الأربعاء 24 يونيو 2020 03:43 م

تدخل مرحلة ما بعد "القذافي" في ليبيا فصلا جديدا قد يشهد تدويل النزاع إلى مستوى جديد تماما، مع تصاعد المخاوف من صدامات عسكرية مباشرة بين جيوش نظامية.

وفي ضوء عملية "بركان الغضب"، وهي الحملة المستمرة التي تقودها حكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، لدفع قوات الجنرال "خليفة حفتر" إلى التراجع باتجاه الشرق، يهدد الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" بإرسال الجيش المصري إلى المعركة.

وبحسب الرئيس المصري، فإن سيطرة القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق على قاعدة سرت أو الجفرة "خط أحمر" بالنسبة لمصر.

ويوجد الآن أسباب وجيهة لدى الليبيين والمجتمع الدولي للخوف من سيناريو خطير يتمثل في صدام عسكري مباشر بين مصر وتركيا.

وتأتي تلك المخاوف بعد 7 أشهر من الإجراءات الجريئة التي اتخذتها أنقرة دفاعا عن حكومة الوفاق، وهي الجهود التي حرمت "حفتر" من فرصة السيطرة على طرابلس.

وكانت مشاركة الطائرات التركية بدون طيار بمثابة تحول رئيسي في مسار الصراع، فلم تمكّن حكومة الوفاق من صد هجوم "حفتر" فحسب، بل دفعت القوات الموالية للحكومة للتحرك شرقا لسحق أعدائها.

وتسببت المكاسب الأخيرة لحكومة الوفاق في قلق المسؤلين في القاهرة وبعض العواصم العربية الأخرى نتيجة بروز تركيا في دور "صانع الملوك" في ليبيا.

وأثارت التساؤلات حول السبب الذي دفع تركيا لتكثيف تدخلها العسكري في ليبيا الكثير من الجدل في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك في أوروبا.

ويعد المحرك الأول الذي يدفع الأتراك في هذا الاتجاه بلا شك هو مصالحهم في الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​الغني بالغاز.

لا تريد أنقرة أن يسيطر "حفتر" على ليبيا، باعتبار أن ذلك سيؤدي إلى دخول تركيا حالة من العزلة في شرق البحر الأبيض المتوسط، نتيجة تحول مصر من دولة عربية صديقة لتركيا إلى دولة معادية لها، منذ الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر في يوليو/تموز 2013.

وبالنسبة للكثيرين في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة التاريخ عند تقييم المصالح التركية في ليبيا. وسواء كان من العدل القول إن سياسة تركيا الخارجية هي "عثمانية جديدة" أو لا، فهكذا يراها العديد من العرب، بما في ذلك أولئك الذين يحكمون مصر ورعاة "السيسي" في الخليج، الإمارات والسعودية.

وأرسلت تركيا مؤخرا قواتها العسكرية، أو خططت للقيام بذلك في عدد من الدول العربية، بما في ذلك "سنجار" في العراق، و"إدلب" في سوريا، وجزيرة سواكن في السودان، وقطر. وبالمثل، تعد ليبيا نقطة إقليمية ساخنة كان العثمانيون يسيطرون عليها في السابق.

وأعلن المسؤولون في السعودية والإمارات بالفعل دعمهم لتعليقات "السيسي" حول "الخط الأحمر" في ليبيا. وفي حالة دخول مصر في نزاع عسكري مباشر ضد حكومة الوفاق، التي تدعمها تركيا، فإن مثل هذه الحملة العسكرية المصرية ستتلقى مستويات عالية من الدعم من الرياض وأبوظبي.

ومن المرجح أن يمنح السعوديون "السيسي" دعما ماليا كبيرا، بالإضافة إلى دعمه بالقوات السلفية التي تدعمها الرياض في ليبيا. ومن المتوقع أن يقدم الإماراتيون دعما كبيرا فيما يخص اللوجستيات والغطاء الجوي.

لعبة عض الأصابع الخطيرة

ولا توجد مؤشرات على أن تهديدات "السيسي" تمنع القوات المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني من مواصلة التحرك باتجاه الشرق.

ومن موقع قوة، وبوجود الكثير من الزخم وراءهم، لا تسعى القوات الموالية لحكومة الوفاق إلى الدخول في محادثات مع "حفتر".

وتعتقد القوات الموالية لحكومة الوفاق أن الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة لها الحق في أن تحكم سيطرتها على كل شبر من التراب الليبي، وأن "حفتر" مجرم حرب يجب سحقه بأي ثمن.

ومن وجهة نظر حكومة الوفاق، فإن تهديد القاهرة للحكومة الليبية الشرعية، والحديث عن "خط أحمر"، أمر غير مقبول.

وفي 22 يونيو/حزيران، أصدرت وزارة الدفاع بحكومة الوفاق بيانا أعلنت فيه أنها "تعمل على خدمة مصالح جميع الإخوة والأصدقاء في إعادة سرت والجفرة إلى سيطرة الدولة، ونتوقع من جميع الإخوة والأصدقاء دعم الحكومة الشرعية من أجل تحقيق الاستقرار على كامل الأراضي الليبية".

من جهتها، تدرك مصر التهديد الخطير الذي تمثله الفصائل المرتبطة بـ"الإخوان المسلمون" والجهات الإسلامية الأخرى التي تنتمي إلى حكومة الوفاق والتشكيلات المتحالفة مع الحكومة.

وكما قال "السيسي"، فإن أي عملية عسكرية مصرية في ليبيا لصد حكومة الوفاق الوطني "سيكون لها شرعية دولية"، لأن بلاده ستقاتل لمنع "تهديدات المليشيات الإرهابية والمرتزقة"، على حد قوله.

ومثل أبوظبي، تريد القاهرة أن ترى العالم العربي منطقة خالية من "الإخوان المسلمين". وبالتالي، لا يريد نظام "السيسي" أن يعيش إلى جوار حكومة إسلامية صديقة لتركيا تسيطر على طول الحدود الليبية المصرية.

الآثار المترتبة في الغرب

لكن أين "الناتو" وسط هذه المواجهة العسكرية المحتملة بين أحد أعضائه ومصر؟ حسنا، لا يمكن اعتبار الأعضاء داخل هذا التحالف الغربي على نفس الخط على الإطلاق.

وتتعاطف فرنسا واليونان مع أجندتي الإمارات ومصر في ليبيا. وتواجه كل من باريس وأثينا مشاكل كبيرة مع خطط أنقرة لشرق المتوسط.

وكانت فرنسا من الرعاة الرئيسيين لـ"حفتر" طوال الأزمة الليبية، ما أثار احتكاكا كبيرا بين الفرنسيين والإيطاليين.

وتدعم اليونان "حفتر" أيضا، بما يتناسب مع استراتيجية البلاد لمواجهة النفوذ التركي في المنطقة، والتي ظهرت في التقارب الأخير بين سوريا واليونان.

وتدعم إيطاليا حكومة الوفاق مما ساهم في تعزيز العلاقات الإيطالية التركية. وترى روما أن فرنسا كانت مضللة ومتهورة في دعم "حفتر"، الذي يمثل جدول أعماله في ليبيا تهديدا كبيرا لمصالح إيطاليا الحيوية التي يأتي على رأسها وقف تدفقات اللاجئين عبر البحر الأبيض المتوسط.

ومثل قطر، من المتوقع أن تقدم إيطاليا الدعم بأشكال مختلفة لحكومة الوفاق الوطني، وبالتالي تركيا. ومع ذلك، لا يمكن للمرء أن يتوقع دخول الجيش الإيطالي المعركة دفاعا عن حكومة الوفاق إذا تدخلت مصر عسكريا.

ويتساءل الكثيرون عما إذا كانت إدارة الرئيس "دونالد ترامب" ستقف إلى جانب تركيا (حليف أمريكا في "الناتو")، أو مصر التي يحكمها "دكتاتوره المفضل".

ومن المحتمل أن لا يقف "ترامب" بشكل حاسم مع أحدهما ضد الآخر. وكما هو الحال مع الملفات الدولية التي لا تعد ولا تحصى، فإن السياسة الخارجية لإدارة "ترامب" تتسم بالتناقض.

وبعد وقت قصير من شن "حفتر" هجومه باتجاه طرابلس في أبريل/نيسان 2019، تحدث "ترامب" مع "حفتر" عبر الهاتف وهنأه على جهوده للقضاء على "الإرهاب".

لكن الإدارة شددت بعد ذلك على موقفها الداعم لحكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة الشرعية في ليبيا.

وعلى الأرجح، ستقدم الولايات المتحدة دعما خطابيا لحكومة الوفاق الوطني، لكنها لن تنضم إلى تركيا في دعم للقوات الموالية للحكومة بالأسلحة اللازمة.

وكان أحد الأهداف التركية المهمة في ليبيا هو حشد حلفائها في "الناتو" وراء أجندة موالية لحكومة الوفاق. وفي هذا الصدد، قد يجد المسؤولون في أنقرة أنفسهم محبطين من عدم وجود دعم من الولايات المتحدة وأعضاء الناتو الآخرين.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تتلقى مصر دعما قويا من العديد من أعضاء جامعة الدول العربية، التي ستعمل الإمارات بجد لتوحيدها ضد الإجراءات التركية في ليبيا كما فعلت أبوظبي في مواجهة التدخل العسكري التركي في سوريا والعراق.

لكن كبار ضباط الجيش المصري يدركون أن دخول ليبيا يمكن أن يتحول بسهولة إلى كابوس. وأثبت الجيش التركي قدراته في وقت سابق من هذا العام في إدلب، وأثبتت الطائرات التركية بدون طيار أيضا أنها عامل كبير في تحويل مسار المعركة ضد "حفتر".

ومن المرجح أن تجد مصر صعوبة في تغيير الأوضاع على الأرض بشكل حاسم. بالإضافة إلى ذلك، فإن التحديات الأمنية الكبرى في سيناء، والاقتصاد المتعثر، وآثار وباء كورونا، قد تدفع "السيسي" لإعادة النظر في تهديداته بالتدخل عسكريا في ليبيا.

ويأمل الأتراك وغيرهم في حلف "الناتو" أن يتراجع "السيسي". ولكن إذا لم يفعل الرئيس المصري ذلك، فربما يحتاج العالم إلى الاستعداد لحرب مصرية تركية في ليبيا.

المصدر | جورجيو كافييرو - ريسبونسيبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد