ليبيا تكشف مجددا طبيعة الدور التركي في المنطقة

تركيا القوية في كلِّ مكانٍ تدخله، لا تدخل كغيرها بقوة تدميرية، بل تدخل بقوتها الترميمية والتصالحية والبنّاءة.

دور تكيا البنّاء في سوريا والصومال نموذج لنوع التدخُّل التركي الذي يسعى إلى مساعدة الإخوة للعيش في استقرار وازدهار.

مسرحية ادعاء أن بعض العشائر تطالب السيسي بالتدخل في ليبيا تمثّل بالضبط الطريقة التي اغتصب بها الحكم في مصر.

*     *     *

قام وفد تركيّ رفيع المستوى– يضم كلا من وزير الخارجية ووزير المالية ورئيس الاستخبارات، والمتحدث باسم رئاسة الجمهورية التركية– بزيارة مفاجئة إلى العاصمة الليبية طرابلس.

وكانت هذه أول زيارة على هذا المستوى الرفيع منذ التغيير الكبير في توازن القوى والردع الذي حدث في ليبيا، عقب الدعم التركي للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا.

وبالنظر إلى نوعيّة أعضاء الوفد، يتّضح أنه كان اجتماعَ عمل حول موضوعين، حيث نوقشت فيه تدابير أمنية أكثر جدية، لضمان مستقبل آمِن لليبيا، وكذلك نوقشت فيه الخطوات التي سيتم اتخاذها لإعادة إعمار ليبيا وإنشاء مؤسساتها الحيوية ودعمها من جديد.

منذ تسع سنوات وليبيا تعاني من عدم الاستقرار حتّى توقفت فيها الحياة، ودُمّرت أجزاء كبيرة من المدن، وأصبحت الطرق والمؤسسات الأساسية مخرَّبة وغير صالحة للعمل بسبب عدم الإصلاح وانعدام الاستقرار، وهذه مشكلة جدّيّة وخطيرة نقلت حياة الشعب الليبي إلى وضعٍ لا يُطاق.

لكن تركيا تُحدث الفرق، فتركيا القوية في كلِّ مكانٍ تدخله، لا تدخل كغيرها بقوة تدميرية، بل تدخل بقوتها الترميمية والتصالحية والبنّاءة.

واليوم–على الأقل– في المناطق المحررة من الانقلابيين، أصبحت إعادة إعمار ليبيا على جدول الأعمال، وقد شمّرت تركيا عن سواعدها لتبذل أقصى جهودها لإعادة بناء هذه الأماكن إنجازا لوعدها الذي قطعته لحكومة الوفاق الوطنية المعترف من قبل الأمم المتحدة.

في الواقع، بالنظر إلى الدور البنّاء الذي لعبته تركيا في كلٍّ من سوريا والصومال، فإنّه يمكن لهذين المثالين أيضا أن يكوّنا نموذجا عن نوع التدخُّل التركي الذي يسعى إلى مساعدة الإخوة للعيش في استقرار وازدهار.

ففي سوريا، الحرب المسعورة منذ تسع سنوات دمّرت المدن والقرى والمصانع والمستشفيات، وإرهابُ النظام والمنظمات الإرهابية الأخرى حوّل حياة السوريين إلى جحيم لا يُطاق.

ولكن إذا رأينا المناطق الآمنة في الشمال السوري حيث تدخّلت تركيا وأمّنت تلك المناطق، فسنجد أن الناس أصبحوا قادرين على التنفس، بعد أن رمّمت تركيا الكثير من المنشآت والطرق والمدارس والمساجد، وأوصلت إليها الخدمات الحيوية الأساسية.

وحاليا، بالإضافة إلى 4 ملايين سوري يعيشون في تركيا ضمن نظام الحماية المؤقتة التركي، فإنّ مناطق إدلب وجرابلس والباب وعفرين، وغيرها من المناطق السورية التي أمّنتها تركيا ضمن عمليات درع الفرات، وغصن الزيتون، ونبع السلام، يعيش فيها ما مجموعه 6 ملايين سوريّ، وتركيا تجري حاليا إعادة بناء مؤقتة أو مرحلية في تلك المناطق لتؤمِّن الأمن الحياتي للسوريين القاطنين هناك.

وهكذا فإنّ تركيا أصبحت ملاذا أو مصدر أمان لعشرة ملايين نفس سوريّة، والمناطقُ الآمنة التي تشرف عليها تركيا وترعاها يلوذ بها السوريون الناجون من الموت، بعدما قام الأسد -وإيران وروسيا والمليشيات المدعومة إماراتيا- بإحراق بيوتهم.

وفي الوقت الذي توزّع فيه تركيا المعونات على القاطنين هناك، فإنّها باليد الأخرى تجري أعمال الترميم وإعادة الإعمار المؤقتة، لتأمين حدّ مقبول من الحياة الكريمة اللازمة لقاطني تلك المناطق.

والجميع يعرف ما جرى في الصومال، فعندما كانت الدولة تعاني من انهيار المؤسسات الحكومية وانهيار الاقتصاد تدخّلت تركيا، ومدّت للإخوة في الصومال يدَ العون لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها ولاستنهاض الاقتصاد حتى يقف على قدميه من جديد، والحمد لله تمكّن الصومال من إعادة تنظيم موارده، وأصبحت المنطقة مستقرّة نسبيا وقابلة للحياة.

لكنْ انظروا إلى الدول الأخرى التي تتدخل، فإننا جميعا نرى أن الحلف الذي تدخّل في اليمن منذ أبريل/نيسان 2015–على أساس إنقاذ الشعب اليمني والشرعيّة من مدبري الانقلاب– لم يفعل هناك شيئا سوى مزيد من الدمار والمذابح ومزيد من عدم الاستقرار.

ففي البداية، أعطى التحالفُ الشعبَ اليمني -الذي عانى من إرهاب الحوثيين- أملاً كبيرًا في قوات التحالف بين الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر. لكن سرعان ما ترك هذا الأمل مكانه لخيبة أمل كبيرة، لأن هذا التحالف لم تكن لديه نية لإنقاذ الشعب اليمني أو منحه حياة أفضل.

فمنذ أن بدأت عملية "عاصفة الحزم" التي أطلقها التحالف، واليمنيّون يتضورون جوعًا أكثر من أي وقت مضى على امتداد تاريخ اليمن الذي كان يُسمّى "اليمن السعيد"، وقد مات عشرات الآلاف من أطفال اليمن جوعا.

واليوم، قد تشكّل اعتقاد وقناعة عند أبناء الشعب اليمني أن النية الحقيقية لقوات التحالف ليست تحقيق الاستقرار في اليمن أو إنقاذ الشعب اليمني من مدبري الانقلاب، خاصة أن الإمارات ليس لها أي غرض سوى الاستيلاء على موانئ اليمن وموارده الطبيعية.

ومع الأسف، فإن عملية الإمارات الأخيرة في جزيرة سقطرى– تحت ناظرَي السعودية– هي محاولة احتلال نموذجية.

والجميع يعلم أنّ قوات التحالف في اليمن إذا أرادت– بنية صادقة– فيمكنها أن تحلّ المشكلة في وقت قصير جدًا، فهُم لا يواجهون انقلابيين أقوياء جدّا، لكنهم مع ذلك لم يحاربوا الانقلابيين كما ينبغي!

ولم يدعموا جيش الحكومة الشرعية بالقوة اللازمة، بل حاولوا الاستفادة من تطويل أمد الحرب واستمرار عدم الاستقرار والوفيات والمجازر، لتحقيق أطماعهم ومخططاتهم، بينما اليمنيون كلّهم يدفعون الثمن يوميا.

وفي الضفة الأخرى، عندما ننظر إلى ما فعلته تركيا في الصومال وسوريا والآن ليبيا بوقت قصير، يُرى يقينا أن إمكانية حل المشكلات ليست بالمعقدة أو البعيدة، ولا تحتاج هذه السنوات الطويلة من الجوع والموت والتدمير.

وقد رأينا التدخل التركي في ليبيا -بطلب من الحكومة الشرعية- كيف كان تدخُّلا سريعا ونوعيّا وغيّر توازنات القوى في وقت قصير للغاية، وأقام الاستقرار في جزء من ليبيا، ما جعل هذه المناطق الآن أكثر ملاءمة للعيش بالنسبة للشعب الليبي، ولكن شاهدنا جميعا دكتاتور مصر المنقلب على إرادة الشعب المصري (السيسي) يعلن انزعاجه.

ففي حين كان الخطر الحقيقي الذي يستهدف مصر هو الجفاف الشديد والجوع والتهديد الأمني الذي قد ينشأ عن قضية سدّ النهضة الذي بنته إثيوبيا على النيل بمباركة السيسي نفسه، رأيناه يطلق تصريحات تستهدف تركيا التي تنشر الاستقرار والسلم الاجتماعي في ليبيا، ولم تتأخر الإمارات والسعودية في تأييد هذه التصريحات أو التهديدات.

وبالطبع، هذه التصريحات ليست من النوع الذي يجب أخذه على محمل الجد بالنسبة لتركيا، لأن هذه القوى -التي هي السبب الرئيسي في عدم الاستقرار بليبيا- ليس لديها ما تقوله، غير أن موقفها في هذا الصدد دليل جدّي على ذلك.

وفي الواقع، فإنّ التهديد الحقيقي لأمن مصر وحدودها هو إسرائيل وأولئك الذين لا يدعمونها الآن للدفاع عن مياهها في مقابل إثيوبيا، بل يحرّضونها ويوجّهونها ضد تركيا.

وإنّ مثل هذا التحالف لن يُوقِفَ تركيا، بل على العكس هي ماضية في إحلال السلم والأمن والمساعدة، بناء على طلب من الحكومة المعترف بها دوليا.

ولكنْ ما المنطق الذي يعتمد عليه السيسي عند إعلان "سرت والجفرة" خطا أحمر، وكيف يكون دخول قوات الحكومة الشرعية الليبية إلى مدنها تهديدا لأمنه؟!

علاوة على ذلك، فإن هذه المسرحية – المدعية أن بعض العشائر تطالبه بالتدخل في ليبيا – تمثّل بالضبط الطريقة التي اغتصب بها الحكم في مصر.

يقول "إن الشعب الليبي…"، وفي الواقع، هو يقصد مجموعة من الشعب الليبي، طلب منه التدخل ثم يدعوهم إلى التحرّك وأن يعطوه التفويض بالتدخل في ليبيا.

وهكذا بالسيناريو نفسه انقلب على إرادة الشعب المصريّ، وهو منهج قطّاع الطرق والانقلابيين والغُزاة في صناعة شرعية مزيفة لهم، وهو في الوقت نفسه المنطق المارق الذي يحكم -مع الأسف- على العالَم الإسلامي كله بعدم الاستقرار والفقر.

ومع ذلك فلا توجد شرعية حقيقية لدعوة السيسي– ومن يقف وراءه– للتدخل في ليبيا. وأمّا آماله وأمنياته في لعبة دعوة العشائر إلى (التسليح والتدريب والقتال)، فإنّها لن تزيد في تضخم ملفّ جرائمه الدولية إلا قليلا.

* د. ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي.

المصدر | الجزيرة نت