مصر واليونان ضد تركيا: مكر السياسة أم بؤسها؟

لا تتعلّق الاتفاقية بمصالح مصر بقدر الإضرار بمصالح تركيا والانتصار لغريمتها التاريخية، اليونان.

دافع «الترسيم» اليوناني المصري الضغط على تركيا بعد عقدها اتفاقية بحريّة مع الحكومة الشرعيّة الليبية في طرابلس.

أعلن النظام المصري عن الاتفاقية لا باعتبارها عملا يحفظ حقوق مصر البحرية بل بكونها «تنهي الأطماع التركية بمنطقة شرق المتوسط».

هل أقسم المسؤولون اليونانيون أمام نظرائهم المصريين بأنهم سيعوضونهم عن خسائر كبيرة من ثروات اقتصادية في المتوسط إذا قبلوا الغدر بتركيا؟

قرابة 20 دولة لم تصادق على اتفاقية 1982 البحرية التي تستند إليها اليونان والباب مفتوح لخلافات قانونية كبرى وسياسية وبذور حروب يمكن اشتعالها.

*     *     *

بعد 12 جولة فنية من المفاوضات وقّعت حكومتا مصر واليونان اتفاقا لترسيم الحدود بينهما في البحر المتوسط، وكان واضحا تماما أن دافع «الترسيم» المذكور هو الضغط على تركيا بعد إقامتها اتفاقية بحريّة مع الحكومة الشرعيّة الليبية في طرابلس، وهو ما دفع أنقرة لاعتبار الاتفاقية المذكورة بلا قيمة و«كأنها لم تكن»، وذلك، لأنه «لا حدود بحرية بين اليونان ومصر».

الدليل على أن الأمر لا يتعلّق بحدود بحريّة فعلا بل إلى «فقه النكاية» هو الطريقة التي أعلن النظام المصري فيها عن هذه الاتفاقية لا باعتبارها عملا يحفظ حقوق مصر البحرية بل بكونها «تنهي الأطماع التركية» في منطقة شرق المتوسط»، و«توجه صفعة قوية لاردوغان» و«تبطل اتفاق أنقرة مع حكومة السراج في ليبيا».

والفعل، بهذا المعنى، لا يتعلّق بمصالح مصر بقدر ما يتعلق بالإضرار بمصالح تركيا من جهة، والانتصار لغريمتها التاريخية، اليونان، من جهة ثانية.

كان قبول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للاتفاق البحري بين تركيا وليبيا سيمنح القاهرة امتيازا بحريا ضخما، ويعطيها أفضلية في مواجهة المطالب اليونانية المدعومة من الاتحاد الأوروبي.

وقد انكشف لاحقا أن الرئيس المصري تجاهل توصية رسمية برفض الطرح اليوناني كونه يؤدي لخسارة بلاده سبعة آلاف كيلومتر مربع من مياهها الاقتصادية، ويؤثر على أحقيتها في تعيين الحدود مستقبلا مع الدول المتوسطية الأخرى، بما فيها تركيا.

يتجاهل السيسي النتائج السيئة لاتفاق سابق مع قبرص، الدولة التي تدور في فلك اليونان، عام 2003 والذي تمت المصادقة عليه عام 2013، فتلك الاتفاقية خسّرت مصر حقول افروديت، وهو ما سمح لإسرائيل بوضع اليد على حقلي تمار ولفياثان رغم أنهما خارج الحدود البحرية للدولة العبرية.

وفي الوقت الذي يقوّي فيه موقف اليونان التفاوضي، ويستقوي على تركيا، فهو لا يستطيع التصرّف بالطريقة نفسها مع إسرائيل، كما يستسهل إعطاء اليونان حدودا اقتصادية متنازعا عليها، لأنها تعتبر جزرها أرخبيلا فيما تستند تركيا إلى قانون بحري يعتبر الجزر عادية ومجالها البحري هو 12 ميلا.

هناك قرابة 20 دولة لم تصادق على اتفاقية عام 1982 البحرية التي تستند إليها اليونان، وبين هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وكذلك تركيا وإيران وإسرائيل والإمارات وليبيا، والباب مفتوح إذن لأشكال من الخلافات القانونية الكبرى، ناهيك عن الخلافات السياسية وبذور الحرب التي يمكن اشتعالها.

يتّسق قرار السيسي، في الحقيقة، مع خطّ من التهاون في قضايا مصر الاستراتيجية، بدءا من اتفاقية تيران وصنافير، التي سلّم فيها جزيرتي البحر الأحمر الكبيرتين للسعودية، ومرورا بالنكسات المتتالية في التعامل مع قضية سد النهضة الأثيوبي.

ومفيد هنا التذكير بالعقلية السياسية البلهاء في هذا الموضوع، والتي تتجلى في تصريح وزير الري المصري محمد عبد العاطي بأن رئيس وزراء اثيوبيا «جه هنا، وقصاد الرئيس عبد الفتاح السيسي والكاميرات حلف وقال مش هتقلّوا كوب مياه واحد»!

 وهو ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة «المفاوضات» التي جرت بين السلطات اليونانية والمصرية، وهل قام المسؤولون اليونانيون بالقسم أمام نظرائهم المصريين بأنهم سيعوضونهم عن خسارتهم الكبيرة من الثروات الاقتصادية في المتوسط إذا قبلوا الغدر بتركيا؟

المصدر | القدس العربي