الجمعة 21 أغسطس 2020 04:18 م

يهدد اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، الدور المصري طويل الأمد، كمحاورين عرب أساسيين مع (إسرائيل).

ووفق دراسة لعهد واشنطن، فإن القادة المصريين قلقون بشكل واضح بشأن اتفاق التطبيع، باعتباره يعزز اعتقاد القاهرة بأنّ مركز القوة في العالَم العربي، بدأ يتحوّل نحو دول الخليج في السنوات الأخيرة.

وكانت مصر ركيزة أساسية في عملية السلام في الشرق الأوسط لعقود من الزمن، وقد منحتها معاهدة السلام مع (إسرائيل) في عام 1979 نفوذاً كبيراً مع واشنطن والعواصم الأوروبية.

إلا أن هذا النفوذ مهدد الآن، نتيجة التعاون العلمي والتبادل السياحي والتعاون الأكاديمي بين (إسرائيل) والإمارات.

وتوقعت الدراسة، أن يتبع الإعلان عن التطبيع الإماراتي الإسرائيلي بسرعة، إلى زيادة خفوت نفوذ مصر، لا سيما بالنظر إلى القدرة المالية والتكنولوجية للإمارات على تسريع مثل هذه المبادرات.

وبارك الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، الاتفاق، وهنأ أطرافها إلا أنه لم يعلق على الاتفاق حتى الآن، سوى القليل من كتاب الاتجاه السائد الموالين للحكومة في مصر.

ومن بين هؤلاء الصحفي المخضرم "عماد أديب"، الذي تربطه علاقات وثيقة بالدوائر الداخلية الإماراتية، الذي كتب مقالاً افتتاحياً لصحيفة "الوطن" أشاد فيه بالاتفاق وشرح الحكمة وراء قرار أبوظبي.

وفي المقابل، اعتبر "جلال دويدار"، الكاتب في صحيفة "أخبار اليوم" المملوكة للدولة، أن الاتفاق لا يعزز الحقوق الفلسطينية، بل بدلاً من ذلك يستخدمها كغطاء للتطبيع مع (إسرائيل).

كما شكك الكاتب في صحيفة "الأهرام" المملوكة للدولة "صلاح منتصر"، في نوايا (إسرائيل) وما إذا كانت ستوقِف حقاً عملية ضم الضفة الغربية.

ومع ذلك، فإن معظم مذيعي التلفزيون المصري بالكاد ذكروا الاتفاق، وبدت خيبة الأمل على أولئك القليلين الذين قاموا بذلك.

ومن بين الدبلوماسيين المصريين السابقين، كتب "عمرو موسى"، على موقع "فيسبوك" أنّ الدول العربية الأخرى التي تتطلع إلى التطبيع مع (إسرائيل) يجب أن تضغط لتحقيق مكاسب فلسطينية إضافية إلى جانب إيقاف عملية الضمّ.

رد الفعل السياسي

وفي المجال السياسي، لم يعلق البرلمان المصري على الاتفاق، على عكس عادته في دعم الخطوات الإماراتية علانية ضد قطر وتركيا. ولم يُصدر أي حزب سياسي بياناً فردياً أيضاً.

لكن الشخصيات الموالية للحكومة التي لم تعلق على الاتفاق بحد ذاته انتقدت رغم ذلك الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"؛ بسبب التهديدات التي أطلقها بعد الإعلان عنه.

وحسب الدراسة التي نشرها "هيثم حسنين"، وهو زميل "غليزر" السابق في معهد واشنطن، ومحلل لشؤون الشرق الأوسط، فإن هناك عاملان رئيسيان قد يفسران رد مصر الصامت نسبياً.

أولى هذه العوامل، هو أن الحكومة فوجئت على حين غرّة، وربما لا تزال تحاول احتساب خطواتها التالية قبل التفوّه بالمزيد علناً.

وإذا كان الأمر كذلك، "فقد لا يكون لدى موظفي الدولة المسؤولين عن الاتصالات الإعلامية تعليمات واضحة حتى الآن، حول الرسالة التي يتعيّن نشرها".

أما ثاني هذه الأسباب، فتأتي معظم الشخصيات الإعلامية الرئيسية في مصر من خلفية ناصرية يسارية تُعارض بشدّة التطبيع مع (إسرائيل).

ومهما يكن السبب، حسب "حسنين"، فإن الرد الصامت لوسائل الإعلام الرسمية يتعارض مع الانتقادات الواسعة للاتفاق، والتي عبّر عنها معلّقون مصريون على وسائل التواصل الاجتماعي وشخصيات مصرية في الشتات خارج سيطرة الحكومة، من بينهم بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الخارج.

ووفق الدراسة، فإنه من المحتمل أن يكون الاتفاق الإماراتي، قد أحرج "السيسي" أمام مؤيديه الأساسيين من النخبة.

ويبدو أن بعض الشخصيات المصرية على الأقل تعتقد أنه أضاع فرصةً تاريخيةً ليكون القوة الرئيسية التي تقود التطبيع في المنطقة.

على سبيل المثال، أعرب المفكر "عبدالمنعم سعيد"، علي عن أسفه للمقاطعة العربية التي طال أمدها ضد (إسرائيل)، مشيراً إلى أنها "لم تؤذي (تل أبيب) أبداً بأي شكلٍ من الأشكال".

مصر والدفع للتطبيع

ويقيناً أن القاهرة، حسب الدراسة، تدرك أنها لم تكن جزءاً من برنامج السلام الخاص برئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" في الشرق الأوسط، منذ بعض الوقت، وأنها لم تعد قادرة على الاعتماد على بطاقة التطبيع كوسيلة ضغط ضد (إسرائيل)، ومع ذلك، لم تتوقع منه أبداً تحقيق التطبيع مع قادة الخليج بهذه السرعة.

ومما يثير قلق القاهرة أيضاً، هو واقع عدم قدرتها على التنافس مع الإمارات في مبادرات التطبيع؛ لأن الإماراتيين يملكون الكثير من الأموال الإضافية، وباستطاعتهم إبرام اتفاقيات تجارية مع (إسرائيل) بسرعة أكبر.

ومع ذلك، وحسب الدراسة، لا ينبغي لهذه المخاوف أن تلقي بظلالها على الجوانب المهمة من التعاون المصري-الإسرائيلي التي لا تزال سارية.

وعلى وجه الخصوص، ستبقى القاهرة شريكاً رئيسياً في مكافحة الإرهاب في سيناء (شمال شرقي مصر)، وتسهيل محادثات غزة، وتعزيز مشاريع الغاز الطبيعي.

ويأتي الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي، في وقت كانت السياسة الخارجية المصرية تشقّ طريقها بجهدٍ في السنوات الأخيرة، ابتداءً من تراجع موقعها بالنسبة للإمارات وروسيا في ليبيا، مروراً بمكانتها في الجانب الخاسر في أزمة سد النهضة، ووصولاً إلى طلب المساعدة الفرنسية واليونانية لمواجهة تركيا في شرق البحر المتوسط.

ولكي تحفظ القاهرة ماء الوجه، وتعيد التأكيد على أهميتها في المنطقة، قد تحاول بالتالي إقناع واشنطن باستئناف المحادثات الإسرائيلية-الفلسطينية "عاجلاً وليس آجلاً".

لكن رداً على ذلك، يجب على واشنطن أن توضح أن ما سيُملي مستقبل صنع السلام هو التطبيع الإقليمين، حسب الدراسة.

بعبارة أخرى، ستحتاج مصر إلى الانضمام إلى معسكر التطبيع بعد مماطلتها لسنوات، وإلا سترى استمرار تراجع هيبتها ونفوذها الدولي.

فتقول الدراسة، إن القاهرة لم تكن جادة بشأن التطبيع مع (إسرائيل) منذ سنوات.

وحتى وقتٍ قريب، على سبيل المثال، اتبعت سياسات عدائية مثل تجريد المصريين الذين يعيشون في (إسرائيل) من جنسيتهم، ومنع الاتصال بالأكاديميين الإسرائيليين، واحتجاز المصريين الذين يتجرّؤون على حضور الفعاليات الثقافية التي تُقيمها السفارة الإسرائيلية، ورعاية البرامج التلفزيونية التي تصوّر اليهود والإسرائيليين كأشرار، والأهم من ذلك، منع المزيد من التطبيع الاقتصادي في بعض المجالات مثل السياحة والزراعة والمياه.

المصدر | الخليج الجديد