كان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في حاجة ماسة بإعلان فوز في السياسة الخارجية. وأصبح الآن لديهم واحدا.

وكانت الولايات المتحدة و(إسرائيل) والإمارات قد أصدرت بيانا مشتركا، الخميس، أعلنت فيه الدول الـ 3 التوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات الإماراتية الإسرائيلية. ووفق الإعلان، نتيجة لذلك، وافقت (إسرائيل) على تعليق عملية "بسط السيادة" على أجزاء كبيرة من الضفة الغربية كانت إدارة "ترامب" قد اعترفت لـ (إسرائيل) بأحقيتها بموجب ما يسمى بـ "رؤية السلام".

وفي حين يعد هذا تطورا مهما، إلا أنه أقل مما قد يظهر من بعيد. وتربط الإمارات و(إسرائيل) علاقة سرية منذ أعوام عديدة. وتعد إقامة علاقات دبلوماسية رسمية خطوة كبيرة إلى الأمام، لكنها ليست "اتفاقية سلام" كما أطلق عليها البعض؛ لأن البلدين لم يدخلا في حالة حرب أبدا.

كما أن الحديث عن موافقة (إسرائيل) على تعليق الضم مبالغ فيه. فلم تبدأ فعليا أي عملية ضم رسمية، لكن الضم الفعلي من خلال توسيع المستوطنات، والطرق المخصصة للإسرائيليين فقط في الضفة الغربية، والجدار الأمني، ​​وإجراءات أخرى، مستمر منذ أكثر من نصف قرن.

ويمكن لـ "نتنياهو" أن يواصل هذه العملية بموافقة الإمارات، في مقابل إيقاف عملية رسمية لم يفعل أكثر من الحديث عنها، ولم توافق عليها حتى إدارة "ترامب".

في نفس الوقت، اتخذت الإمارات، التي كانت تحاول في الأعوام الأخيرة تأكيد نفسها كقوة إقليمية، خطوة كبيرة إلى الأمام في هذا الصدد.

وسيعمل الإماراتيون الآن بشكل أوثق مع الولايات المتحدة و(إسرائيل) بشأن القضايا الإقليمية، مثل معارضة إيران. ومع تعثر السعودية في اليمن، وتراجع شعبيتها بشكل متزايد في الولايات المتحدة، تأمل الإمارات في تعزيز موقعها كأصل عسكري في المنطقة.

ومع ذلك، يتحمل الإماراتيون أيضا أكبر قدر من المخاطر حتى الآن من الأطراف الـ 3، مع وجود القليل من الجوانب السلبية بالنسبة للولايات المتحدة و(إسرائيل)، في حين قد تواجه الإمارات رد فعل عنيف في العالم العربي.

وتتخلى هذه الخطوة فعليا عن مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي عرضت التطبيع الكامل مع جامعة الدول العربية بأكملها إذا أنهت (إسرائيل) احتلالها للفلسطينيين.

ويعد هذا الخطر هو السبب في أن ولي العهد "محمد بن زايد" كان أكثر صمتا في تغريدة أعلن فيها عن الصفقة أكثر من "نتنياهو" و"ترامب". وبينما وصف "نتنياهو" اليوم بأنه "تاريخي"، وبشر "ترامب" بـ "اختراق دبلوماسي هائل"، غرد "محمد بن زايد"، بشكل أكثر تواضعا، قائلا إنه "تم التوصل إلى اتفاق لوقف المزيد من الضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. كما اتفقت الإمارات و(إسرائيل) على التعاون ووضع خارطة طريق نحو إقامة علاقة ثنائية".

ومن الواضح أن ولي العهد كان يترك لنفسه بابا خلفيا للهروب إذا اشتدت الحرارة. فكما أشار البيان المشترك، لم يتم الانتهاء من أي شيء بعد. وقال: "ستجتمع وفود من (إسرائيل) والإمارات في الأسابيع المقبلة لتوقيع اتفاقيات ثنائية تتعلق بالاستثمار، والسياحة، والرحلات المباشرة، والأمن، والاتصالات، والتكنولوجيا، والطاقة، والرعاية الصحية، والثقافة، والبيئة، وإنشاء سفارات متبادلة، وغيرها من مجالات المنفعة المتبادلة".

لذلك يمكن أن يخرج الاتفاق عن مساره، لكن البيان المشترك يلزم جميع الأطراف بهدف إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين (إسرائيل) والإمارات، ويعلم "بن زايد" بالتأكيد أنه ستكون هناك تكلفة سياسية كبيرة إذا تراجع، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية.

  • التأثيرات على (إسرائيل) والفلسطينيين

وتعد هذه خطوة رئيسية لـ "نتنياهو". ويفسر هذا سبب عدم دفعه لإدارة "ترامب" بشدة بشأن الضم، وهو مطلب رئيسي لجناحه اليميني. وبينما تباطأت الولايات المتحدة في هذا الموضوع، واجه "نتنياهو" ضغوطا متزايدة لتحدي واشنطن والمضي قدما.

ومع ذلك، ظل صامتا إلى حد كبير، واشتكى من حين لآخر فقط من تقاعس الولايات المتحدة، ولم يفعل شيئا لحشد مؤيديه في واشنطن للمساعدة أو لمواجهة الخطاب المناهض للضم الذي اجتاح معظم أنحاء البلاد. والآن بتنا نعرف لماذا.

وفي حين من غير المرجح أن يوقف الاتفاق مع الإمارات الاحتجاجات في (إسرائيل) المطالبة باستقالته، أعطى "نتنياهو" المركز الإسرائيلي شيئا يريده بشدة، وهو زيادة التطبيع مع العالم العربي دون ربط هذه العملية باتفاق مع الفلسطينيين.

وسيكون ذلك مهما لفرصه إذا تمت الدعوة لانتخابات، وهو احتمال واضح.

وفي حين أن حركة المستوطنين لن تكون مسرورة بالتخلي عن الضغط من أجل ضم أجزاء من الضفة الغربية رسميا، فإن هذا الغضب سيخمد قليلا من خلال تعزيز التحالف المناهض لإيران وفتح مساحة أكبر لـ (إسرائيل) كي تنشط فيه.

وحتى لو ظلوا غاضبين، فإن دعم الوسط الذي يمكن أن يتوقعه "نتنياهو" سوف يفوق غضب اليمين.

وكتبت إحدى الشخصيات الفلسطينية البارزة، وهي "حنان عشراوي"، على موقع تويتر: "لقد كوفئت (إسرائيل) على عدم التصريح علانية بما تفعله بفلسطين بشكل غير قانوني ومستمر منذ بداية الاحتلال. لقد أخرجت الإمارات فقط تعاملاتها السرية التطبيعية مع (إسرائيل) للعلن. من فضلكم لا تقدموا لنا معروفا. فنحن لسنا ورقة تين لتغطي عوراتكم".

ويقوض هذا التطور الموقف الفلسطيني بشكل خطير. وتثبت (إسرائيل)، بدعم قوي من الولايات المتحدة، أنه يمكنها إقامة علاقات طبيعية مع دول الخليج الغنية بالنفط دون إنهاء أو حتى تخفيف احتلالها بأي شكل من الأشكال.

وبينما يستمر الشعب العربي في دعم القضية الفلسطينية، تدرك القيادة الخليجية العربية أن بإمكانهم الإفلات من تكلفة العلاقات الدافئة مع (إسرائيل). علاوة على ذلك، فإن جهود تل أبيب لضم أجزاء من الضفة الغربية قد هددت بزعزعة استقرار الأردن، وهو قلق أثير في العديد من الزوايا.

والآن أصبح هذا خارج الصورة، ولن يشكل تهديدا لاستمرار وجود المملكة الأردنية.

ويقلل كل هذا من النفوذ الضئيل الذي يتمتع به الفلسطينيون بالفعل، ويجعل الخيارات الدبلوماسية أقل قابلية للتطبيق.

  • زيادة النزعة العسكرية

ويساعد فتح العلاقات الدبلوماسية، كقاعدة عامة، في دعم السلام الإقليمي والدبلوماسية. لكن الظروف والدوافع مهمة، وفي هذه الحالة، قد يكون لها تأثير معاكس.

وتروج إدارة "ترامب" لمجموعة متنوعة من الفوائد، ولكن لأغراضها الاستراتيجية، فإن فتح الفرص لـ (إسرائيل) للعمل بشكل مباشر أكثر مع الإمارات ضد إيران هو السمة الأساسية.

ولا يساعد هذا في تعزيز الدبلوماسية في منطقة الخليج أثناء وجود "ترامب". لكن إذا قررت إدارة مستقبلية التحول نحو الالتزام الكامل بالدبلوماسية مع إيران، فقد يتناقض هذا بشكل كبير مع النهج العسكري الحالي، وربما يجعل ذلك الدبلوماسية أكثر جاذبية لإيران.

لكن زيادة شعور (إسرائيل) بأن احتلالها للفلسطينيين لا يكلف الكثير يجعل الدبلوماسية أقل قابلية للتطبيق بالنسبة للفلسطينيين ومؤيديهم.

ومن المرجح أن تتحرك بعض الدول، مثل تركيا وقطر، لتعريف نفسها على أنها قادة دعم القضية الفلسطينية، لكن ذلك لن يفعل الكثير لتحسين قدرة الفلسطينيين على تأكيد مطالبهم دبلوماسيا.

وكلما زادت ثقة (إسرائيل) في قدرتها على الحصول على العلاقات مع العالم العربي الذي تريده دون إنهاء احتلالها، قل الحافز المتاح لها للقيام بذلك.

وعلى المدى الطويل، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي ومقاومته للتوصل إلى تسوية تمنح الفلسطينيين حقوقهم الكاملة والمتساوية يعزز عدم الاستقرار الإقليمي.

ويضع هذا التطور الأخير المزيد من العقبات في طريق الدبلوماسية، وفي النهاية، لا يمكن أن يؤدي ذلك إلى أي شيء سوى العنف.

المصدر | ميتشيل بليتنك/ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد