اعتقد آل "سيف" أنهم تحملوا أسوأ ما يمكن أن توقعه عليهم الأنظمة المصرية المتعاقبة، حيث تم اعتقالهم جميعًا للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات، خلال سنوات نشاط الأب والأم والبنات والابن.

لكن حتى هؤلاء صدموا، الشهر الماضي، عندما تعرض 3 من أفراد العائلة للهجوم من قبل "بلطجية" نظاميين، قبل أن يتم اعتقال الابنة الصغرى أثناء محاولتها تقديم بلاغ للنائب العام في اليوم التالي، فيما يعد أحدث فصول حملة القمع التي يقودها الرئيس "عبدالفتاح السيسي"، والتي أصبحت أكثر وقاحة وأوسع نطاقا هذا العام، وفقا لجماعات حقوق الإنسان.

توسع القمع

وقالت "منى سيف "، شقيقة "علاء عبدالفتاح" و"سناء"، اللذين يقبعان في السجن الآن: "اعتقدنا بصدق أننا مررنا بالأسوء مع السيسي، ولكن يبدو أن لديهم الكثير من الوقائع العنيفة الأخرى لنا، لا أعتقد أنني مررت بمثل هذه الأوقات الخانقة على العديد من المستويات."

تعد "سناء" البالغة من العمر 26 عامًا، واحدة من أكثر من 70 شخصًا، بمن في ذلك 9 أطباء وعاملين في المجال الطبي على الأقل، و5 صحفيين، ومحامييْن تم القبض عليهم بشكل تعسفي في مصر بين مارس/آذار، ويونيو/حزيران، وفقًا لمنظمة العفو الدولية، في الوقت الذي تتصارع فيه البلاد مع تفشي الفيروس التاجي وعواقبه الاقتصادية.

وقال "حسين باعومي"، الباحث في منظمة العفو الدولية: "من المؤكد أننا نشهد زيادة في الاعتقالات، ليس فقط في الأرقام، ولكن أيضًا من حيث مكانة الأشخاص الذين تستهدفهم الحكومة".

تدهورت حالة حقوق الإنسان في مصر بسرعة بعد أن قاد "السيسي"، وزير الدفاع السابق، انقلابًا في عام 2013 أطاح بـ"محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في البلاد.

في البداية، كان الإخوان المسلمون، الجماعة التي ينتمي إليها "مرسي" محور اهتمام الأجهزة الأمنية، حيث قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 800 من أعضاء الجماعة وأنصارها خلال أحداث الفض الدامية لاعتصام رابعة العدوية في القاهرة في أغسطس/آب 2013 وسُجن الآلاف في السنوات التي تلت ذلك.

ولكن مع عزم النظام على سحق أي شكل من أشكال المعارضة، أصبح العشرات من النشطاء العلمانيين والصحفيين والمدونين والمحامين أهدافًا لموجات القمع، لا سيما أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2018، والتي فاز بها "السيسي" بنسبة 98%، وبعد اندلاع نادر لاحتجاجات الشوارع في سبتمبر/أيلول الماضي.

كثيراً ما يُتهم هؤلاء في المحاكم الأمنية بجرائم مماثلة للإسلاميين، ففي الأسابيع الأخيرة، اتُّهم الأطباء الذين انتقدوا استجابة الحكومة لوباء "كورونا" وسلطوا الضوء على نقص المعدات الواقية، بـ "نشر أخبار كاذبة" و"الإرهاب"، وفقًا لما أفاد به ناشطون.

اعتقالات بارزة

بدأت محنة "سناء سيف" الأخيرة عندما تعرضت هي وأمها الأستاذة الجامعية "ليلى سويف" وأختها "منى" للضرب بالعصي من قبل نساء مستأجرات من قبل الأجهزة الأمنية، أثناء انتظارهن خارج سجن طره، جنوب القاهرة، على أمل تلقي رسالة من شقيقهم "علاء عبدالفتاح"، أحد شباب ثورة يناير التي أطاحت بالرئيس المخلوع "حسني مبارك".

وسُجن "علاء" على خلفية احتجاجات سبتمبر/أيلول، بعد 6 أشهر من قضائه فترة حبس لـ5 سنوات، على الرغم من عدم مشاركته في المظاهرات.

في اليوم التالي للهجوم، ذهبت "سناء" و"منى" ووالدتهما إلى مكتب المدعي العام لتقديم شكوى، وفيما كانت "سناء" تقف عند أحد حواجز الدخول برفقة صديق، قام رجال بملابس مدنية بجذبها إلى حافلة صغيرة وأخذوها إلى نيابة أمن الدولة العليا، التي تحقق في تهديدات الأمن القومي.

وقالت منظمة العفو الدولية إنه جرى اتهامها بنشر أخبار كاذبة والتحريض على الجرائم الإرهابية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تم نقلها إلى سجن القناطر، وقالت الأسرة إنها لم تتصل بها منذ ذلك الحين.

وتشمل الاعتقالات البارزة الأخرى "نورا يونس"، رئيسة تحرير موقع "المنصة" الإخباري، و5 من أبناء عم "محمد سلطان"، وهو ناشط مصري مقيم في الولايات المتحدة قدم، الشهر الماضي، شكوى في محكمة أمريكية ضد رئيس الوزراء السابق "حازم الببلاوي".

يقول "سلطان"، في دعواه، أنه تعرض للتعذيب في عام 2013 أثناء وجوده في سجن مصري عندما كان "الببلاوي" -وهو الآن مدير تنفيذي في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي- رئيسا للوزراء.

وأُفرج عن "نورا يونس" بكفالة، لكن أبناء عم "سلطان" ما يزالون يقبعون في السجن، حيث يعتقد "سلطان" أنهم سيتهمون بالانتماء إلى منظمة إرهابية ونشر معلومات كاذبة.

وقال "سلطان" إنه يعتقد أن أبناء عمومته اعتقلوا ردا على القضية التي رفعها في الولايات المتحدة، والتي ذكر فيها "السيسي".

وقال "سلطان"، الذي كان والده عضوًا سابقًا في الجهاز الإداري لـ"مرسي"، ويقبع في السجن منذ 7 سنوات: "قمع السيسي يهدف إلى تحقيق الردع. ستتلقى الظلم وسوء المعاملة وستصمت".

التذرع بالجائحة

وقال "سلطان" إن تفشي وباء "كورونا" أصبح ذريعة لتمديد حملة القمع التي بدأت العام الماضي، حيث تجرأ النظام مع شعوره بأن العالم الخارجي مشتت بسبب الوباء.

ويُنظر إلى "السيسي" على أنه حليف مهم للغرب، لا سيما في الحرب ضد التطرف، لدرجة أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" وصف "السيسي" مازحا العام الماضي بأنه "ديكتاتوره المفضل".

وقال ناشط، طلب عدم الكشف عن هويته، إن إرث ثورة 2011 يدفع السلطة لتعزيز القمع، بسبب رغبة مسؤولي النظام في منع أي فرصة لتكرار الانتفاضات الشعبية، خاصة مع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة.

وقال الناشط: "لا يزال هناك (في الأجهزة الأمنية) نفس الأشخاص الذين خسروا المعركة في 2011، لقد أمضوا عامين ونصف حتى انقلاب 2013، وهم يستمعون لما هو أكثر من النقد، وذكرت أسماؤهم والمؤسسات التي يمثلونها، والآن لن يسمحوا لأي شخص بالتحدث".

المصدر | فاينانشيال تايمز - ترجمة الخليج الجديد