الأحد 12 يوليو 2020 11:52 ص

رغم التحولات الاستراتيجية الأخيرة في ليبيا، من المرجح أن يتكثف الوجود الكبير والمستمر لمختلف الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة في البلاد.

وفي حين يبدو أن حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، بقيادة "السراج"، قد ظفرت بفوز كبير ضد الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده اللواء المتقاعد "خليفة حفتر"، تظل هناك إمكانية لتوسع الصراع.

تضارب المصالح

تتصارع في ليبيا المصالح الاستراتيجية لكثير من القوى مثل تركيا وقطر ومعظم دول الاتحاد الأوروبي من جهة، ومصر والإمارات والسعودية من جهة أخرى، حيث تتجاوز هذه المصالح العوامل الأمنية المتعلقة بتنظيم الدولة، والميليشيات الأخرى، والحدود التي يسهل اختراقها، وحتى قضية الهجرة.

وتعتبر صناعة النفط الليبية وملف إعادة الأعمار عامليْن رئيسيين في المشاركة الدولية في ليبيا، حيث تطمع القوى الإقليمية والدولية في الحصول على نصيبها من هذه الكعكة.

وتمتلك كل من مصر والإمارات والسعودية وقطر وفرنسا وروسيا وإيطاليا وتركيا مصالح اقتصادية في ليبيا، لكن أنقرة اكتسبت ميزة خاصة في هذا الصدد، وذلك بفضل دورها الحاسم في مساعدة حكومة الوفاق على صد قوات "حفتر".

أما بالنسبة لروسيا، فإنها ترغب في الحصول على قاعدة بحرية في جنوب البحر الأبيض المتوسط، فيما تبقى إيطاليا وفرنسا هما الأكثر انخراطًا من بين دول الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى مصالحهما الاستراتيجية في ليبيا.

من جانبها، تركز روما على المصالح الاقتصادية؛ ولا سيما مصالح شركة الطاقة العملاقة "إيني"، كما تهتم أيضا لملف الهجرة غير الشرعية، بينما تتركز مصالح باريس إلى حد كبير على الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، جنبا إلى جنب مع تأمين المصالح الاقتصادية لشركة "توتال" النفطية.

لدى الصين مصالح أيضًا تشبه مصالح روسيا، وتعززها مبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

أما مصر، التي تعد الجار الأقرب لليبيا وأهم حليف لـ"حفتر"، فهي تراقب الوضع عن كثب، ومع ادعائها أن برقة لا تزال قاعدة "للإرهابيين" على حدودها الغربية، تحتفظ القاهرة بعذر لمواصلة دعم القوى المناهضة لحكومة طرابلس.

وفي الفترة الأخيرة، احتدمت التوترات بين الدول التي تدعم حكومة الوفاق الوطني والقوى الداعمة لـ"حفتر"، ففي 20 يونيو/حزيران، أعلن الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" أن بلاده لها الحق المشروع في التدخل عسكريا في ليبيا.

بعد هذا البيان، أصدر وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عادل الجبير" بيانا أكد فيه دعم الرياض للقاهرة وتضامنها مع الإجراءات التي قد يتعين على "السيسي" اتخاذها لحماية الأمن القومي المصري.

إحباط طموحات السعودية ومصر

في حين كان تدخل الرياض في ليبيا ضعيفًا في البداية، فإن قرار "حفتر" شن هجوم على طرابلس منذ أكثر من عام كان مدفوعًا أيضًا بالمصالح السعودية المتمثلة في تكثيف الصراع بين حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي.

وفي مارس/آذار 2019، استقبلت العاصمة السعودية "حفتر" بحفاوة كبيرة، حيث التقى بالملك "سلمان" والعديد من كبار المسؤولين بما في ذلك ولي العهد "محمد بن سلمان".

وأكدت السعودية أن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن المملكة وأن الرياض ستدعم جهود القاهرة لمحاربة "الإرهاب والتطرف" في المنطقة.

يرتبط الدعم الذي تقدمه السعودية والإمارات لـ"حفتر" بشكل أساسي بمواجهتهما مع قطر وتركيا، حيث تتشارك السعودية مع مصر والإمارات في تصوراتهم حول التهديد الذي تشكله جماعة "الإخوان المسلمون".

لكن قطر وتركيا أكدتا مرارا إنهما تتعاملان مع الحكومات الإسلامية المنتخبة، كما في حالتي ليبيا والرئيس المصري الراحل "محمد مرسي"، ولا تتعاملان مع الأحزاب السياسية.

وقد ساهم هذا الصراع في زعزعة استقرار الوضع الاجتماعي والسياسي المعقد بالفعل في ليبيا.

وبالتالي، يمكن تفسير سلوك السعودية الراهن في ليبيا برغبتها في عرقلة التدخل العسكري والسياسي التركي لدعم حكومة الوفاق، وإقامة موطئ قدم دبلوماسي طويل الأمد في البلاد.

وتعتبر المملكة أن المساعدة التركية لحكومة "فايز السراج"، والتي تزامنت مع بدء عمليات التنقيب التركية عن المواد الهيدروكربونية في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، تهديدٌ للاستقرار الإقليمي ولمصر بشكل خاص.

ومن أجل إظهار تضامنها مع مصر، التي تعد أحد أهم حلفاء الرياض في العالم العربي، وتسليط الضوء على معارضتها للسلوك التركي، عززت السعودية تحالفها مع "حفتر".

ففي يناير/كانون الثاني الماضي، ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية أن السعودية دفعت الأموال لمجموعة "فاجنر"، وهي منظمة شبه عسكرية روسية توظف المرتزقة لدعم القوات التابعة لـ"حفتر".

كما يُعتقد أن الرياض عرضت عشرات الملايين من الدولارات لدعم الجيش الوطني الليبي قبل هجوم "حفتر" للاستيلاء على طرابلس، بدعوى توحيد ليبيا تحت سيطرته.

بالإضافة إلى ذلك، دعم الدبلوماسيون السعوديون ووسائل الإعلام السعودية "حفتر" من خلال نزع الشرعية عن سلوك تركيا طوال فترة العمليات العسكرية.

على سبيل المثال، أفادت صحيفة سعودية أن الموانئ في غرب ليبيا عانت من انخفاضٍ حادٍ في الإيرادات بسبب الاتجار المستمر بالأسلحة والمرتزقة تحت الدعم التركي.

ومن المثير للاهتمام أنه في الوقت الذي تحافظ فيه السعودية وتركيا على علاقة اقتصادية براجماتية، فإنه لا يمكن قول الشيء نفسه عن الإمارات وتركيا.

فقد انخفض مستوى التجارة الثنائية بين أنقرة وأبوظبي بشكل حاد بين عامي 2017 و 2018، في حين أن الصادرات السعودية إلى تركيا لم تتغير بشكل كبير في السنوات الثلاث الماضية.

كما ظل الاستثمار المباشر أيضًا دون تغيير بشكل أساسي، حيث حرص الرئيس "أردوغان" على جذب رأس المال السعودي، بما في ذلك حوالي 100 مليون دولار في قطاع الزراعة.

لا رابحين.. وخاسر واحد كبير

تجدر الإشارة إلى أن السعودية كانت من بين أكبر الداعمين العرب للتدخل العسكري ضد نظام "القذافي" في ليبيا في عام 2011.

ومن المفترض أن أهداف السعودية في ليبيا تتلخص في السيطرة على مشاريع الطاقة في البلاد، وجني الفوائد من إعادة الإعمار بعد الحرب، مع تعزيز أمن حليفها المخلص، مصر.

ولكن، يمكن لعقود إعادة الإعمار التي تبلغ قيمتها بمليارات الدولارات أن تسبب خلافات بين الرياض وأبوظبي.

في غضون ذلك، تستعد قطر لإفساد تلك المنافسة بالكامل، فعلى الرغم من أن الدوحة كانت حذرة من طموحاتها الاستثمارية في ليبيا بسبب عدم الاستقرار في البلاد، لكن ميل الكفة لصالح حكومة الوفاق يمكن أن يحفز تدفق الاستثمارات القطرية والتركية.

وفيما تحتاج ليبيا استثمارات كبيرة، فإن التنافسات الجيوسياسية بين المساهمين المحتملين قد ينتهي بها الأمر إلى تقويض وتأخير وصول الأموال.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن حكومة الوفاق ستهزم الجيش الوطني الليبي في برقة، لتنجح في استعادة السيطرة على النصف الشرقي من البلاد، ناهيك عن منطقة فزان الجنوبية.

لكن تراجع "حفتر" يمكن أن ينتهي بإضفاء الطابع الرسمي على تقسيم ليبيا.

ويمكن للتقسيم أن يحقق الحد الأدنى من المصالح الاستراتيجية للكثير من الأطراف، فمن ناحية، سوف يسمح لمصر بالحفاظ على حاجز أمني أمام نفوذ الإخوان المسلمين في طرابلس، بينما يمكن لروسيا استكشاف طموحها لإنشاء قاعدة بحرية في جنوب البحر الأبيض المتوسط، رغم الاعتراضات الأمريكية.

وأخيرًا، يمكن أن تحصل تركيا وقطر على الجائزة الأكبر، حيث أصبحت تركيا الراعي الدبلوماسي الرئيسي لحكومة طرابلس، بالنظر إلى أن جهدها المسلح هو الذي أحبط طموحات "حفتر".

أما أكبر الخاسرين الدوليين فهما إيطاليا والولايات المتحدة، فبعد أن كانت إيطاليا تتمتع بعلاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع ليبيا في عهد "القذافي"، مع امتلاك شركة الطاقة الوطنية الخاصة بها "إيني" حق الوصول إلى أفضل حقول النفط والغاز، فإنها ستفقد الكثير من الامتيازات لصالح تركيا.

ومن المحتمل أيضًا أن ترضخ إيطاليا للنفوذ التركي في قضية المهاجرين، أما بالنسبة لواشنطن، فحتى مع امتلاكها للقليل من الأصول الاستراتيجية في ليبيا، فسوف يتعين عليها قبول احتمالية أن توطد موسكو في جنوب البحر الأبيض المتوسط، ما يمنحها نفوذا كبيرا على البوابة الجنوبية للقارة الأوروبية.

المصدر | أليساندرو برونو | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد