يوجد تنبيه شهير في تدريب الشرطة، يقول: "لا تسحب مسدسك إلا إذا كنت على استعداد لاستخدامه".

لكن الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" يلوح بسلاحه في ليبيا، ويهدد بالتدخل في شرق البلاد إذا تجاوزت القوات المتمركزة في الغرب مدينة "سرت" على الساحل الأوسط.

لكن "السيسي" لا يتحرك من موقع قوة، ومن المرجح أن تكون ليبيا فخا أكثر منها نقطة انطلاق نحو النصر.

وخرجت ليبيا من دائرة اهتمامات الولايات المتحدة في الأعوام الأخيرة، وربما مصر كذلك، وكانت مشاكل الشرق الأوسط تبدو صعبة الحل بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة، ولا تستحق المزيد من الأرواح أو الدولارات الأمريكية.

وحتى لو قبل المرء هذه الحجة، تبقى مشاكل مصر تؤثر على الولايات المتحدة، ومع عدد سكان مصر، وموقعها الجغرافي، ووزنها الثقافي، تصبح قوة رئيسية ومؤثرة في الكثير من الأمور التي يهتم بها الأمريكيون في جميع أنحاء العالم، من مكافحة الإرهاب إلى منع الانتشار النووي.

وليس من قبيل المصادفة أن كلا من روسيا والصين تستثمران في علاقات أقوى مع مصر.

أما ليبيا، فهي في حالة فوضى منذ الانتفاضات العربية قبل عقد من الزمن، وسقط الديكتاتور "معمر القذافي" بعد 42 عاما في السلطة، تاركا وراءه القليل من المؤسسات، ومجموعة من الشبكات الإجرامية التي تتاجر باللاجئين والأسلحة وأي شيء آخر يمكنها الحصول عليه.

وفي الوقت المناسب، ظهرت الحكومات المتنافسة، وكانت الحكومة الغربية للبلاد نتاجا لمفاوضات الأمم المتحدة في عام 2015، التي سعت إلى حل المطالبات السياسية والاقتصادية المتنافسة.

في حين نشأت الحكومة الشرقية من برلمان منتخب رفض اتفاقية الأمم المتحدة، وتماشت أفكارها مع تطلعات "خليفة حفتر"، أحد الرجال القدامى المنشقين عن "القذافي"، وأحد أصول وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية فيما بعد، قبل أن يعود إلى ليبيا مع تركيز كبير على السلطة.

وأثبت "حفتر" أنه دبلوماسي ماهر. فقد كان قادرا على كسب الدعم من روسيا ومصر والإمارات، واستطاع في بعض الأحيان كسب دعم فرنسا والرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أيضا.

وكانت حجته الرئيسية محاولة إنقاذ ليبيا من الفوضى وانعدام القانون، وكانت الجماعات الجهادية ومنظمات الإتجار بالبشر والمهربين وغيرهم قد انتشروا في البلاد، وكان العالم بحاجة إلى نظام للخروج بليبيا من الفوضى، بالإضافة إلى الحفاظ على النفط، وكان "حفتر" مجرد زعيم يمكنه فرض هذا النظام.

ومع ذلك، أثبت "حفتر" أنه كان أنجح دبلوماسيا منه عسكريا، وبالرغم من المساعدة الخارجية واسعة النطاق، لكن مسيرته في جميع أنحاء البلاد كانت متفاوتة.

وفشلت جهوده للاستيلاء على طرابلس، في غرب ليبيا، أما الأكثر ضررا بمصالحه ومصالح داعميه، هو أنه اجتذب دعما تركيا كبيرا لخصومه، الأمر الذي مكّن لهم وشجعهم، وأظهر بذلك "حفتر" قدرة على القتال وليس الفوز، وخسر الكثير من الأرض بشكل مطرد منذ ذلك الحين.

ومع احتمالات انحسار انتصار "حفتر"، بدأ مؤيدوه يعيدون النظر ويبحثون عن أفكار أخرى، ويبدو أن الإمارات تستكشف قيادة بديلة، ويبدو كذلك أن روسيا، اللاعب الانتهازي دائما، تتراجع عن دعمه في ليبيا.

ويبدو أن فرنسا قد خلصت منذ فترة طويلة إلى أن "حفتر" ليس قويا بما يكفي ليصبح رجلها القوي الجديد في ليبيا، ويبدو أن دعم "ترامب" لـ"حفتر" قد تبخر.

ويترك هذا "السيسي" متشبثا وحده بـ"حفتر"، وبالتأكيد لدى "السيسي" مصالح على المحك في ليبيا، حيث يعمل عشرات الآلاف من المصريين، وكان مئات الآلاف من المصريين يعملون هناك في الماضي، وربما يعودون في المستقبل.

وتهدد الفوضى في ليبيا بعبور الحدود مع مصر، وتدّعي مصر أن حكومة طرابلس تتعاون مع أعضاء جماعة "الإخوان المسلمون" ورغم قمع "السيسي" للجماعة منذ طردها من السلطة في مصر عام 2013، لا يزال يراها على أنها تهديد وجودي.

لذلك، رسم "خطه الأحمر" على الرمال في سرت، وقال إنه إذا اقتربت قوات حكومة طرابلس من "سرت"، فسوف يتدخل.

وربما يأمل "السيسي" أن يساعد تهديده على تسريع تقسيم ليبيا، ولن يكون التقسيم نتيجة سيئة لمصر، حسب بعض الحسابات.

ويمكن أن يمكّن ذلك من وجود دولة صديقة على الحدود، ويسمح للمصريين بالعودة لدعم صناعة النفط الليبية، كما سيعيد إرساء سمعة مصر كقوة دبلوماسية وعسكرية إقليمية بعد أعوام من التدهور الواضح.

ومع ذلك يعدّ تدخل مصر مقامرة كبيرة، وتعتبر ثروة ليبيا النفطية جزءا من جاذبيتها للتدخل الخارجي، وسيجعل تقسيم البلاد غنائم النفط سببا لسفك الدماء، ويعد التاريخ المأساوي القريب لجنوب السودان مثالا مؤلما عن الكيفية التي يسير بها التقسيم أحيانا.

ويعد الأداء العسكري في مصر مروع بنفس القدر، وخاضت مصر حربا ضد التمرد في شمال سيناء منذ ما يقرب من عقد من الزمان، ولم تتمكن من تحقيق نصر مقنع، ويرى السكان المحليون في شمال سيناء القوات المصرية كغزاة قادمين من وادي نهر النيل، ومن الصعب معرفة لماذا لن يكون لدى الليبيين حساسية مماثلة لقوة عسكرية من الشرق.

وأخيرا، لدى مصر غزة كمثال في تاريخها للتفكير فيها، غزة للتفكير فيه، وكان الجيش المصري قد انتقل إلى قطاع غزة عام 1948، في أعقاب قيام دولة (إسرائيل)، وظهر المصريون في البداية كمحررين، يدافعون عن الفلسطينيين لحرمان الدولة الصهيونية التوسعية.

لكن المصريين سرعان ما توترت علاقتهم بسكان غزة، وخسرت مصر غزة في حرب عام 1967، ولكن لم يكن هناك الكثير من الحب المفقود على أي من الجانبين.

وعلى مدى عقود، اشتكى المصريون من التهريب والأنشطة غير القانونية الأخرى القادمة عبر غزة، واشتكوا من أن القيادة الفلسطينية هناك لا تتخذ اللازم لمنع هذا.

وفي نهاية المطاف، شنت مصر حملة صارمة على حدودها مع غزة بعمق 7.5 ميل، لتعادي بشكل متزايد حكومة "حماس" التي تحكم غزة.

ويبدو أن "السيسي" يراهن على أن التلويح بندقيته سيجعل مصر صانعة الملوك في شرق ليبيا، ويثبت أنها القائد البارز في شمال أفريقيا، ويعيد مصر إلى مكانها الصحيح في قلب الأحداث العالمية.

ولدى مصر أكبر جيش في أفريقيا، ويبدو أن الجنرال الميداني السابق في القصر الرئاسي في القاهرة حريص على تحقيق نصر سريع.

المصدر | جون ألترمان | ذا هيل - ترجمة وتحرير الخليج الجديد