الأحد 2 أغسطس 2020 03:03 م

يمكننا أن نعزو الفشل المؤسسي لمجلس التعاون الخليجي إلى حد كبير إلى افتقار أعضائه إلى إدراك مصالحهم المشتركة، وعدم وجود توافق في التصورات حول التهديدات المحدقة بدول المجلس.

وتقدم وجهات النظر المتباينة لدول مجلس التعاون الخليجي الست حول صعود تركيا الجيوسياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مثالا بارزا على ذلك.

وببساطة، يستمر السؤال حول الطريقة التي ينبغي أن تستجيب بها دول الخليج العربية لدور أنقرة الإقليمي، يستمر في تقسيم دول مجلس التعاون.

وتقف قطر على أحد جانبي الطيف الخليجي، حيث تعتبر تركيا أبرز حلفائها، وعلى الجانب المقابل تقف الإمارات العربية المتحدة التي تنظر إلى أنقرة كعدو.

ويقع الأعضاء الأربعة الآخرون في مجلس التعاون الخليجي في نقاط مختلفة بين هذين الحدين. وبالرغم من أن الكويت وعمان ليسا قريبين من أنقرة مثل قطر، فإن كلا البلدين تعتبران تركيا دولة صديقة.

وأصبحت السعودية، بالرغم من أنها أقل صرامة في معارضة تركيا من أبوظبي، جزءا مهما من الكتلة المناهضة لتركيا من الدول العربية، خاصة منذ واقعة مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في 2018، وكذلك البحرين، التي تتخذ موقفا مشابها بسبب ضغوط الرياض وأبوظبي.

قطر.. حليف سياسي ومالي

وتعد قطر الحليف الأقوى والأكثر موثوقية لتركيا، ليس فقط في مجلس التعاون الخليجي ولكن في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضا.

وعبر العديد من القضايا، من الحرب الأهلية في سوريا وليبيا إلى القضية الفلسطينية، تترابط مواقف الدوحة وأنقرة بشكل وثيق.

واعتبر البلدان صعود الأحزاب العربية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في حقبة ما بعد الربيع العربي فرصة لزيادة نفوذهما الإقليمي.

ورغم ذلك، لا يمكن فهم التحالف القطري التركي على أنه مجرد تحالف بين دولتين تشتركان في تصورات مشتركة حول الانفتاح السياسي الذي حدث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ عقد تقريبا.

وتعززت العلاقات بين البلدين بشكل أكبر بسبب أزمة مجلس التعاون الخليجي، حيث ساهم الدعم التركي للدوحة في قدرة القطريين على الوقوف بقوة في وجه المطالب المهينة لدول الحصار، والتي شملت إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر.

وكان الوجود العسكري التركي المتنامي في قطر مكونا مهما في هذا الدعم الذي تلقته الدوحة من أنقرة منذ بدء الحصار.

بالإضافة إلى ذلك، عندما استهدفت واشنطن تركيا بعقوبات عام 2018 وسط قضية القس "أندرو برونسون" دافعة تركيا نحو أزمة عملة كبيرة، أنقذت الدوحة حكومة الرئيس "رجب طيب أردوغان" من خلال تخصيص نحو 15 مليار دولار أمريكي من الاستثمارات المباشرة في تركيا لدعم اقتصاد البلاد.

علاوة على ذلك، وقع البنك المركزي القطري اتفاقية مبادلة ثابتة للعملة بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي مع البنك المركزي التركي، ما عزز احتياطيات أنقرة من العملات الأجنبية.

وأكد القرار المشترك لعام 2020 بتوسيع برنامج مقايضة العملة للتخفيف من الصدمات الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا في أنقرة من أهمية هذه الصفقة.

وتحمل تركيا وقطر رؤية مشتركة تجاه العديد من قضايا السياسة الخارجية، كما تحملان تصورات مشتركة حول التهديدات الإقليمية، وعلى رأسها المحور "السعودي - الإماراتي - المصري".

ومن خلال الاستفادة من القوة العسكرية التركية والموارد المالية القطرية، أقام البلدان تحالفا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصعب تخيل نهايته طالما احتفظ المسؤولون في أنقرة والدوحة بآراء سلبية حول سلوكيات الرياض وأبوظبي والقاهرة، التي تعتبرها كل من الحكومتين التركية والقطرية خطرة للغاية.

الإمارات.. معارضة قوية لأنقرة

على النقيض، تعد الإمارات هي الدولة الأكثر التزاما بمعاداة تركيا في الخليج. ومن منظور أيديولوجي، تعارض أبوظبي بشدة جماعة الإخوان المسلمين.

ومن وجهة نظر الإمارات، تعد مواجهة محور "أنقرة - الدوحة" وجماعة الإخوان المسلمين، هي الأولوية القصوى على دول أعمال السياسة الخارجية لأبوظبي.

وذهبت الإمارات إلى حد دعم الجنرالات العسكريين، كما هو الحال في ليبيا ومصر، والانفصاليين مثل المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني، من أجل القضاء على الإخوان وإضعاف موقع أنقرة الجيوسياسي في العالم العربي.

وذهب محللون إلى حد وصف التوترات في العلاقات الإماراتية التركية بأنها "حرب باردة" جديدة تدور رحاها في العديد من أنحاء العالم الإسلامي.

وفي بلاد الشام والبلقان والقرن الأفريقي والمغرب العربي وآسيا الوسطى والقوقاز، تتحدى أبوظبي وأنقرة تأثير بعضها البعض، بطرق تؤدي إلى زعزعة استقرار هذه المناطق بشكل كبير.

وبالرغم من أن دور جماعة الإخوان يعد متغيرا مهم جدا في المعادلة القائمة بين البلدين، فإن التنافس الإماراتي التركي يدور حول أكثر من ذلك.

وفي السياق الجيوسياسي لتراجع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، تنشغل كل من أبوظبي وأنقرة بمحاولة ملء فراغ السلطة، وإعادة بناء نظام إقليمي جديد يتوافق مع شروطهما الخاصة.

وفي تحديها لأجندة السياسة الخارجية التركية في المنطقة العربية، تستند الروايات الإماراتية إلى حد كبير على فكرة أن الدول والمجتمعات العربية يجب أن تتعاون لمقاومة السلوك "الاستعماري" لتركيا في سوريا وليبيا، وغيرهما من المناطق.

ويتم خوض هذه الحرب السرديات تلك في الإمارات بضغط من العاصمة، حيث تعد أبوظبي هي المحرك الرئيسي للخطاب المعادي لتركيا.

وفي الأشهر المقبلة، سيسمح الجدل حول "آيا صوفيا" للإمارات بدفع رسالة مفادها أن الحكومة التركية تمثل التعصب والتطرف، وبالتالي فإنها لا تعد حليفا يجب أن تثق به الولايات المتحدة.

السعودية.. نظرة مشوبة بالارتياب

مع صعود ولي العهد "محمد بن سلمان" إلى السلطة منذ عام 2015، تدهورت علاقة الرياض مع أنقرة. وبالرغم من أن الأزمة الخليجية لم تضر بالعلاقات السعودية التركية بقدر ما أضرت بالعلاقات الإماراتية التركية، إلا أن قضية "خاشقجي" أضافت قدرا كبيرا من التوتر لعلاقة المملكة مع أنقرة.

ومع ذلك، فإن مثل هذا الاحتكاك المتزايد، الناشئ عن قتل عملاء سعوديين للصحفي السعودي في القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018، جاء بعد أعوام من تنافس الرياض وأنقرة على القيادة في العالم الإسلامي.

ومن أزمة قطر إلى انقلاب مصر عام 2013، ومن الصراع في سوريا إلى الحرب الأهلية في ليبيا، وضعت المواقف الجيوسياسية المختلفة أنقرة والرياض في مواجهة بعضهما البعض.

ومع مرور الوقت، أصبحت السعودية تشعر بشكوك متزايدة بشأن دوافع تركيا للانخراط في الشؤون الخليجية. وتنظر الرياض إلى الوجود العسكري المتنامي لأنقرة في قطر وقرار "أردوغان" بدعم الدوحة وسط أزمة مجلس التعاون الخليجي على أنها محاولات تركية للطعن في القيادة السعودية لشبه الجزيرة العربية والعالم الإسلامي.

وفي الآونة الأخيرة، ساهمت التقارير حول اهتمام تركيا المتزايد باليمن، في تزايد قلق "بن سلمان" من الأجندة الإقليمية لأنقرة.

وتشمل الخطوات الدبلوماسية الأخيرة التي قامت بها السعودية اتهام تركيا بتمويل ورعاية "ميليشيات متطرفة" في الصومال وليبيا وسوريا، والتعبير عن التضامن مع قبرص واليونان ضد نشاط أنقرة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ويشير هذا التوجه إلى أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" يتجاهل في الوقت الراهن أصواتا أخرى في عائلة "آل سعود" ممن يفضلوت تحسين العلاقات مع تركيا من أجل العمل بشكل أوثق مع قوة سنية أخرى في مواجهة "التهديد الإيراني" المستمر.

البحرين.. سياسات التابع الخليجي

لطالما ميز العداء تجاه إيران والتوافق السياسي الوثيق مع السعودية سياسة البحرين الخارجية. وفي هذا السياق، اعتبرت المنامة، حتى وقت قريب على الأقل، تركيا شريكا مهما، ليس فقط من الناحية الجيوسياسية، ولكن أيضا في مجالات التجارة والبناء.

ومع ذلك، لعبت الإمارات دورا حاسما في تنسيق حزمة إنقاذ بقيمة 10 مليارات دولار أمريكي، بتمويل مشترك من السعودية والكويت، لدعم اقتصاد البحرين المتعثر.

وانضمت الإمارات أيضا إلى القوات العسكرية السعودية في مساعدة السلطات البحرينية على سحق الانتفاضة التي قادها الشيعة عام 2011.

ونتيجة لذلك، ازداد نفوذ أبوظبي السياسي على المنامة في فترة ما بعد الربيع العربي. ودفعت يد الإمارات القوية في البحرين المنامة نحو التوافق مع أبوظبي في ملفات إقليمية رئيسية.

وبسبب الضغط الإماراتي، أظهرت البحرين معارضة متزايدة لتدخل تركيا العسكري في الدول العربية. وعلى وجه الخصوص، انضمت البحرين إلى الإمارات في معارضة عملية "نبع السلام" التركية في شمال سوريا، وكذلك في جهود إعادة تطبيع العلاقات مع النظام السوري. كما أدانت المنامة قرار "أردوغان" بنشر قوات في ليبيا.

الكويت.. البحث عن الاستقرار

تنظر القيادة الكويتية إلى تركيا نظرةً إيجابية. ويرى الكويت تعميق العلاقات مع أنقرة طريقة لتعزيز أمن البلاد في منطقة متقلبة بشكل متزايد.

وتجد الإمارة، التي اعتمدت على الولايات المتحدة كضامن أمني منذ عام 1991، نفسها مجبرة على ابتكار طرق جديدة للحفاظ على الأمن في الشرق الأوسط، في ظل تخلي واشنطن عن دورها القيادي.

وبوجود إيران والعراق والسعودية كجيران، يجد الكويتيون أنفسهم في منطقة تزداد خطورة، مع مخاوف مستمرة بشأن خروج أجندة "أقصى ضغط" لإدارة "ترامب" عن نطاق السيطرة.

ومع ملاحظتهم لزيادة القوة العسكرية التركية في ليبيا والعراق وقطر وسوريا، يحرص المسؤولون الكويتيون على تعزيز علاقاتهم مع أنقرة.

وتم التأكيد على أهمية المجالات الأمنية والدفاعية في تحفيز التواصل الدبلوماسي الكويتي مع أنقرة من خلال قرار الكويت في عام 2018 بتوقيع مذكرة دفاع مشتركة مع تركيا، تتصور تعاونا دفاعيا أقوى، وتسمح للقوات الكويتية بتلقي تدريب عسكري في تركيا.

عُمان.. جزيرة الحياد تواجه المخاطر المالية

ويعد التحدي الرئيسي الذي يواجه السلطان الجديد في عمان، "هيثم بن طارق آل سعيد"، هو الإبحار في الأزمة الاقتصادية المتزايدة في السلطنة مع الحفاظ على استقلالية السياسة الخارجية التقليدية لمسقط، دورها كعامل موازن في السياسة الإقليمية.

ويشعر السلطان "هيثم" بالقلق من أنه قد يضطر قريبا لطلب حزمة إنقاذ من دول مجلس التعاون الخليجي لتجنب تطبيق إجراءات التقشف المالي التي لا تحظى بشعبية.

ويشعر العمانيون بالقلق من أن تلك المساعدات سوف تكون مصحوبة بزيادة النفوذ السعودي والإماراتي على السياسة الخارجية لمسقط. وعلى وجه الخصوص، كانت الرياض تضغط على عمان لتخفيض علاقاتها مع إيران.

علاوة على ذلك، تشكك عمان بشكل متزايد بجدول أعمال أبوظبي في اليمن المجاورة، وتشعر بالقلق من استحواذ الإماراتيين على الأراضي التي تعتبرها سلطات السلطنة استراتيجية.

ويمكن للسلطنة النظر في تعزيز علاقتها مع تركيا من أجل مواجهة الضغوط المتزايدة من السعودية والإمارات.

ويمكن للعلاقة الودودة والمربحة بشكل متزايد بين مسقط والدوحة أن تمهد الطريق لتنسيق عماني تركي أوثق.

وبالرغم من ذلك، لم تتخذ عمان أي مبادرة دبلوماسية مهمة للتواصل مع أنقرة، على الأقل عند مقارنتها بقطر والكويت.

وكما هو واضح، فإن لدى الأعضاء المختلفين في مجلس التعاون الخليجي وجهات نظر متنوعة حول القوة المتنامية لأنقرة في المنطقة.

وبين النظر إلى تركيا كمستعمر للأراضي العربية يجب على العرب مواجهته بقوة، وبين رؤيتها كدولة إسلامية شقيقة يساهم وجودها في منطقة الخليج في زيادة الاستقرار، يستمر الجدل المحتدم بين عرب الخليج.

ومع دخول العلاقات بين الدوحة وأنقرة مرحلة المؤسسية، فإن التحدي الأكبر أمام أنقرة في الخليج يتعلق بتعميق علاقاتها مع الدولتين المحايدتين في المجلس، الكويت وعمان، وكليهما يعتبر نفسه "قوة موازنة" في منطقة متزايدة الاستقطاب.

علاوة على ذلك، إذا كان المحور السعودي الإماراتي يسعى إلى ممارسة المزيد من الضغط على الكويت ومسقط من أجل التوافق مع رغبات الرياض وأبوظبي في المنطقة، فقد يختار الكويتيون والعمانيون تعميق علاقاتهم مع تركيا من أجل الحصول على عمق استراتيجي أكبر.

المصدر | منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد