لم تكن علاقات تركيا مع الغرب سلسة أبدا، حتى عندما تبنت العلمانية وأصبحت عضوا في الناتو. وكان لهذا تأثير عميق على صناعة الدفاع في البلاد؛ حيث أقنع تاريخ من عمليات حظر الأسلحة أنقرة بأنها بحاجة إلى الدفاع عن نفسها.

في الواقع، عندما فرض الغرب حظرا على توريد الأسلحة إلى تركيا بعد تدخلها في قبرص عام 1974، أنشأت أنقرة مؤسسة القوات المسلحة التركية، التي كانت مسؤولة عن تنسيق أنشطة 14 مصنعا للأسلحة. وفي عام 1975، أنشأت القوات المسلحة التركية مؤسسة "أسيسلسان" لتلبية الاحتياجات الإلكترونية للجيش التركي، مثل الأنظمة الآلية المتقدمة، وأنظمة التوجيه، وتقنيات الاتصالات والمعلومات. ولاحقا في عام 1988، جرى تأسيس شركة "روكستان" المتخصصة في منصات إطلاق الصواريخ وأنظمة الدفاع البحري. وفي عام 2007، تم إطلاق شركة صناعة الفضاء التركية، بالتعاون مع شركة "أوجست وستلاند" البريطانية، مشروع إنتاج طائرات الهليكوبتر "تي 129".

وكانت الحكومة التركية أسست في عام 1985 هيئة تعرف باسم "رئاسة الصناعات الدفاعية"؛ بهدف الإشراف على احتياجات البلاد الدفاعية وضمان توفير متطلبات الأمن القومي. وتخضع هذه الهيئة اليوم للإشراف المباشر من قبل مكتب الرئيس. ومنذ تولي الرئيس "رجب طيب أردوغان" السلطة في عام 2003، ارتفعت نسبة المعدات العسكرية المصنوعة محليا في تركيا من 20% إلى 70%.

  • البحث عن الاستقلال

وفيما يبدو، فإن خطة تركيا هي تحقيق الاكتفاء الذاتي من المعدات العسكرية بحلول 2053؛ بما يمنحها استقلالية تامة عن الضغوط الخارجية في مجال الدفاع. وبما أن الدولة تفتخر اليوم بالعديد من شركات تصنيع الأسلحة المرموقة، فإنها قد تكون قادرة على تحقيق هدفها.

واليوم، تعتبر تركيا رابع أكبر مصدر للأسلحة في العالم، وتستحوذ على قرابة 2% من إجمالي الصادرات العسكرية العالمية. وتقوم أنقرة بتصدير المركبات المدرعة، وطائرات الهليكوبتر الهجومية، ومدافع الهاوتزر، والمركبات الجوية والفرقاطات، وحتى الطائرات بدون طيار. ولديها قاعدة عملاء ثابتة في الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل باكستان وكازاخستان وإندونيسيا وماليزيا وعمان، بينما تحرم العلاقات الضعيفة مع السعودية والإمارات تركيا من الأسواق الإسلامية الأكثر ربحًا.

وفيما تبيع تركيا بعض أسلحتها أيضا إلى جواتيمالا وجيانا وترينيداد وتوباجو، فإنه باستثناء المبيعات الثانوية للولايات المتحدة وألمانيا وهولندا، تميل دول الناتو لعدم شراء العتاد العسكري التركي. ومع ذلك، تعتقد تركيا أن صادراتها العسكرية ستجلب 25 مليار دولار في عام 2023 (وهو رقم متفائل جدا).

يتوقف مستقبل صناعة الدفاع التركية بالأساس على نجاح دباباتها المحلية ومشاريع الطائرات المقاتلة. ويجري تصنيع الدبابة بمساعدة فنية من شركة "هيونداي روتيم" الكورية الجنوبية، ومن المتوقع أن تحل تدريجيا محل دبابات ليوبارد و "إم 60" القديمة. وباستثناء العقبات التكنولوجية غير المتوقعة، من المرجح أن تضع شركة "أوتوكار" دبابتها القتالية في الخدمة قبل نهاية عام 2021.

تأسست شركة صناعات الفضاء التركية (تاي) في عام 1984، وتخصصت في مجال صناعة الأقمار الصناعية لرصد ومراقبة الأرض. وتشارك "تاي" مع شركة "إس إس بي" في مشروع كبير لتصنيع "تي أف إكس"، وهي مقاتلة من الجيل الخامس ستحل محل "إف 16". واكتسب هذا البرنامج أهمية أكبر لتركيا بعد أن قررت الولايات المتحدة وقف تزويدها بمقاتلات "إف-35"  على خلفية قرار "أردوغان" شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400". وبخلاف ذلك، ضغطت الولايات المتحدة بنجاح على شركات مثل "BAE Systems" و"Rolls-Royce" للانسحاب من شراكاتها مع تركيا في بناء محركات "تي أف إكس".

وبدلاً من ذلك، اختارت تركيا تصنيع محركها بنفسها وتعاقدت من الباطن مع "أسيسلسان و "TR Motor" لتطوير محرك محلي. لكن الإجراءات العقابية التي تتخذها الولايات المتحدة ضد تركيا من المرجح أن تؤخر إطلاق طائرة "تي أف إكس" الأولى من عام 2023 إلى عام 2029. وقد حاول المسؤولون الأتراك تسويق مشروع "تي أف إكس"، كأول طائرة إسلامية، لكن محاولاتهم لجعل الطائرة مشروعا متعدد الأطراف باءت بالفشل، بعدما اختارت ماليزيا وباكستان وإندونيسيا وكازاخستان البقاء خارج المشروع.

في الوقت نفسه، تواجه صناعة الدفاع التركية تحديات خطيرة تشمل هجرة الأدمغة، وانخفاض قيمة العملة، ونقض الإمدادات الأجنبية، وتأثير النزاعات الإقليمية. وقد تسببت الأزمة المالية في تركيا في انخفاض القوة الشرائية لغالبية المواطنين؛ ما دفع العلماء الأتراك الموهوبين للبحث عن عروض عمل مربحة في الخارج تتناسب مع مؤهلاتهم. وفي الوقت نفسه، أضعفت علاقات تركيا المتوترة مع العديد من دول الشرق الأوسط من الفرص المتاحة أمام صادرات الأسلحة التركية.

علاوة على ذلك، تبقى صناعة الدفاع هشة بطبيعتها؛ لأنها تعتمد بشكل كبير على المدخلات الأجنبية، وكثير منها يأتي من أوروبا. وفي الربع الأخير من 2019، فرض الاتحاد الأوروبي قيودا على تصدير المواد الخام والمكونات المستخدمة في صناعة الأسلحة إلى تركيا. ومن المرجح أن تؤدي هذه العقوبات المتكررة إلى إعاقة إنتاج الأسلحة وحرمان تركيا من الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة؛ ما يجعل منتجاتها العسكرية أكثر تقليدية مقارنة بنظرائها.

  • إبراز القوة

في ديسمبر/كانون الأول 2018، وقع "أردوغان" على مرسوم لخصخصة مصنع دبابات شهير لتتم إدارته بواسطة شركة تركية قطرية لمدة 25 عاما. ورغم أن العديد من القوميين الأتراك كانوا مقتنعين بأن إشراك دولة أجنبية في هذه العمليات يقوض الأمن القومي التركي، ينظر "أردوغان" ما وراء المعنى الضيق للأمن القومي ويطمح إلى تأسيس دور أكبر لتركيا في الشؤون الإقليمية.

يعتقد "أردوغان" أن القدرة العسكرية الرادعة ضرورية لتحقيق النفوذ الإقليمي. وقد أدى الدعم العسكري التركي لحكومة "الوفاق الوطني"، التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، إلى تحويل المعركة ضد القوات التي يقودها "خليفة حفتر"، المدعوم من الإمارات وروسيا ومصر. وقبل بضعة أشهر، ألحقت الطائرات بدون طيار التركية خسائر فادحة بقوات النظام السوري وأوقفت تقدمها في إدلب.

لا يثق "أردوغان" بموردي الأسلحة في الغرب، ولديه رؤية سياسية للابتعاد عن "الناتو"؛ فهو يشعر بالمرارة لأن 8 دول أعضاء في الحلف أرسلت قوات إلى ليتوانيا لردع روسيا عن التطفل على دول البلطيق، لكن أيا منها لم يبد اهتماما بإرسال قوات إلى شمال سوريا لحماية الجناح الجنوبي للحلف.

وبهذا المعنى، فإن صناعة الدفاع تعد جزءا من طموحات "أردوغان" الإقليمية الأكبر. ويرى "أردوغان" نفسه كمصلح إقليمي، وهو يرغب في توسيع نفوذ بلاده إلى وراء حدودها. وتحقيقا لهذه الغاية، ركز جهوده على كبح جماح الجيش التركي، الذي كان يُنظر إليه سابقا على أنه ضامن العلمانية؛ حيث أقال جميع المشاركين في محاولة انقلاب عام 2016، بما في ذلك أنصارهم في البيروقراطية والأوساط الأكاديمية، وسجن حوالي ثلث كبار ضباط الجيش والقوات الجوية.

غالبا ما تقارن سياسات "أردوغان" وطموحاته مع السلاطين العثمانيين الأكثر نفوذا. وفي طريقه لتحقيق هذه التطلعات، يدرك الرئيس التركي أن عليه أن يمنح بلاده أكبر قدر من الاستقلالية عن النفوذ الغربي، ويعد تطوير صناعة دفاع محلية مرموقة هو الخطوة الأولى والأهم في هذا الطريق.

المصدر | خليل جهشان/ جيوبوليتكال فيوتشر – ترجمة وتحرير الخليج الجديد