الأربعاء 29 يوليو 2020 02:48 م

تمر الحكومة المدنية في العراق بأكثر مراحلها هشاشة منذ عام 2003، حيث يواجه رئيس الوزراء الجديد "مصطفى الكاظمي" مجموعة هائلة من التهديدات، في الوقت الذي تهاجم فيه فصائل قوات الحشد الشعبي "الكاظمي" وحكومته.

في 6 يوليو/تموز قتل مسلحون في بغداد "هشام الهاشمي" مستشار "الكاظمي" للشؤون الأمنية الذي تلقى تهديدات سابقا بالقتل من قبل الميليشيات الشيعية. وجاء اغتيال "الهاشمي" وسط سلسلة من عمليات القتل الأخرى التي طالت شخصيات عامة تنتقد الميليشيات الشيعية وتصرفاتها تجاه الاحتجاجات المستمرة ضد الفساد الحكومي.

في غضون ذلك، استولت الميليشيات الشيعية المعادية ​​لحكومة "الكاظمي" على المباني الحكومية الرئيسية في قلب بغداد. إن حقيقة كون هذه المليشيات جزءًا من القوات المسلحة العراقية تجعل الوضع يبدو وكأنه انقلاب بطيء، ما يعني أن حكومة "الكاظمي" تواجه احتمال الإطاحة بها.

ويضيف العنف في شوارع بغداد والمدن الأخرى مزيدا للأزمة التي تفاقمت بسبب الوباء العالمي وتراجع ​​الموارد المالية نتيجة انخفاض أسعار النفط.

ليس من الصعب تخيل ما سيحدث بعد ذلك بالنسبة لحكومة "الكاظمي". قد يتم قتل "الكاظمي" نفسه أو أسره أو طرده من بغداد على يد المليشيات المعادية التي تتربص به. ويمكن لهذه المليشيات نفسها، التي يرتبط الكثير منها بإيران، أن تعلق أو تحلّ البرلمان بسهولة.

كان الحكم المدني في العراق سينتهي فعليًا، مع تسليم السلطة لمن يمكن أن يظهر كزعيم موحد لمختلف الميليشيات الشيعية، التي تشتتت منذ أن اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس "قاسم سليماني" و"أبو مهدي المهندس".

وقد أدى مقتل "المهندس"، زعيم قوات الحشد الشعبي وزعيم ميليشيا "كتائب حزب الله"، إلى تفاقم الاقتتال الداخلي بين الميليشيات الشيعية، ما يعني أنه لا يوجد بديل واضح للقيادة المدنية بين الفصائل التي قد تعمل من أجل  إسقاط "الكاظمي".

إذا اقتربت حكومة "الكاظمي" من الانهيار في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فستواجه واشنطن خيارًا صعبًا ما بين الحفاظ عليه أو تركه يسقط. ولكن سياسة الولايات المتحدة الداعمة للحكومة المدنية في بغداد، تحت حكم "الكاظمي" أو أي زعيم عراقي آخر،قد تؤدي إلى تدخل أمريكي شبه تلقائي.

يبلغ عدد القوات الأمريكية في العراق حوالي 5200 جندي، وهو ما يكفي لتأمين المركز الحكومي في بغداد والحفاظ على الوجود المادي لـ"الكاظمي" وإدارته حتى لو كانت السلطة السياسية الحقيقية تقع في مكان آخر.

من المرجح عودة المزيد من القوات الأمريكية إلى العراق إذا تم استخدام البعثة الحالية للحفاظ على الحكومة في مواجهة تهديدات المليشيات، مما سيؤدي بلا شك إلى سلسلة من المواجهات الدموية التي قد تشبه أيام الاحتلال الأمريكي.

في المقابل، إذا سمحت الولايات المتحدة بسقوط حكومة "الكاظمي"، فمن المحتمل أن يشهد العراق نوع من الفوضى يشبه تلك التي اجتاحت ليبيا في السنوات الأخيرة، حيث ستقاتل عدة فصائل مسلحة بعضها البعض. وتعتبر نهاية هذا السيناريو غير واضحة، ولكن من المحتمل أن تدير إيران تحالفا لقوات الميليشيات التي يمكن أن تفرض بعض السيطرة على بغداد وجنوب العراق.

ولا تجذب أي من هذه الاحتمالات أي شخص يريد أن يرى للعراق مستقبلًا أكثر إشراقًا. إن فكرة ترك العراق ينجرف نحو الفوضى دون جهد قوي لوقفه ستعتبر غير أخلاقية من قبل الكثيرين. ولكن مع ذلك يجب أن تكون واشنطن مستعدة للامتناع عن المزيد من التدخل في العراق.

إن دعم أي حكومة مدنية في العراق من خلال القوات الأمريكية في هذه المرحلة يعني العودة إلى مستنقع الاحتلال. علاوة على ذلك، لا توجد حكومة مدنية في العراق لديها القدرة على الاستمرار، بدعم أو بدون دعم أمريكي. إن ديناميكيات السلطة التي تمثلها حكومة "الكاظمي" في الوقت الحالي شديدة الضعف لدرجة تتجاوز قدرة واشنطن على التغيير.

قامت إيران ووكلاؤها بتفريغ الدولة العراقية بشكل فعال من خلال إدارة المعركة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". فقد كان عدم كفاءة الحكومة واضحًا تمامًا عندما خسرت مساحات شاسعة من الأراضي أمام التنظيم، ولكنها نجحت في استعادة هذه المناطق مع تدخل قوات الحشد الشعبي بدعم إيراني علني.

تركت هذه القصة الحكومة العراقية تكافح من أجل الشرعية في عين الشعب العراقي، وبدلا من ذلك عكست الاحتجاجات المستمرة في الشوارع خيبة أمل عميقة من النظام السياسي الذي يحاول المسؤولون الحفاظ عليه.

أظهر الاستطلاع الأخير الذي أجرته مؤسسة "وورلد فاليو" العالمية تشاؤما واضحًا لدى العراقيين تجاه النظام السياسي على مدى السنوات الثلاث الماضية، حيث قال أكثر من نصف الذين جري استطلاع آراؤهم إنهم لا يثقون في الحكومة على الإطلاق. وقال 84% إنهم لا يثقون في البرلمان. فيما قال ما يقرب من 80% إنهم لا يثقون في الانتخابات. وفي مؤشر واضح للغاية، ارتفع الدعم لوجود زعيم قوي لديه سلطة أكبر من البرلمان إلى 66%.

وهذه ليست سوى بعض المؤشرات من المسح الذي يعكس طبيعة وجهات النظر العراقية التي عبر عنها المتظاهرون بقوة في الشوارع. وببساطة، يشعر معظم العراقيين بخيبة الأمل من حكومتهم بسبب الفساد وعدم الكفاءة والتمسك بواشنطن وطهران.

الحقيقة المحزنة هي أنه ما من حكومة مدنية سواء حكومة "الكاظمي" أو أي حكومة أخرى سيكون لها شرعية أو قدرة كبيرة لتحمل التحديات السياسية مقابل مراكز القوة التي يسيطر عليها رجال الدين والميليشيات والعناصر الإيرانية. كما أن التدخل الأمريكي لا يمكنه تغيير ذلك.

من الناحية المثالية يمكن للحكومة العراقية أن تستمر، وتعمل على تخفيف التوترات مع الميليشيات المعادية كما يمكنها إيجاد طرق لدمجها في ائتلاف حاكم. وبهذه الطريقة يمكن للحكومة المدنية كبح التهديدات السياسية واستعادة بعض الشرعية.

ويعتبر ذلك أفضل سيناريو للحكم المدني في العراق في هذه المرحلة (تقاسم السلطة مع الميليشيات الشيعية التابعة لإيران). وتثير هذه الفكرة غضب الكثيرين في واشنطن، ولكن أي مسؤول أمريكي يعتقد أن لديه القدرة على تحقيق نتيجة أفضل هو واهم ويريد تكرار حلقة مفرغة من التدخل المكلف وغير المجدي في نهاية المطاف.

إذا حدث الأسوأ، فسوف يتوقف رد الولايات المتحدة على توقيت ونتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة. من غير المحتمل أن يطبق أحد في إدارة "ترامب" عملية صنع قرار مدروسة على مستويات عالية إذا ظهرت مثل هذه الأزمة بين الآن ويناير/كانون الثاني المقبل. 

إذا انهارت حكومة "الكاظمي" مع خسارة "ترامب"، فإن إدارة "بايدن" ستكون لديها قدرة أفضل بكثير بشأن الرد الأمريكي. لكن الأمر سيستغرق عملا غير عادي من جانب الرئيس وفريق الأمن القومي لتحمل ضغوط التدخل في مثل هذا السيناريو.

المصدر | مارك كوكيس - ريسبونسيبل ستيتكرافت – ترجمة وتحرير الخليج الجديد