الأحد 19 يوليو 2020 06:03 م

يتفاقم الآن الصداع في أوروبا، فقد فشلت جهود الاتحاد الأوروبي لاحتواء الحروب على عتبة بابه في ليبيا وسوريا، في وقت تكافح فيه أوروبا للسيطرة على جائحة "كوفيد-19" والتعامل مع تداعياتها الاقتصادية.

واندلعت الحروب بالوكالة في المنطقة بشكل وضع الإمارات والسعودية ومصر ضد قطر وتركيا من ليبيا وسوريا إلى شرق البحر المتوسط.

وتشعر الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا واليونان وقبرص، بالتهديد من استخدام تركيا لليبيا لتوسيع قبضتها على المياه الإقليمية الغنية بالغاز، ونتيجة لذلك، أصبحت نزاعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مشكلات أوروبية.

وأجبرت حكومة الوفاق الوطني الليبية، المعترف بها دوليا، والمدعومة من تركيا، المتمردين بقيادة "خليفة حفتر"، المدعوم من روسيا ومصر وفرنسا والإمارات، على الانسحاب من غربي ليبيا والقتال من أجل الحفاظ على السيطرة على المدن الرئيسية في وسط البلاد.

وأعربت فرنسا واليونان وقبرص والإمارات ومصر عن مخاوفها عبر بيان أصدره وزراء خارجية هذه الدول.

وكانت (إسرائيل) غائبة بشكل واضح بين الفريقين، بالرغم من أنها تحافظ على علاقات وثيقة مع جميع الأطراف.

وحذر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي من أنه "بالنظر إلى أن علاقات (إسرائيل) مع تركيا كانت صعبة للغاية، وأن العلاقات مع روسيا لا تزال حرجة، فإنها بحاجة إلى الاستعداد لاحتمال استمرار النفوذ الإقليمي وحتى توسعه لكليهما، خاصة في ظل إحجام واشنطن المستمر عن تولي دور دبلوماسي أو عسكري أكثر نشاطا في المنطقة".

وكذلك الحال بالنسبة لأوروبا، التي بقيت حتى الآن على الهامش على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وقال الباحث في الشؤون الليبية "ولفرام لاشر": "الآن، بعد أن أصبحت العواقب الوخيمة للتقاعس الأوروبي واضحة، ولم يعد أمام حفتر فرصة للاستيلاء على السلطة، فإن التحول في السياسة الأوروبية ممكن ولا غنى عنه".

وأضاف: "يجب أن يوجه هدفان رئيسيان السياسات الأوروبية، أولا، حماية وحدة ليبيا، ثانيا، مواجهة النفوذ الروسي في ليبيا على سبيل الأولوية.

وتشترك الولايات المتحدة في الهدفين، لكن الأوروبيين سيكونون قادرين على التصرف بانسجام فقط إذا ابتعد الموقف الفرنسي عن التسامح النسبي تجاه روسيا والعداء تجاه تركيا.

ويبدو أن "لاشر" يعتقد أن مواجهة روسيا لن تساعد في إحباط التهديد الذي تشكله موسكو فحسب، بل ستمنع أيضا تركيا وروسيا من تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ، إن لم تكن دولتين منفصلتين.

وبحجة أن الاتحاد الأوروبي لم يعد بإمكانه تحمل الوقوف موقف المتفرج، نصح "لاشر" الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على "حفتر" في محاولة لتقويض الدعم الروسي لقواته.

وقال "لاشر": "بالتوازي مع ذلك، يتعين على الدول الغربية في النهاية أن تتتعامل بحزم مع مؤيدي حفتر الأجانب الآخرين، خاصة مصر والإمارات، لثنيهم عن مزيد من التعاون مع روسيا".

وتركز الإمارات والسعودية على إحباط الجهود التركية في إطار حملتها العالمية الحازمة لمواجهة أي تعبير عن الإسلام السياسي.

وتساعد الإمارات مصر، التي وصل رئيسها، "عبدالفتاح السيسي"، إلى السلطة عبر انقلاب عسكري دعمه الإماراتيون عام 2013 وأطاح برئيس منتخب من جماعة "الإخوان المسلمون".

وإلى جانب الاتفاقية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، التي تعني بالحدود البحرية للبلدين في شرق البحر المتوسط، يبدو أن المشاركة التركية في الحروب في ليبيا وسوريا قد عززت الجهود الإماراتية لجذب أوروبا، وفي نهاية المطاف الولايات المتحدة، إلى صراعها مع تركيا.

ووقعت اليونان وإيطاليا، التي كان يُعتقد أنها تدعم حكومة الوفاق الوطني قبل تدخل تركيا، اتفاقية حدود بحرية لمواجهة التحركات التركية.

ويعترف الاتفاق بالمياه الإقليمية اليونانية قبالة جزرها العديدة وفقا لقانون البحار الدولي، ويتجاهل الاتفاق التركي الليبي هذه الحقوق المزعومة لعدد من الجزر اليونانية.

وكان من المتوقع أن تدعم الإمارات وشركاؤها في شرق المتوسط ​​الاتفاق اليوناني الإيطالي.

وتعتمد الإمارات على حقيقة أن علاقات تركيا التقليدية مع حلفائها في الناتو متوترة بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك التدخل العسكري التركي في ليبيا، ومصير الملايين من اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم تركيا، وعلاقة تركيا بروسيا وشرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400".

وتعمل الإمارات على وضع اللبنات الأساسية لتعزيز تأثيرها في شرق المتوسط، وتشكل العلاقات الوثيقة المتزايدة مع (إسرائيل)، التي لها علاقات معقدة مع تركيا، حجر الزاوية في ذلك.

وكذلك تشارك الإمارات في المناورات العسكرية السنوية التي تقودها اليونان، والتي تشارك فيها (إسرائيل) وقبرص وإيطاليا والولايات المتحدة.

واكتسب احتواء تركيا في شرق المتوسط ​​أهمية أكبر بعد أن تحطمت آمال الإمارات في إنشاء خط أنابيب "إيست ميد" المخطط له، والذي كان من شأنه أن ينقل الغاز الطبيعي من الحقول الإسرائيلية والقبرصية واللبنانية عبر اليونان إلى إيطاليا.

وهدد خط الأنابيب باستبدال ما يصل إلى نصف صادرات الغاز القطرية إلى أوروبا.

وتعتبر الإمارات الطرف الأكثر مقاومة لإيجاد حل وسط ينهي الحصار الذي تفرضه السعودية والبحرين ومصر والإمارات على قطر منذ 3 أعوام.

وتم تأجيل مشروع خط الأنابيب، الذي تبلغ تكلفته 7 مليارات دولار، ويبلغ طوله 2200 كيلومتر، بسبب التداعيات الاقتصادية لوباء فيروس "كورونا"، وانهيار أسعار الطاقة.

ومن المتوقع أن يتم إيقاف الحفر من قبل التحالف الذي تقوده "توتال" الفرنسية، ويضم شركة "إيني" الايطالية للنفط والغاز، وشركة "نوفاتيك"، ثاني أكبر منتج للغاز في روسيا، وذلك بعد أن ثبت أن البئر الأولى كانت جافة.

كما علقت شركتا "إيني" و"توتال" خططا لـ6 عمليات حفر قبالة ساحل قبرص، بينما أخرت شركة "إكسون موبيل" استكشاف بئريها في المنطقة.

ومن المرجح أن تحذو "نوبل إنيرجي" الأمريكية، وكذلك "شل" و"ديليك دريلينج" ومقرها هرتسليا، حذوهما بشأن حقل "أفروديت" الإسرائيلي.

ويبدو أن أيا من هذا لا يردع تركيا، فقد أعلنت الجريدة الرسمية للبلاد في 30 مايو/أيار أنه جرى منح شركة النفط التركية 24 رخصة استكشاف تشمل المياه قبالة سواحل الجزر اليونانية مثل "كريت" و"رودس".

وحذر وزير الخارجية اليوناني "نيكوس دندياس" من أن بلاده سترد على ما أسماه "الاستفزاز التركي" إذا استمرت تركيا في جذب أوروبا إلى الأزمة الممتدة في شرق المتوسط، وهو تطور من شأنه أن يعزز الجهود الإماراتية لمزيد من حشد المواقف الدولية ضد تركيا في الوقت الذي فشلت فيه أبوظبي في فعل ذات الأمر مع  قطر.

المصدر | مركز بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد