الاثنين 6 يوليو 2020 01:54 م

يتهيأ المسرح السياسي والعسكري في ليبيا، لتغيرات ديناميكية، ونوعية، قد يكون من شأنها تغيير معادلة الصراع مستقبلا في البلاد.

وتستعد تركيا بالتعاون مع حكومة "الوفاق"(معترف بها دوليا)، لتدريب وبناء جيش ليبي محترف، وفق مذكرات تعاون رسمي بين الطرفين.

ويقضي الاتفاق الذي تمخض عن زيارة وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار"، برفقة وفد عسكري رفيع المستوى، إلى العاصمة طرابلس، منذ أيام، بفتح مراكز تدريب، ستكوة نواة لجيش نظامي ليبي.

طموح مشترك

وفق نائب وزير الدفاع في حكومة "الوفاق" الليبية، "صلاح النمروش"، فإن الدعم التركي لطرابلس في مجالات التعاون العسكري والأمني، يشمل برامج بناء القدرات الأمنية والدفاعية في إطار مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وسبق أن عبر "النمروش" عن رغبة طرابلس في الاستفادة من خبرات الجيش التركي كأحد جيوش حلف الناتو، قائلا: "نريد أن ننقل الخبرة والمعرفة التي اكتسبها إلى الجيش الليبي، والجانب التركي رحب بمساعدتنا في بناء جيش ذي معايير عالية".

في السياق ذاته، أكد وزير الدفاع التركي "خلوصي أكار"، أن تركيا تعمل على تلبية احتياجات الشعب الليبي الشقيق.

الهدف ذاته، أكد عليه مرارا الساسة الأتراك، وفي مقدمتهم الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، قائلا مطلع العام الجاري: "سندرب قوات الأمن الليبية ونساعدها في محاربة الإرهاب، وتهريب البشر وتهديدات أخرى خطيرة تزعزع الأمن العالمي".

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أكد وزير الخارجية التركي، "مولود جاويش أوغلو"، على مواصلة تدريب قوات حكومة "الوفاق"، واصفا عملية التدريب بأنها "شرعية".

وردا على سؤال حول ما إذا كان نهج أنقرة العسكري بشأن ليبيا سيتغير بعد اتفاق برلين، أجاب: "لدينا اتفاق مع ليبيا على التعليم والتدريب، هذا بالضبط ما نفعله وهذا جهد مشروع".

خطة مدروسة

يجدر الإشارة هنا إلى أن الخطط التركية لتدريب قوات "الوفاق" ليست وليدة اللحظة، بل سبقتها ترتيبات وخطوات على أرض الواقع.

ففي يناير/كانون الثاني الماضي، وعقب تعرض الكلية العسكرية في طرابلس، لهجوم صاروخي أسفر عن مقتل 30 طالبا وإصابة 33 آخرين، بدا أن هناك اتجاها لدى "حفتر" لتدمير قدرات "الوفاق" وهو ما فطنت إليه أنقرة.

بعدها بشهور، جاء الكشف عن سفر 190 من طلاب الكلية العسكرية بطرابلس لاستكمال دراستهم في تركيا.

ووفق المتحدث باسم الكلية العسكرية، العميد طيار "سعيد المالطي"، فإن دفعة تضم 165 طالبا ستستغرق دراستهم 5 أشهر، ودفعة تضم 25 طالبا ستستغرق دراستهم 22 شهرا.

وتعني الخطوة، أن "الوفاق" سيكون لديها في غضون شهور، كوادر مدربة على قيادة الطائرات، والاستطلاع والمناورة، ما يمنحها تفوقا نوعيا في الجو على قوات "حفتر".

كذلك تدرس طرابلس إدماج ثوار المدن الليبية في جيش نظامي، ضمن عملية دمج تتم وفق معايير عالمية، لتأسيس جيش بعيد عن القبلية والمناطقية.

وتشمل الخطط المطروحة، معالجة الوضع الحالي عبر تشكيل قوة استجابة سريعة، بقدرات متطورة، على أن تكون أشبه بقوات "كوماندوز" تسند إليها مهام صعبة.

خطوات عملية

ولم يتوقف الجهد التركي عند ذلك، بل شمل في غضون فترة قصيرة، تحديثا لأسلوب العمليات، ونوعية التدريبات، وضبط غرفة العمليات، ورفع كفاءة الاستطلاع والمراقبة.

وشملت الخطط التركية دعم الطيران، وتعزيز الدفاعات الجوية، وفرض الهيمنة الجوية بواسطة الطائرات المسيرة، وهو الأمر الذي زاد من قدرات الجيش الليبي.

وقد مكن الاتفاق الأمني، الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قوات "الوفاق" من نصب منظومات دفاع جوي متطورة في كل من طرابلس ومصراتة.

ووفق مدير مركز "بيان" للدراسات الليبية (مقره إسطنبول)، "نزار كريكش"، فإن تركيا قامت بما لم تقم به الأمم المتحدة منذ عام 2011، حينما وقعت عشرات الاتفاقات لتدريب القوات المسلحة في ليبيا لكن تلك الاتفاقيات بقيت حبيسة الأدراج.

ويرى "كريكش" أن أنقرة تتجه لبناء نواة لجيش ليبي حقيقي سيستمر بعد الحرب، وفق الاتفاق الموقع بين الطرفين، مع استمرار تقديم الدعم التقني واللوجستي له.

وتحتفظ تركيا بمركز عمليات على الأراضي الليبية، ويتولى جنرال من الجيش التركي برتبة فريق قيادة المهمة العسكرية في تركيا.

ومنذ يناير/كانون الثاني الماضي، جرى تزويد قوات "الوفاق" برادارات حديثة وأنظمة دفاع جوي وأجهزة رؤية ليلية، وغيرها من القدرات، التي نجحت في تقليم أظفار ميليشيات "حفتر".

تطور استخباراتي

هناك شق آخر من التعاون العسكري يتعلق بجوانب استخباراتية، تصب في صالح تعزيز قدرات "الوفاق" سياسيا وعسكريا.

ففي خلال الشهور الأخيرة، وإثر تدريب نوعي لفرق مكافحة الإرهاب التابعة لحكومة طرابلس، نجحت "الوفاق" في كشف شبكات مرتزقة تابعين لـ"حفتر".

وتمكنت تلك الفرق من إلقاء القبض على 79 من المرتزقة، الذين أدلوا باعترافات تفصيلية عن طرق تمويلهم وتدريبهم، بإشراف من فرنسا والإمارات ومصر، وفق صحف تركية.

وأدلى المرتزقة الموقوفون بمعلومات عن إحداثيات أماكن التدريب والفرق التي دربتهم، ونوعية تسليحهم، وطبيعة العمليات التي تسند إليهم.

ويرى محللون، أن خطوات الدعم التركية لـ"الوفاق" عسكريا واستخباراتيا، ستؤتي أكلها، وستغير الكثير من المعطيات على الأرض، باتجاه منح طرابلس قوات نظامية على درجة عالية من الاحترافية.

ويشعر داعمو "حفتر" بقلق بالغ من التحركات التركية، بدا واضحا في عنوانين تصدرا صحيفة "الشرق الأوسط"(سعودية)، حملا "اتهام تركيا بإعادة تشكيل الاستخبارات العامة في طرابلس"، و"تركيا تعمق تدخلها في ليبيا بتطوير جيش الوفاق".

وحال تمركز تركيا، في قاعدتين ليبيتين هما "الوطية" و"مصراتة"، فإن هذا سيمكنها من تنفيذ إنزال بحري، واستقبال طائرات، وإجراء مناورات، وهو ما سيسرع من وتيرة خططها التدريبية لبناء جيش محترف في ليبيا، له أذرع قوية برا وبحرا وجوا.

ولاشك -وفق مراقبين- أن هذا التطور حال تحقيقه، سيمنح قوات "الوفاق" تماسكا ميدانيا، وتطورا عملياتيا، سيصب في صالحها، بما يمنحها باستمرار اليد الطولى في المعركة.

المصدر | الخليج الجديد