الأربعاء 15 يوليو 2020 01:38 م

تسارع لافت في خطوات التقارب السياسي والاقتصادي بين الإمارات والسعودية من جانب، واليونان من جانب، يحمل في طياته الرغبة في تحالف وثيق لخدمة أهداف سياسية.

وتسير أبوظبي على خطى حليفتيها الرياض والقاهرة، في إقامة شراكة أكثر عمقا مع أثينا، قد ترتقي مستقبلا إلى زواج مصالح؛ في محاولة لمناكفة الجارة تركيا (تقع على الحدود الغربية لليونان).

وتخفي علاقات الغرام المفاجئ بين الطرفين، معركة من نوع آخر حول النفوذ مع تركيا، على صلة بصراعات علنية في ليبيا، وسوريا، بالإضافة إلى تعقيدات تتعلق بالأزمة مع قطر والدعم التركي للدوحة، والتنافس المحموم على غاز المتوسط.

تقارب لافت

ويأخد التقارب بين البلدين صورا عدة، بدت في مباحثات قبل أيام، بين وزير الخارجية الإماراتي، "عبدالله بن زايد آل نهيان" ونظيره اليوناني "نيكوس دندياس"؛ لمناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة، وعدداً من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

والثلاثاء الماضي، بحث ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد آل نهيان"، ورئيس وزراء اليونان "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، هاتفيا، العلاقات الثنائية وآخر التطوارت في منطقة البحر المتوسط.

وفي مايو/أيار الماضي، أرسلت الإمارات 11 طنا من المساعدات والمعدات الطبية العاجلة إلى اليونان، بدعوى مواجهة مواجهة فيروس "كورونا".

وفي العام الماضي، أبرمت شركة "مبادلة" الإماراتية (حكومية)، بالتعاون مع شركة "أميرا كابيتال" (مقرها الولايات المتحدة)، صفقة استحواذ على ثلاث شركات يونانية لاستزراع الأسماك، من بينها "سيلوندا" و"نيريس".

ويعقد البلدان "المنتدى الاستراتيجي الإماراتي - اليوناني" أواخر شهر يوليو/تموز الجاري، لبحث ملفات التعاون الثنائي، وفق وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية "وام".

بيان خماسي

وعلى الرغم من أن الإمارات ليست من دول البحر المتوسط، لكن البيان الصادر في مايو/أيار الماضي، ضد تحركات تركيا شرقي المتوسط، تضمن توقيع أبوظبي.

وأدانت كل من الإمارات ومصر وفرنسا واليونان وقبرص، في بيان مشترك، ما وصفته بـ"بالتحركات التركية غير القانونية الجارية في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية قبرص ومياهها الإقليمية".

ومن قبرص إلى اليونان، أدان البيان الخماسي، انتهاكات تركيا للمجال الجوي اليوناني، واتهم أنقرة بدفع اللاجئين نحو عبور الحدود البرية والبحرية اليونانية بشكل غير شرعي.

وحمل البيان، صراعا خفيا بين الموقعين عليه، وتركيا، على خلفية الأزمة في ليبيا، حيث اعتبر "الخماسي" أن مذكرة التفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، ومذكرة التفاهم التعاون الأمني والعسكري بين أنقرة وطرابلس، تقوضان الاستقرار الإقليمي.

وتدعم الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا واليونان، إلى جانب روسيا، الجنرال الليبي "خليفة حفتر"، بينما تدعم تركيا حكومة "الوفاق" المعترف بها دوليا (مقرها طرابلس).

قمة ثنائية

على المنوال ذاته، توهجت علاقة الغرام السياسي بين الرياض وأثينا، وتحديدا خلال العام الجاري، بانعقاد قمة سعودية يونانية، جمعت الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، وولي عهده "محمد بن سلمان"، مع رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، فبراير/شباط الماضي.

وفي مايو/أيار الماضي، أقر مجلس الوزراء السعودي، رسميا، اتفاقية للتعاون في مجال خدمات النقل الجوي مع اليونان.

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، عينت الرياض أول سفير لها في نيقوسيا، عاصمة قبرص، وأعلنت دعمها لـ"مشروعية قبرص وسيادتها"، وهو ما بدا انحيازا تاما إلى قبرص اليونانية في نزاعها مع تركيا بشأن مستقبل الجزيرة المقسمة بين البلدين منذ العام 1974.

لاحقا، تطور الموقف السعودي بوعد من الملك "سلمان" لوزير خارجية قبرص اليونانية "نيكوس كريستودوليديس"، خلال زيارته للرياض، مطلع العام الجاري، بتقديم الدعم اللازم لبلاده في شرقي المتوسط.

ومن المنظور الاقتصادي، تعول اليونان على دعم سعودي إماراتي لمشروع خط أنابيب "إيست ميد"، الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي إلى القارة الأوروبية بداية من العام 2025، بتكلفة نحو 7 مليارات دولار.

ويعد المشروع، حال تنفيذه، ورقة رابحة لمناكفة تركيا، وتكبيدها خسائر فادحة، عبر التأثير سلبا على خطها الناقل للغاز الروسي إلى أوروبا، بقدرة 31 مليار متر مكعب سنويا، وهو ما يهمش مستقبلا من أهمية خط "السيل التركي".

مخلب قط

وتعد اليونان الخصم التقليدي والتاريخي لتركيا، منذ استقلالها عن الامبراطورية العثمانية العام 1832، وقد خاض البلدان 4 حروب كبرى في أعوام 1897، و1912، وبين عامي 1914-1918، وعامي 1919-1922.

وهناك خلافات مستمرة بين البلدين الأوروبيين (عضوان في حلف الناتو) حول جزيرة قبرص وبحر إيجة، وحقوق التنقيب عن مصادر الطاقة في المتوسط.

وتاريخيا، يمكن الجزم بأن اليونان لم تكن هدفا استراتيجيا لدول الخليج؛ لعدم وجود خطوط تماس مع مصالحها، فضلا عن انهيار اقتصادها، وتعرضها للإفلاس قبل سنوات.

بمعنى آخر، لا تمتلك اليونان ما يغري البلدين الخليجيين بتحقيق هذا التقارب والتحالف معها، لكن الساسة، ووفق لغة المصالح، قد يتغاضون عن ذلك.

وبالنظر إلى رغبة أثينا المتحفزة للعب دور مواز لتركيا، تسعى كل من أبوظبي والرياض، إلى استقطاب اليونان، والعمل على تحويلها إلى مخلب قط لمواجهة نفوذ أنقرة.

ووفق الأكاديمي التركي "نجم الدين أجار"، فإن التحالف السعودي الإماراتي، يريد إبقاء تركيا منشغلة بمشاكل الجوار، دون أن يتمدد نفوذها باتجاه الخليج، أو شمال إفريقيا.

كذلك تسعى أبوظبي والرياض من خلال استراتيجية جديدة، إلى توطيد العلاقات مع خصوم أنقرة (اليونان - قبرص) من أجل خلق تحالف قادر على احتواء نفوذ الأخيرة.

ولا يمكن التغاضي عن ثروات شرقي المتوسط، التي باتت مطمعا لقوى إقليمية ودولية، تتصارع على  منطقة تعوم على بحر من الغاز والنفط، تقدر احتياطياته بـ122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليارات برميل احتياطي من النفط.

ويعد شرق المتوسط من أهم أحواض الغاز في العالم، إذ أن المنطقة تعوم فوق بحيرة من الغاز تكفي لتلبية حاجة السوق الأوروبي لمدة 30 عاما، وهو ما يجعل السعودية والإمارات يبحثان عن موطئ قدم هناك من خلال بوابة أثينا. 

المصدر | الخليج الجديد