإعجاب، ومن المحتمل أن يحطم الرقم القياسي، فإن توقيته لا يفعل الكثير لحل المعضلات الاقتصادية التي تطرحها الموجة الثانية القادمة. إلى جانب ذلك، يقول المدير التنفيذي أن اللقاح سيحمي الشخص لمدة عام واحد فقط!

عالم ما بعد كورونا

يرى البعض أن الحياة لن تعود إلى طبيعتها أبدا بعد انقشاع الغمة، فهل سنضطر للعيش في عالم جديد تحكمه بروتوكولات التطهير والوقاية الاجتماعية؟ بالتأكيد لا، وذلك لـ3 أسباب. أولا، البشر هم حيوانات اجتماعية. ثانيا، يحب البشر الاستمتاع بالحياة. ثالثا، يميل البشر إلى اختيار الطريق الأسهل.

وسوف تشكل هذه الحقائق الثلاث عالم ما بعد "كورونا" أكثر بكثير مما سيشكل الفيروس. لأننا نحب قضاء الوقت مع الآخرين، ونحب زيادة المتعة إلى الحد الأقصى، ونفضل القيام بكل ما هو سهل، مثل تناول الطعام بالخارج بدلا من الطهي في المنزل، شريطة أن يتمكن المرء من تحمل التكلفة. ويعني كل ذلك أن المطاعم والأحداث الرياضية ستعود إلى طبيعتها في نهاية المطاف. والسؤال الوحيد هو متى؟

أما الأشياء التي لن تعود لطبيعتها فهي الأشياء التي لا نحب القيام بها أصلا، مثل التنقل أو الذهاب إلى المكتب أو شراء المستلزمات من السوبر ماركت.

ومن الأسهل بكثير العمل من المنزل والنقر على زر للشراء من "أمازون"، لذلك يجب أن نتوقع انخفاضا في قيمة العقارات التجارية، حيث لم تعد هناك حاجة كبيرة إلى المساحات المكتبية وتجارة التجزئة التقليدية. وكانت هذه الاتجاهات تبرز بالفعل قبل الوباء، ويقوم الوباء فقط بتسريعها.

وسوف تتأثر الجيوسياسية العالمية أيضا. وسيتم التركيز على التصنيع المحلي لبعض المنتجات التي تعتبر ضرورية للأمن القومي، مثل الأدوية ومعدات الحماية الشخصية.

وبالنسبة للوباء التالي، لن ترغب العديد من الدول في أن تعتمد بشكل كبير على مورد واحد مثل الصين. وسيكون لدى السياسيين حافز إضافي لتأييد هذه السياسة التي تنطوي على إعادة ترتيب بعض الصناعات التحويلية والنشاط الاقتصادي.

لذا ستتغير الأمور وستكون النتيجة النهائية طويلة الأمد للفيروس التاجي هو عالم أكثر تعقيدا مع الكثير من الدول الساعية للاكتفاء ذاتيا في كل شيء.

المصدر | أليكس ببريزاو - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد