الأربعاء 29 يوليو 2020 05:20 ص

"كان حلما وخاطرا واحتمالا ثم أضحى حقيقة لا خيالا".. هكذا غنت كوكب الشرق المطربة المصرية "أم كلثوم" نشيد قصة السد العالي، الذي ظلت أجيال طويلة من المصريين يتناقلون قصته ويحفظون أغانيه، مترنمين بما حفظوه من أغاني "أم كلثوم" و"عبدالحليم حافظ" و"شادية" و"فريد الأطرش"، عن "ساعة الجد" و"حكاية شعب".

"السد العالي" الذي أصبح حقيقة في عهد الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر" ودوره في إمداد الكهرباء للبلاد يعاد سيرته الآن بين المصريين، بأنه سيعود مجددا دربا من الخيال حال اكتمال ملء خزان سد النهضة الإثيوبي.

وسيؤدي نقص حصة مصر من المياه إلى انخفاض منسوب المياه في بحيرة ناصر خلف السد، وعدم القدرة على إنتاج الكهرباء من محطة توليد كهرباء السد العالي، وهو ما يعني فقدان 2100 ميجاوات يوميا من الكهرباء، هي الطاقة القصوى لإنتاج السد العالي من الكهرباء.

وفي ظل المتابعة الحثيثة من المواطن المصري لملفات قضية سد النهضة الإثيوبي وتأثيره على دولتي المصب "مصر والسودان" تتجه الأنظار نحو السد العالي في محافظة أسوان جنوب مصر، ومدى تأثره وتأثر "بحيرة ناصر" التي تخزن فيها المياه خلفه بأعمال التخزين لمياه النيل خلف السد الإثيوبي.

ويعتبر السد العالي في مصر مصدرا رئيسيا للكهرباء عبر 5 محطات لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه النيل المندفعة بقوة فوق "توربينات" السد.

القلق على مستقبل توليد الكهرباء من السد العالي أكدته تصريحات إعلامية من "محمد نصر علام"، وزير الري والموارد المائية الأسبق، مطلع الشهر الجاري، أوضح من خلالها أن مصر ستفقد معظم كهرباء السد العالي، وأن الهدف من المفاوضات مع إثيوبيا ملء سد النهضة على سنوات.

تصريحات "علام" ذكرت بتصريح وزير الكهرباء المصري "محمد شاكر" عام 2016 خلال أحد المؤتمرات بأن السد العالي قد خرج تماما من الخدمة كأحد أهم مصادر توليد الكهرباء في البلاد، في حين توقف الوزير عن إعطاء تفاصيل بعدما نهره الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" طالبا منه عدم إعطاء تفاصيل.

انخفاض منسوب المياه

منذ ذلك الحين بدأت المخاوف من انخفاض منسوب مياه نهر النيل في بحيرة ناصر الواقعة خلف السد العالي وتأثير ذلك على الكهرباء والطاقة في مصر، بخلاف التأكيدات المتتابعة من مسؤولين مصريين عن دخول البلاد مرحلة الفقر المائي وخطورة سد النهضة على مستقبل الزراعة والري في مصر.

وكانت مصادر قد كشفت عن انخفاض منسوب المياه في بحيرة ناصر عام 2016 من 180 مترا إلى 150 مترا، وهو ما قد يؤدي إلى عدم القدرة على إنتاج الكهرباء من السد العالي.

بينما قال عضو المجلس الأعلى لنقابة المهندسين "خميس جابر" في تصريح صحفي إن "أزمة الطاقة في مصر أعمق من حصرها في خروج السد العالي عن الخدمة، حيث إن ما يقدمه لا يتجاوز 6% من إنتاج الكهرباء في مصر، وهناك عجز سنوي يصل إلى 7% أوصل العجز الكلي إلى 30%".

 بينما يرى خبراء آخرون أن وجود كميات ضخمة من المياه المخزنة في بحيرة السد العالي ستفي باحتياجات مصر المائية، لفترة تتراوح ما بين 3 و5 سنوات متصلة دون وصول قطرة مياه واحدة من الرافد الإثيوبي،  في حين أن سد النهضة يحتاج إلى 74 مليار متر مكعب من المياه لملء خزانه وبالتالي تنخفض الكمية التي تصل لمصر، والتي ستضطر إلى التصرف من مخزون السد العالي لتوفير التزاماتها، وبالتالي تقل قدرته تماما خلال سنوات الجفاف.

تأثير سد النهضة

تأثير سد النهضة على السد العالي في مصر أمر حتمي إذن، بل بدأ التأثر منذ شروع إثيوبيا في بناء سد النهضة بالتزامن مع نقص الأمطار في المنبع، وهو ما يهدد بفقدان الطاقة الكلية للسد خلال 4 أعوام بعد انتهاء سد النهضة من تخزين المياه التي يحتاجها.

كما نقلت وكالات أنباء عن مصادر من داخل محطة السد العالي لتوليد الكهرباء، تراجع إنتاج محطة كهرباء السد العالي إلى نحو 900 ميجاوات بعد أن كان ينتج 2100 ميجاوات، بالإضافة أن معظم الوحدات الـ12 بمحطة السد العالي تعمل بنصف طاقتها، ويوجد نحو 3 وحدات تخرج من الخدمة كل فترة لأعمال الصيانة، ومن الممكن أن تصل لـ3 أشهر خارج الخدمة.

وفي يونيو/حزيران الماضي، قال خبراء بمعهد ماساتشوستس الدولي للتكنولوجيا، في دراسة معدة: إن سد النهضة سوف ينضم إلى السد العالي بأسوان كخزان كبير ثاني على نهر النيل، ما يتطلب من مصر وإثيوبيا صياغة خطة لتنسيق تشغيل هذين السدَين، لتقاسم مياه النيل بشكل منصف خلال فترات ملء الخزان والجفاف، ولا يوجد مكانان في العالم يتم تشغيل سدين كبيرين على نفس النهر دون تنسيق وثيق.

يذكر أن إثيوبيا أعلنت الأسبوع الماضي عن انتهاء المرحلة الأولى من تعبئة سد النهضة، وبارك رئيس الوزراء الإثيوبي لشعبه هذا الانتصار، فيما قال وزير الري الإثيوبي إن النيل أصبح "بحيرة إثيوبية".

اعتبر الرئيس الأسبق لقطاع مياه نهر النيل "عبدالفتاح مطاوع"، إعلان إثيوبيا الرسمي انتهاء المرحلة الأولى لملء سد النهضة، بأنه للاستهلاك المحلي، مؤكدا أن السد العالي يوجد خلفه أكثر من 100 مليار متر مكعب من المياه.

وقال "مطاوع" إن مصر تتفاوض في ملف سد النهضة في الوقت الذي يتواجد فيه خلف السد العالمي 130 مليار متر مكعب من المياه.

وقال وزير المياه والري الإثيوبي "سليشي بقلي"، إنه "تم تخزين 4.9 مليارات متر مكعب من المياه في بحيرة سد النهضة خلال المرحلة الأولى للملء"، معتبرا أن "هذه الكمية لم تؤثر على حصتي دولتي المصب مصر والسودان".

والثلاثاء الماضي، قال مكتب "آبي أحمد"، في بيان على "تويتر": "أصبح من الواضح على مدى الأسبوعين الماضيين في موسم الأمطار أن عملية ملء سد النهضة في السنة الأولى قد تحققت وأن السد قيد الإنشاء".

وأضاف البيان أن "السودان ومصر وإثيوبيا اتفقوا على مواصلة المباحثات الفنية بشأن ملء ‏سد النهضة في عملية يقودها الاتحاد الأفريقي، واتفقوا على المضي قدما في اتفاق شامل".

وتتمسك إثيوبيا بملء وتشغيل خزان السد، خلال موسم الأمطار الحالي الذي بدأ في يوليو/تموز الجاري، فيما ترفض مصر والسودان إقدام أديس أبابا على هذه الخطوة قبل التوصل إلى اتفاق ثلاثي.

وتخشى مصر المساس بحصتها السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب، وتطالب باتفاق حول ملفات، بينها أمان السد، وتحديد قواعد ملئه في أوقات الجفاف.

فيما تقول أديس أبابا إنها لا تستهدف الإضرار بمصالح مصر ولا السودان، وإن الهدف من بناء السد هو توليد الكهرباء وتحقيق التنمية.

المصدر | الخليج الجديد