اعتبر معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أنه رغم الخلافات بين موسكو وأنقرة حول سوريا وليبيا ومنطقة البحر الأسود عموماً، إلّا أن روسيا وتركيا لا تزالان مصممتين على التعاون، وتشنّان حروباً بالوكالة بدلاً من انخراطهما في مواجهة عسكرية مباشرة.

ففي الوقت الذي تعيد فيه روسيا جزئياً فتح مجالها الجوي للطيران الدولي وسط استمرار الوباء العالمي، أصبحت تركيا من بين البلدان الثلاثة الأولى المعنية باستئناف الرحلات الجوية الروسية.

كما تروّج موسكو أيضاً للتعاون الفضائي المحتمل مع تركيا وسط توترات مع الولايات المتحدة بشأن هذه القضية.

ويسعى كلا البلدين إلى تعميق علاقاتهما الاقتصادية؛ فعلى مر السنين أعلنا مراراً وتكراراً عن هدفهما المنشود المتمثل في الوصول إلى تجارة ثنائية قدرها 100 مليار دولار، وهو هدف طموح لأن حجم التجارة الحقيقي كان أقل من ثلث هذا الهدف.

ومع ذلك، ففي عهد الرئيس "فلاديمير بوتين"، تطوّرت العلاقات التجارية لروسيا مع تركيا بشكل كبير، ورجحت كفّتها لصالح موسكو.

أما تركيا، فكمثال لهذا التطور، أصبحت تعتمد أكثر فأكثر على السيّاح الروس. وبالتالي من المهم أن يمنح هؤلاء السياح الأولوية اليوم للعودة إلى تركيا.

ووفقاً لإحصاءات "وجهة التجارة الصادرة عن صندوق النقد الدولي"، تراوحت الصادرات التركية إلى روسيا خلال السنوات الأخيرة في نطاق 3-4 مليارات دولار، بينما بلغت الواردات بين 20 و23 مليار دولار.

إس-400 والغاز الروسي

وبعد أن أسقطت أنقرة طائرةً روسية أواخر عام 2015 عندما دخلت الأجواء التركية لفترة وجيزة، قادمةً من سوريا، ساهم الضغط الاقتصادي الروسي في حمل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" على الاعتذار عن الحادثة في نهاية المطاف.

وفي هذا السياق، ربما كان "بوتين" قد انتزع وعداً من "أردوغان" بشراء منظومة "إس-400" من روسيا.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، خلال الانقلاب الفاشل ضد "أردوغان" في صيف 2016، سارع "بوتين" إلى توجيه رسالة دعم له، الأمر الذي أدّى إلى اقتراب أردوغان بصورة أكثر من الكرملين.

ولا تزال صفقة شراء منظومة "إس-400" سبباً مهماً للتوتر الحاصل بين تركيا والغرب، وهو أمر لا يسع "بوتين" إلا الترحيب به.

وتعمل موسكو على بناء أول محطة للطاقة النووية في تركيا، وهو مشروعٌ تمتلك فيه شركة "روساتوم" الحكومية الروسية حصة 99.2%، بينما لا تزال تركيا تعتمد أيضاً على الغاز الروسي.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أطلق "بوتين وأردوغان" خط الأنابيب الجديد "ترك ستريم" (TurkStream)، وهو خط أنابيب غاز طبيعي جديد يعبر البحر الأسود إلى إسطنبول ويرسل الغاز الروسي إلى تركيا وجنوب شرق أوروبا متجاوزاً أوكرانيا. واحتلت روسيا العام الماضي المرتبة الأولى في توريد الغاز إلى تركيا.

ومن المؤكد أن أنقرة عملت على الحد من درجة اعتمادها على الغاز الروسي، بحيث تراجعت روسيا هذا العام إلى المركز الرابع.

ودفعت الرغبة في الاستقلال في مجال الطاقة أردوغان إلى التحالف مع "حكومة الوفاق الوطني" في ليبيا من أجل تعزيز موقف تركيا التفاوضي بشأن شرق البحر المتوسط، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق المياه القبرصية.

ومع ذلك، لا تزال تركيا بعيدة كل البعد عن تحقيق الاستقلالية في قطاع الطاقة، في حين يعرض "بوتين" حالياً الوساطة الروسية "لتخفيف التوترات" بشأن التنقيب التركي عن النفط والغاز في هذه المنطقة.

البطاقة الكردية

ويعمل "بوتين" باستمرار على استمرار البطاقة الكردية ضد أردوغان في سوريا. فالقومية الكردية لها مكانة جوهرية بالنسبة لأردوغان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمواجهته مع "حزب العمال الكردستاني" الذي نشأ في حقبة الحرب الباردة برعاية الكرملين.

ويصرّ "أردوغان" على أن الأكراد السوريين إرهابيون، بينما تعتمد موسكو على روابط عميقة وطويلة الأمد مع الأكراد. وفي سوريا، أتاح التقارب مع "بوتين" إلى تمكين "أردوغان" من التصدّي لمنطقة "حزب الاتحاد الديمقراطي/وحدات حماية الشعب" في سوريا.

وبقدر ما كان "أردوغان" يرغب في رحيل "الأسد"، كانت أولويته في صدّ الأكراد السوريين أكبر من ذلك، وهنا كان بحاجة إلى موسكو.

ووفقًا للكاتب "ه.آي. ساتن" من "المعهد البحري الأمريكي"، نظراً لمكانة روسيا المعززة في سوريا وشبه جزيرة القرم، فقد أصبحت موسكو تملك الآن "قوة غواصات دائمة في البحر المتوسط تعمل على استخدام الديزل والكهرباء اللذين يوفّرهما أسطول البحر الأسود".

وكتب أنّ موسكو تستغل الثغرات الموجودة في "اتفاقية مونترو" لعام 1936 "من أجل إقامة وجود دائم لها في البحر المتوسط"، مما يؤثر مباشرةً على تركيا وحلف "الناتو"، حيث تنظّم الاتفاقية المرور البحري عبر المضائق التركية.

ويقيناً، فإن الموقف العسكري الروسي في سوريا أضعف مما كان عليه في زمن الاتحاد السوفيتي السابق. ففي سوريا، تتمتع تركيا بعدة مزايا عسكرية، لكن "أردوغان" لا يزال عرضةً لموجات من اللاجئين الإضافيين الوافدين من إدلب، وهو أمر يفهمه "بوتين" جيداً.

ومع تصاعد التوترات العام الماضي بين روسيا وتركيا بشأن ليبيا، أشارت موسكو إلى قدرتها على ممارسة الضغط على أردوغان من خلال إدلب. وبالتالي أصبحت سياسة روسيا في سوريا مرتبطة بشكل متزايد بسياستها في ليبيا.

مواجهة عسكرية مباشرة

ولكن ربما الأهم من ذلك، لا يتطلع كل من "بوتين وأردوغان" إلى حل خلافاتهما من خلال مواجهة عسكرية مباشرة. وتواصل القوات الروسية والتركية القيام بدوريات مشتركة على الطريق السريع الاستراتيجي "أم4" في سوريا في سياق التوترات الأوسع بين روسيا وتركيا والأسد.

وغالباً ما يتردّد صدى التوترات الشرق الأوسطية في القوقاز. لذلك تصاعدت التوترات بين أرمينيا وأذربيجان لفترة وجيزة في تموز/يوليو الماضي في أكثر مناوشة دمويةً منذ عام 2016 بسبب ما يسمّى بـ "الصراع المجمّد" في "ناجورنو - قرة باخ" - ذلك الصراع الذي تديمه موسكو لإبقاء جميع الأطراف المعنية معتمدةً على الكرملين.

وأقسم أردوغان على "الوقوف بوجه أي هجوم" على أذربيجان، بينما رفع كبار المسؤولين الأتراك الآخرين صوتهم ضد أرمينيا لصالح أذربيجان.

وفي المقابل، دعت موسكو إلى وقف إطلاق النار، وأعربت عن استعدادها للتوسّط بين أرمينيا وأذربيجان، وأجرت تدريبات عسكرية مكثفة في اللحظة الأخيرة على الحدود الجنوبية الغربية لروسيا، بينما كانت البحرية الأمريكية تجري مناوراتها في البحر الأسود.

ومرة أخرى أدّى الوضع إلى وقوف تركيا وروسيا على طرفَي نقيض، ولكن هنا أيضاً كانت الأفضلية لموسكو بالمقارنة مع تركيا. وربما لهذا السبب، لم تتجاوز أنقرة حدود الدعم الخطابي لأذربيجان إلى حدٍّ كبير، على الرغم من أنها قامت، من جملة أمور أخرى، بإرسال مروحيات للتدريبات العسكرية.

وليس سراً أن بوتين يهدف إلى تقسيم حلف "الناتو". فبينما ازدادت التوترات في علاقة الغرب مع تركيا على مر السنين، تساءل المحللون في كثير من الأحيان عمّا إذا كانت تركيا ستنسحب من "الحلف". لكن السؤال الأكثر أهمية هو: لماذا قد يرغب "أردوغان"، أو حتى بوتين، في حدوث ذلك؟ لقد نصب بوتين فخاً لأردوغان منذ فترة طويلة، وأدرك هذا الأخير حقيقة الأول بعد فوات الأوان، ولم يتبقَّ أمامه الآن سوى خيارات محدودة.

ومن المرجح أن تواصل موسكو وأنقرة العمل في ظل الوضع الراهن غير المستقر، حيث تعقدان صفقات ظرفية وتشنّان حروباً بالوكالة بدلاً من انخراطهما في مواجهة عسكرية مباشرة، في حين يبقى ميزان القوى الإجمالي لصالح موسكو في المستقبل المنظور. غير أن هذا الوضع في حد ذاته ليس خبراً ساراً لصانعي السياسات في الغرب. وأحد أسباب ذلك هو أنه يترك روسيا وتركيا كمقررين في مناطق حيوية استراتيجياً في العالم، مثل ليبيا وسوريا، حيث لا يتصرّف أيٌّ منهما بدافع تحقيق سلام فعلي.

وبدلاً من ذلك، يجب أن يركز صانعو السياسات على بناء النفوذ وتأكيد موقفهم القيادي الخاص بهم، فيما يتخطى فرض المزيد من العقوبات ومشاهدة روسيا وتركيا تبرمان صفقاتٍ لن تؤدي في النهاية إلا إلى ترسيخ مواقفهما، لكنها لن تجلب حل حقيقي للصراع في تلك البلدان. ولن يتسبب ذلك إلا بالضرر للمصالح الأمريكية، والمصالح الغربية على نطاق أوسع.

المصدر | معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى