ماكرون في بيروت .. فخّ الحماسة الزائدة

لكن ماذا عن نوايا الوصاية التي يحملها خطاب ماكرون وسلوكه؟

هل نفرح بإهانة مسؤول أجنبي لحكام البلد لأنهم يستحقون أكثر بكثير من الإهانة؟

المنطق الاستسلامي مرفوضا عند كثيرين لأن الوصاية لم تكن يوماً وفي أي مكان في العالم حلا للبلدان الفاشلة.

هل عجز اللبنانيون حتى في انتفاضتهم عن تكوين نواة سياسية جديدة لا طائفية وغير فاسدة لتحل محل القبائل الحاكمة؟

*     *     *

كان يجب أن يزور مسؤول أجنبي رفيع المستوى، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لبنان المنكوب بانفجار بيروت، لكي نتذكّر كم أن إعادة تصور بناء هذا البلد مهمة صعبة.

حقيقة نعرفها جيداً، لكنها تحتاج لتشحيم دائم في مفاصلها، وهو ما توفره المناسبات التراجيدية، وفضيحة التعاطي الرسمي معها. وصل الرجل متسلحا بعدة شغل، تحيل إلى ماض استعماري، ليجد كل الظروف مهيأة لرواج خطاب وممارسة يملآن الفراغ الحاصل، فراغ في السلطة المحلية، والفراغ الناتج عن العزلة العربية والدولية التي فرضها المحور المتحكّم بأمر البلد منذ سنوات.

كان ماكرون يدرك تماماً الحيثيات: لبنان منهار حرفياً، لا مجازيا. فاشل ومفلس مالياً. حاله أقرب إلى المشاع، لا حكومة أو مؤسسات أو قيادات مسؤولة فيه، وإن وجدت فهي مكروهة شعبيا بشكل استثنائي. تعاطيها مع انفجار المرفأ وصفةٌ لاستدعاء أي قوة خارجية.

من بين قتلى الانفجار وجرحاه مواطنون فرنسيون، اي أن لفرنسا حق قانوني بالتحقيق، وهو ما باشره القضاء في باريس عشية وصول ماكرون.

هناك 36 ألف لبناني وقعوا عريضة مهينة، تدّعي النطق باسم الشعب اللبناني، لتطالب بإعادة فرض الانتداب الفرنسي على لبنان، على أساس أن الحل لمزرعة الفساد والطوائف، ولهيمنة حزب مسلح يجاهر بالتبعية لبلد أجنبي، يكون بفرض احتلال أجنبي آخر، لا ببناء دولة مواطنين وقانون.

مطلب التحقيق الدولي بالانفجار يكتسب مساحات إضافية مع مرور الساعات على ضوء الشلل الرسمي، وانعدام وجود أي رد فعل جدّي حيال الكارثة، فصارت المساعدات الأجنبية التي وصلت بعد الانفجار تُباع في الأسواق التجارية، والمتهمون المفترضون بالتقصير أو بالتواطؤ أو بالإخلال في الواجب الوظيفي، عينوا أعضاء في لجنة التحقيق اللبنانية.

وصل الرئيس الفرنسي إلى بيروت، وانصرف إلى التعاطي والتصريح بصفته حاكماً محليا أو صاحب سلطة وصاية. والناس، من شدّة يأسها وغضبها في آن، صفقت له، أو صمتت على اعتبار أن الإهانة الكامنة في تصريحاته موجّهة إلى حكام البلد، لا إلى مواطنيه.

قال إن المساعدات الإنسانية سترسل مباشرة إلى السكان، من دون المرور عبر المؤسسات الرسمية. ووصف الأزمة اللبنانية بالاخلاقية والسياسية والاقتصادية والمالية.

وأعاد التذكير بشروط الدعم المالي للبلد المفلس، بدءاً مما يسميه الإصلاح (يتضمن إجراءاتٍ اقتصادية نتائجها ستكون سلبية على مداخيل الملايين ومعيشتهم بسبب رفع الدعم عن السلع الأساسية وتحرير سعر الصرف والخضوع للوصفات المالية الليبرالية اقتصاديا للمؤسسات المالية العالمية)، وصولاً إلى الشروع بعملية استئصال للفساد، يعرف ماكرون استحالة حصوله من دون تغيير جذري للنظام السياسي الطائفي.

ثم سرّب الرجل، عبر قنواته، إن باريس ستمهل بيروت أسبوعين أو ثلاثة، وإلا فإنها ستضع يدها على ملف الانفجار. جال على سكان أحياء متضرّرة، واستمع إلى شتائم ناسها بحق الرؤساء والسياسيين، وكلف نفسه مهمة تنسيق الدعم الإنساني الأوروبي والدولي للبنان.

باختصار، هناك فراغ يمكن ملؤه. وفرنسا، بما تمثله في المخيال اللبناني الرومانسي، مؤهلة للقيام بالمهمة برأي الرجل ولبنانيين عددهم معتبر، فلا هي أميركا الشيطان الأكبر بالنسبة لكثيرين، ولا هي إيران، النصف الآخر من ذلك الشيطان عند الباقين.

تطرح زيارة ماكرون، وتصريحاته وسلوكه، سجالات يهواها كثيرون: هل نفرح بأن يهين مسؤول أجنبي حكام البلد، لأنهم يستحقون أكثر بكثير من مجرّد الإهانة؟ ولكن ماذا عن نوايا الوصاية التي يحملها خطاب الرجل وسلوكه؟

نوعان من الإجابات يحضران في الأحاديث: صنف أول يفيد بأن اللبنانيين عجزوا، حتى في انتفاضتهم أخيرا، عن تكوين نواة سياسية جديدة، لا طائفية وغير فاسدة، لكي تحل يوماً ما مكان القبائل الحاكمة.

بالتالي، فإن هذا الاعتراف يخلص إلى أن حلول قوة أجنبية ليبرالية وغربية على شكل وصاية سيكون أفضل حالا للبنان من استمرار الجحيم الحالي. في المقابل، يبقى هذا المنطق الاستسلامي مرفوضا عند كثيرين، لأن الوصاية لم تكن يوماً، وفي أي مكان في العالم، حلا للبلدان الفاشلة.

والوصاية هنا لا دخل لها بالمفهوم الانعزالي الذي يبشّر به رجعيو معسكر إيران، فلا المقصود به الانفتاح على العالم، ولا الاستفادة من خبرات الغرب والشرق وإمكاناتهما، بل تسليم أمر الحكم وإدارة العلاقات السياسية لهيئة دولية عليا أو لدولة أجنبية، بموجب اتفاق ضمني، أو تحالف عالمي، شبيه بالصيغة التي تولت بموجبها سورية حكم لبنان بعد انتهاء الحرب الأهلية.

لبنان بحاجةٍ لإعادة تصوّر يتطلب مخيلة خصبة، لا تفارقها معرفة دقيقة بالإمكانات وبحدود الممكن. لكن أي تصوّر يبقي على البنية الطائفية، مموهة أو صريحة، لا يعوّل عليه. أي تصور يحافظ على كره فكرة وجود لبنان مستقل، تعلقا باستعمار مضى، أو غراما بنماذج ايرانية أو بعثية مشتهاة، لا يعوّل عليه.

أي تصوّر يقوم على كره السياسة (الحقيقية لا التي يعرفها اللبنانيون) والأحزاب (الحقيقية لا دكاكين الطوائف والزعامات المناطقية ومؤسسات شراء الذمم)، ويتمسّك بوهم التكنوقراط، لن يكون إلا سيرا بعكس ما تتطلبه مهمة إعادة البناء ومخيلتها.

* أرنست خوري كاتب ومحرر صحفي لبناني

المصدر | العربي الجديد