الثلاثاء 14 يوليو 2020 08:33 ص

حزمة تعديلات جديدة، مثيرة للجدل، قد تخلع عن السودان ثوبه الإسلامي، ربما أملا في حصد مكاسب دولية، وتقديم صورة مغايرة في مرحلة ما بعد نظام "عمر البشير".

التعديلات الجديدة، تلغي مادة الردة، وعقوبة الجلد عدا في الجرائم الحدية والقصاص، وتسمح ببيع وشرب الخمر لغير المسلمين، وتجرم ختان الإناث، كما تم حذف عقوبات تتعلق بالأفعال المخلة بالآداب العامة "الدعارة".

وقبل أيام، أقر رئيس المجلس الانتقالي الحاكم "عبدالفتاح البرهان"، تلك التعديلات ضمن قانون مفوضية إصلاح المنظومة الحقوقية والعدلية لسنة 2020، وقانون التعديلات المتنوعة (الحقوق والحريات الأساسية) لسنة 2020، وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية (تعديل) لسنة 2020، والقانون الجنائي (تعديل) لسنة 2020.

أبرز التعديلات

يتصدر التعديلات المثيرة للجدل التي تضمنها قانون "التعديلات المتنوعة" إلغاء مادة الردة، من القانون الجنائي لعام 1991، واستبدالها بمادة تجرم التكفير وتعاقب مرتكبها بالسجن 10 سنوات.

وتضمن التعديلات عدم تعريض شاربي الخمر من غير المسلمين (يشكلون 3% من السكان) لأي عقوبات، ما يعني وقف عقوبة الجلد التي كانت سارية في مسائل تتصل بتعاطي الخمر وصنعها.

وعملت السودان بقانون حظر الخمور منذ عهد الرئيس الأسبق "جعفر النميري" في العام 1983، وذلك عقب تطبيق قانون الشريعة الإسلامية في البلاد، ووقتها أُلقيت زجاجات الخمور في النيل إيذانا ببدء تطبيق ذلك القانون.

ويسمح التعديل الجديد باستيراد الخمور وبيعها واحتسائها، وهو ما قد يعتبر مغازلة سودانية للغرب من جانب، ومحاولة لتنشيط السياحة والاستثمار في البلد الذي يعاني أزمات اقتصادية خانقة.

ونصت التعديلات كذلك على إعادة تعريف "الدعارة" باعتبار أن النص السابق كان فضفاضا، حيث قالت المادة الجديدة "يعد مرتكبا جريمة الدعارة من يوجد في مقر معد لتقديم الدعارة أو أي خدمة جنسية بمقابل مادي".

ومنعت التعديلات الجديدة تطبيق حكم الإعدام على من لم يبلغ سن الثامنة عشرة من عمره، واستثنت أيضا من بلغ سن السبعين من حكم الإعدام، في ما عدا جرائم الحدود والقصاص والجرائم الموجهة ضد الدولة وجرائم المال العام.

وتتيح التعديلات للمرأة السودانية الحق في اصطحاب أطفالها خارج البلاد دون موافقة الزوج، وهو ما كان ممنوعا بموجب القانون السابق.

كما شملت التعديلات تجريم ختان الإناث، مع تحديد عقوبات للمخالفين تصل إلى السجن لمدة 3 سنوات، بالإضافة إلى الغرامة المالية.

وجاء نص التعديل: "يعد مرتكبا جريمة كل من يقوم بإزالة أو تشويه العضو التناسلي للأنثى، ما يؤدي إلى ذهاب وظيفته كلياً أو جزئياً سواء كان داخل أي مستشفى أو مركز صحي أو مستوصف أو عيادة أو غيرها من الأماكن. ويعاقب من يرتكب الجريمة بالسجن مدة لا تتجاوز 3 سنوات وبالغرامة".

تبرير حكومي

في مواجهة ردود الفعل الغاضبة إزاء تمرير تعديلات اعتبرها السودانيون مخالفة للشريعة الإسلامية، حاول المتحدث باسم الحكومة، "فيصل محمد صالح"، التهدئة، قائلا إن التعديلات القانونية تهدف لإزالة المواد المتعلقة بالقيود على الحريات.

وأرجع وزير العدل "نصرالدين عبدالباري"، التعديلات إلى "مواءمة القوانين مع الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية ووفقا للحاجة الملحة بإقرار الحريات وضمان سيادة حكم القانون دون تمييز".

وسعى "عبدالباري" لتبرير كل مادة على حدة، خاصة مادة الردة، مشيرا إلى أن الوثيقة الدستورية نصت على ضمان حرية الاعتقاد، كما أن "تكفير الآخرين" بات مهددا لأمن ولسلامة المجتمع، وفق قوله.

وبشأن حق المرأة في اصطحاب أطفالها عند السفر دون انتظار موافقة والدهم، قال الوزير في تصريحات صحفية، إن الخطوة انطلقت من مبدأ المساواة بين الجميع؛ لأن الرجل لا يكون بحاجة لإظهار موافقة الزوجة، وهذا يتعارض مع مبدأ المساواة.

ولم يستبعد "عبدالباري" الاتجاه إلى إلغاء قانون الأحوال الشخصية واستبداله بقانون آخر بعد تزايد المشكلات الأسرية بشأن الحضانة وغيرها.

وتحت شعار ضمان حقوق غير المسلمين، برر "عبدالباري" تعديل تعاطي الخمر، مشددا على أن "التداول والتناول الجماعي للخمر سيعاقب عليه الشخص غير المسلم إذا تعاون مع شخص مسلم".

وتبلغ نسبة غير المسلمين في السودان نحو 3% من السكان، وفق تقديرات أممية، ويعيش المسيحيون السودانيون بشكل رئيسي في الخرطوم وفي جبال النوبة قرب حدود جنوب السودان.

غضب واسع

منذ إعلان التعديلات الجديدة تتسع جبهة المعارضة لها، وسط غضب في الشارع السوداني الذي يرى أن ثورته لم تكن لمخالفة الشريعة الإسلامية.

وقالت الحركة الإسلامية في السودان، في بيان، إن "ما أجازه مجلس الوزراء من تعديلات في القوانين، وإلغائه لقوانين الشريعة الإسلامية، يعد تجاوزا في صلاحيات الحكومة واختطافا لإرادة الأمة، وتحكما من أقلية غير متفق عليها في إرادة هذا الشعب المسلم ومصيره".

وشددت الحركة على أنها "لن تسمح باختطاف إرادة الشعب المسلم" مضيفة: "إننا نعبر عن إرادة هذا الشعب المسلم التي تأبى الفحشاء وسوء الأخلاق، ومن هذا المنطلق فإننا نقول للحكومة بشقيها المدني والعسكري، إنه قد أعذر من أنذر".

وأعلن مجمع الفقه الإسلامي رفضه التعديلات، مدعما موقفه بالأدلة حول مسائل الردة والخمر والأفعال الفاحشة وغيرها، منتقدا تجاهل وزارة العدل للمذكرة التي بعث بها المجمع في فبراير/شباط الماضي.

وأفتى الداعية المعروف "عبدالحي يوسف"، بعدم طاعة رئيس مجلس السيادة الانتقالي "عبدالفتاح البرهان"، ونائبه الفريق أول "محمد حمدان" (حميدتي)، معتبرا أنهما خانا الله ورسوله.

وقال "يوسف" عبر "تويتر" إن "العمل على اقتلاع هذه الحكومة الفاجرة هو فريضة الوقت وواجب كل قادر"، داعيا من أسماهم شرفاء الجيش والشرطة والأمن والدعم السريع على المنافحة عن دين الله وشرعه.

واتهم القيادي بحركة "الإصلاح الآن" "محمود الجمل"، الحكومة السودانية بارتكاب أخطاء فادحة دون النظر إلى العواقب، محذرا من أن تلك التعديلات مست قضايا مهمة وحساسة صارت جزءا لا يتجزأ من الإرث القانوني والدستوري في البلاد.

مخاطر ومكاسب

الخطورة، أن تلك التعديلات لم تحظ بتأييد أية مؤسسة منتخبة في البلاد، أو إجماع وطني، وهو ما ينزع عنها المصداقية والتأييد الشعبي، بشكل يفقدها مشروعيتها، ويجعلها عرضة للطعن أمام القضاء.

ومن المؤكد أن محاولة التخلص من إرث 40 عاما كانت الشريعة الإسلامية خلالها المصدر الأساسي للتشريع، قد يدخل البلاد في موجة انقسامات حادة، تعصف بمكتسبات الثورة.

ويخشى الشارع السوداني من أن تكون تلك التعديلات مقدمة لتنازلات مستقبلا تمس مواد أخرى في الشريعة الإسلامية، وأن يكون إباحة الخمر لغير المسلمين مثلا بداية لتعميمه في البلاد.

وتعزز تلك التعديلات، المخاوف من حدوث صراع بين القوى الإسلامية (معارضة للتعديلات)، ونظيرتها المدنية (مؤيدة للتعديلات)، مع إشعال الخلاف حول هوية الدولة، وشكل الحكم، كما حدث في مصر عقب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، بما يقوض فرص التحول إلى نظام مدني ديمقراطي في البلاد.

ووفق الخبير الألماني بشؤون السودان، "رومان ديكرت"، فإن السودان بحاجة إلى التغيير، قائلا لـ"DWعربية"، إن "السودان قبل كل شيء، يواجه أزمة اقتصادية ومالية مزمنة، فضلا عن غياب تمثيل الشباب، والفجوة بين الطبقة الوسطى المنكمشة والأقلية الحاكمة".

على صعيد المكاسب، وفي مقابل خسارة رجل الشارع، قد يجني السودان رضا المجتمع الدولي، والمنظمات الغربية، بما يفتح له أبواب التمويل والاقتراض، ويدفع باتجاه تنشيط حركة السياحة والاستثمار.

وتأمل الخرطوم عبر تلك التعديلات، في مغازلة الغرب لرفع السودان من قائمة المراقبة الخاصة بالحريات الدينية، وقائمة الدول الراعية للإرهاب، وغيرها من القوائم السوداء، التي تفرض عليها عقوبات جمة.

يبحث السودان إذن عن ثوب جديد، في محاولة للتخلص من عباءة الإسلاميين؛ لمغازلة الغرب أولا، والانفتاح على المجتمع الدولي، واجتذاب الدعم السعودي الإماراتي المناوئ لأي تواجد إسلامي في السلطة، وفتح الباب أمام تنشيط السياحة وزيادة الاستثمارات، لكن المخاوف تبدو قائمة إزاء مخطط جر القوى الإسلامية والمدنية إلى خلاف أيدلوجي يعصف بالبلاد.

المصدر | الخليج الجديد